د. خزعل الماجدي ووهم الأديان... حالة توهم أم قطع يقيني

عباس علي العلي
2019 / 4 / 1

د. خزعل الماجدي ووهم الأديان... حالة توهم أم قطع يقيني

أستمعت لكلمة قصيرة للمؤرخ العراقي والشاعر الدكتور خزعل الماجدي بخصوص قصة تحول عشرة ملوك سومريين إلى أنبياء توراتيين حسب ما ذكر من أن هذا الموضوع سيكون محتوى كتابه القادم الذي سيصدر بعد عدة شهور، الحقيقة أن البحث التاريخي في زوايا تاريخ البشر والأديان الذي يمتد لعدة ألاف من السنين بناء على ما يمكن أستنتاجه من خلال أساليب البحث وأغلبها نظرية تعتمد على أفتراضات وتأويلات وقد يكون لبعض الدلائل المدونة دور في رسم الصورة، مع كل هذا لا يمكن الجزم مطلقا بصحة ما نقول ولا يمكن القطع به مطلقا، الذي أستغربه من قول الدكتور الماجدي قطعه اليقيني بصحة ما توصل إليه وزعمه أن كل ما توصل له ثابت علميا، لا أناقض الدلائل العلمية ومن حيث أن الكتاب لم يتوفر وبالتالي لا يمكننا الحكم بعلمية الدلائل المذكورة من عدمها، ولكن الهوس الذي ينتاب الكثير من الكتاب والباحثين بشأن قصص الأنبياء وما يثار حول وجودهم حقيقة وعدم يجعل الأمر في مدار الشك والريبة.
لا أنكر أن غالبية بل كل السرد التاريخي الذي يتعلق بالديانات القديمة ما قبل وما بعد الطوفان دونه وسطره اليهود، أما نقلا عن نصوصهم الدينية أو ما نقلوه في رحلاتهم وتهجيرهم وأنتشارهم في بقاع العالم القديم، حتى مفهوم النبوة عند بني إسرائيل وهذه نقطة مهمة قد تكون غابت عن بال وذاكرة الباحث هي ليست ذات الفكرة التي نتعامل معها اليوم ونقر بها على الأقل في الفكر والواقع الإسلامي، اليهود عموما ومنذ زمن موسى ولليوم كانوا أقلية دينية بالقياس للمجتمعات التي عاشوا فيها وبالقياس أيضا لعدد سكان الأرض، ولو حسبنا جدلا أن المسيحين بمختلف طوائفهم وعروقهم هو أمتداد لبني إسرائيل وجزء منهم ولو أنهم أنفسهم اليهود لا يعدون أتباع عيسى منهم، سنجد أن مع ضآلة وجودهم لهم الأثر الواضح والكبير في رسم التاريخ وترجمته روايات وقصص ومؤلفات ما زلنا نتداولها لليوم على أنها حقائق مطلقة دينية متواترة، والسبب كما قلت هو أن اليهود يفرقون بين النبي كمصطلح معرفي وبين الرسول المبعوث من السماء، النبي اليهودي قد يكون شاعرا أو رجل دين أو متنبئ أو حتى من الممكن أن يكون مشعوذا أو ملكا برياسة.
من هنا نتداول اليوم ومن قبل ولا نستغرب أن الله قد خص بني إسرائيل بهذا الكم من الأنبياء الذي فاق بحسب الروايات الدينية عن مئة وعشرين ألف نبي، الواقع التاريخي يقول أن إبراهيم الخليل وهو أبو الأنبياء بعد الطوفان وموسى حوالي اثني عشر جيل حتى ولد موسى من عقب يعقوب، وإبراهيم ولد عام الف وثمانمائة سنه قبل الميلاد قريبا قليلا زيادة أو نقصان، ولو حسبنا الفترة بين ولادة موسى وبعثه رسولا وبين ولادة ابراهيم عليه السلام نجد الفترة بين أربعمائة إلى خمسمائة سنه لو علمنا أن إبراهيم ولد له إسماعيل وهو العقد الحادي عشر من العمر أي حوالي مئة وعشرة سنوات وبعدها بفترة ولد أسحق، المهم في الأمر أن بين ظهور الديانة اليهودية على يد موسى ع وبين ولادة السيد المسيح ع حوالي ألف ومئتي سنه أكثر قليلا أو أقل، هل من المعقول والمنطقي أن يبعث الله هذا الكم من الأنبياء والرسل (120000) الف نبي لهم بمعدل مئة نبي سنويا لبضعة أفراد لا يشكلوا أي ثقل سكاني ولا وزن ديموغرافي مهم في منطقة تعج بالأفكار الدينية والحضارية.
