الإسكندراني والسيسي وزيدان …. يا حفيظ!!!

فاطمة ناعوت
2019 / 4 / 1



(كان يومًا من أجمل أيام حياتي. صالونٌ تنويريٌّ يضيءُ المساحات المظلمة في العقل الجمعيّ. زيدان والإسكندراني... يا حفيظ! وكمان فاطمة ناعوت! ده شيء يجنن شيء يغيظ! وهذا الجمعُ الغفير من مُحبيكِ! سعدتُ بكم وأتمنى عشرات الصالونات. وأهنئكِ على وطنيتكِ ومحبتكِ لقواتنا المسلحة، وكذلك على رأيكِ عن العلمانية، وتفسيركِ لها أنها ليست معاكسة للدين، بل أن الدين ورجاله لم يجدوا كرامة وحماية الا في ظلِّها.)
وصلتني الرسالةُ الثمينة السابقة من رجل عظيم يأتي مثلُه مرةً كلَّ ألف عام. رجلٍ ما أن يُذكَر اسمُه حتى تُرفعُ القبّعات وتنحني الهاماتُ احترامًا. رجلٍ إن أمسكَ بالمِشرط ليجرح جسدًا، عالجَ سَقَمًا؛ ونهضَ السقيمُ صحيحَ البدن. وإن أمسك قلمًا ليجترحَ فكرةً، عالج جهلاً؛ وانتفض المرءُ فاهمًا واعيًا صحيحَ الروح. رجلٍ اسمه "وسيم السيسي"، الطبيب الجرّاح والمفكّر وعالم المصريات والوطنيّ النبيل.
ورغم ما يحملُ الرجلُ في عقله من علم، وفي قلمه من إبداع. إلا أن الرسالة شابها بعضُ الخطأ. فقد وضع بالرسالة اسمي، وأغفل اسمَه تواضعًا ونبلا! لهذا أصلحتُ الخطأ في عنوان المقال: "الإسكندراني والسيسي وزيدان، يا حفيظ! ده شيء يجنن شيء يغيظ!” وعلّكم تستدعون الآن في أذهانكم مطلع أغنية العظيم "سيد درويش" التي كتبها العظيم "بيرم التونسي" وموّسقها العظيمُ “زكريا أحمد”: "هاتجن يا ريت يا خونّا مرحتش لندن واللا باريز، دي بلاد تمدين ونضافة وذوق ولطافة وحاجة تغيظ." التي اختصروا فيها بخفّة ظلّ مشاكلَ الشارع المصري التي تحُولُ بيننا وبين التحضر والتمَديُن والترقّي.
وأما الإسكندراني، فهو حنجرة مصر الأسطورية وثعلب المخابرات المصرية، والمثقف المتصوّف: “سمير الأسكندراني"، "الأب الروحي لصالوني الشهري"، الذي يُشرّفني بحضوره الثريّ المُبهج، فيكون صانعَ الفرح الذي يضخُّ في قلوب الجمهور شيئًا عزيزًا وجميلا اسمه: “الحبّ".
وأما "زيدان"، فهو المفكر والباحث التاريخي والروائي: “د. يوسف زيدان"، ضيف الشرف في صالون مارس. وكان حديثه حول "التصورات الكبرى" مدعاةً لإعمال العقل وإعادة بناء مفاهيمَ جديدة لأفكار جامدة تحجّرت في أذهاننا على أغاليطها.
وأما د. وسيم السيسي، افهو صاحب أشهر صالونات مصر: "صالون المعادي الثقافي". وهو مَن علّمني في طفولتي وصِباي كيف أفخر بمصريتي وأتعلّم علمًا غنيًا هو: "علم المصريات" Egyptology، فقد فاجأننا بالحضور في صالون مارس، على غير توقّع، فاشتعلت صيحاتُ الفرح من الجهور. وحين تكلّم كان قليلُه كثيرًا؛ لأن جرعةً من غزير علمه تحتاجُ صبورَ الوقت؛ حتى نستقطِرَ شهدَها قطرةً قطرة، إذْ في كل قطرةٍ مجرّةٌ من النور تُبهِرُ أبصارَ المبصرين، وتمنحُ البصرَ للمكفوفين.
أولئك الرجالُ الثلاثة العظامُ الذين شرّفوا صالوني بحضورهم، أرقامٌ صعبةٌ في حاضر مصر الفقير، وتاريخها الثريّ. رموزٌ شاهقة في الفن والعلم والفلسفة والمصريات والتصوف. كلُّ رجل منهم، مدرسةٌ وطنيةٌ كاملة تزهو بها مصرُ.
وأما صالوني الذي يزهو بمثل تلك القامات، فسوف أحاولُ الآن أن أنسلخَ من ذاتي وأقيّمه بموضوعية المُراقِب وكأنني لست صاحبته. لطالما ناديتُ أساتذتي من الأدباء والمفكرين بعقد صالونات دورية كما كان يفعل طه حسين والعقّاد ومي زيادة في منتصف القرن الماضي؛ وقت الإشراق الثقافي التنويري في مصر. وبذلتُ الجهد حتى أقنعتَ الشاعر الكبير "أحمد عبد المعطي حجازي" بعمل صالون، لم يستمر إلا مرةً واحدة. ثم فقد حماسه للأسف! فققرتُ أن أُنشئ صالونًا وأدعو في كلّ شهر ضيفَ شرف جديدًا من قامات مصر، فكأنما يتحول صالوني إلى صالونات كثيرة لجميع قامات مصر الفكرية والفنية والعلمية. وهو ما كان. الصالونُ يعيدنا إلى أيام المجد الثقافي في مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين يتكبد الإنسانُ مشقةَ الخروج من بيته، ليس لمشاهدة ماتش كرة قدم، أو للعشاء أو السينما أو المسرح أو حفل غناء، وكل ما سبق جميل وممتع، إنما طلبًا لوجبة دسمة من الفكر والفلسفة والاجتماع والشعر والتاريخ والمصريات والتنوير إلى جانب جرعة من الموسيقى والطرب الرفيع. هذا الجمهور الظامئ للجمال مازال موجودًا وحاشدًا، حتى ضاقت به مقاعدُ "نادي الشرق الأدنى للأرمن" محلّ صالوني، فظل كثيرون واقفين ساعاتٍ دون ضجر. وكان شهدُ الختام صوتُ سمير الإسكندراني وهو يمسك يدي لنتجوّل بين الجمهور ونغنّي: "يا رب بلدي وحبايبي والمجتمع والناس".
أشكرُ فريقَ عملي الشبابَ المتطوع الجميل الذين ينظّمون الصالون، وأشكرُ الأرمنَ المتحضرين الذين يستضيفون الصالون مجانًا، وأشكر المطربين والموسيقيين الذين يشرفون الصالون، "فيغسلون جرائمَه الفكرية بنغمهم"، وأشكر "د. ناصر عدلي"، رئيس تحرير "المواطنة نيوز" الذي يُهدينا دروعَ تكريم ضيوف الشرف كل شهر على نفقته الخاصة، وأشكر القنوات الفضائية والصحف التي تُغطّي الصالون إعلاميًّا. وأشكر أستاذي د. وسيم السيسي، سليلَ السلف الصالح العظيم، على تشريفه وكلمته الطيبة عن صالوني، ومن قبل أشكرُ جمهور الصالون المثقف. وبالطبع:"الدينُ لله، والوطنُ لَمن يُحبُّ الوطن”.
***