القضية التي روجها التوراتيون ووصلت لنا مشوهة وغير حقيقية أن أنبياء بني إسرائيل لم يكونوا أنبياء حقيقين بمفهومنا الإسلامي وحتى الدارج معرفيا، بل هم مجموعة مختلطة من رجال علم ومعرفة ودين وتنبؤ وفلكين وسياسيين وقواد ووزراء وملوك، أما الرسل فهم بالمختصر ما ذكروا في القرآن الكريم والذين منهم من حمل رسالة ومنهم من قاد حركات تصحيحية للدين اليهودي الموسوي من موسى وأنتهاء بعيسى ولم يتعدى ذكرهم بما لا يزيد على أصابع اليدين، صحيح أيضا وأتفق مع الدكتور خزعل الماجدي أن المؤرخ التوراتي وتحديدا التلموديين منهم حاولوا تزييف التاريخ وإعادة كتابته بما يتلاءم مع فكرهم العنصري، ونسجوا من تراث العراقيين والسوريين والمصريين قصصا كثيره وضعت بقوالب دينية يراد لها أن تتماشى مع فكرهم وما يرونه من أفضلية لهم على كل بني البشر، حتى المستشرقين والآثاريين الذين ظهروا في الوقت المعاصر وترجموا التاريخ السومري والبابلي والأشوري خاصة، قد شوهوا هذا الإرث الإنساني ووصل بهم الأمر على نكران عراقية السومريين وأنهم مجرد قبائل نزحت للعراق من أماكن قصية وأقاموا الحضارة فيه.
وأعادو كتابة الأساطير والملاحم السومرية والأكادية والبابلية والأشورية وكل ما يتصل بحضارة وادي الرافدين وسوريا الكبرى على أنه جزء من التوراة أو نقلوا تلك الأجزاء منها لما كتب لاحقا في كتبهم الدينية وصارت جزء منه، لقد عرى القرآن الكريم ولأول مرة هذا التحريف وأعاد بناء القصة النبوية كما هي في قصص ونصوص تبين أن ما كان قبل نوح تاريخ مضطرب لا داع لذكره إلا فيما يخص آدم وبنيه، لينتقل بتفصيلات متماسكة وبروايات محكمة للقارئ النبيه لعصر نوح وما بعد نوح، وخاصة قضية الطوفان التي سوقها الفكر الديني المفتون بروايات الإسرائيليات على أنه طوفان أغرق الكرة الأرضية ومن فيها، والحقيقة التي يقرأها المتدبر العاقل هي قصة إغراق قوم نوح حصرا زمانا ومكانا عقابا لهم دون أن تتعدى مساحة جغرافية محدودة بحدود قوم نوح، وهي ذات القصة التي رويت بالملحمة السومرية ملحمة أوتونابشتم والطوفان فالنص الديني الإسلامي الوارد بالقرآن يتبنى الرواية السومرية وأن قوم نوح هم أسلاف السومريين وأصلهم وما نجي منهم من الطوفان هم مؤسسو سلالات السومريين والأكاديين والبابليين والأشوريين، بعد أن توزع أولاد نوح مباركين من الرب على أرض وادي الرافدين وكل منهم أسس مملكة ومجتمع جديد وهكذا تم إعادة بناء المجتمع العراقي مجددا.
إن إنكار ظاهرة الرسل والأنبياء بالجملة وإيقاع اللوم على التراث التوراتي الذي يقول الباحث الدكتور خزعل الماجدي بأنهم صناعة توراتية لا تمت للواقع بصلة مستشهدا بكون داود وسليمان وهم من أنبياء بني إسرائيل كانوا ملوكا فقط وتم تحويلهم إلى أنبياء لتقديسهم، ليست إلا محاولة للطفر على حقائق التاريخ الديني، القرآن الكريم أيضا وصفهم ملوك ووصفهم أنبياء ورسل، لكن هذا لا يعني تقاطعا بين أن يكون ذلك حقيقية أووهم مصنوع، الباحث في نهاية ما يرمي إلية وكعادته في الكتابات التي قرأنا البعض منها يؤسس إلى فكرة محورية يراد لها أن تتجذر في العقل البشري، وهي أن جميع الديانات التي ظهرت في الأرض هي وهم وخيالات وليس لها في الواقع التاريخي وجود بما فيها ووصولا لها أن الإسلام كدين هو صناعة توراتية أيضا ولا حقيقة لكل ما جاء في التاريخ من أحداث ووقائع وحضور مستمر له، قد يكون من حق الباحث أن يقول ما يشاء ولكن ليس من حقه التعدي على التاريخ وخاصة الذي عاشه الإنسان ودون أحداثه سواء نقلها كما هي أو حور أو زيف أو حرف، ولكن بالنهاية ما حدث كان قد حدث فعلا، لا يهم أن يكون بعد ذلك قد خرج عن دائرة الصحة واليقين إلى دائرة الشك، فالشك أول الطريق لعدم الإنكار وليس بداية صالحة للتحول دوما إلى النفي القاطع.