ايمازيغن و إسهاماتهم في بناء الحضارة الانسانية- الجزء الثاني

رضوان بخرو
2019 / 4 / 1

3ـ الثقافة والعلوم
لا يجب أن ننسى نبوغ الأمازيغ في مجال الاختراعات والابتكارات والعلوم بمختلف أشكالها، ويشكل "عباس بن فرناس " واحدا من هؤلاء الأباطرة حيث كان هو السباق إلى التفكير في تحليق الإنسان، وعرف بمحاولته الجريئة في الطيران، ليقترن اسمه بأول طيار في العالم، إلى جانب ذلك كان رائدا في علم الفلك والرياضيات وله عدة اختراعات كاختراع العدسات الطبية لتصحيح البصر، اختراع الساعة المائية، أقلام الحبر وصناعة الزجاج الشفاف(6)، وبهذا يكون قد قدم خدمات جليلة للبشرية بمختلف أعراقها وألوانها.
في مجال الابتكارت والعلوم نجد أيضا "ايراطوسطين"( 276ق.م - 194ق.م)هذا الرياضي والجغرافي الذي ولد بمنطقة قورينا المتواجدة بليبيا الحالية، ويرجع له الفضل في وضع أول خريطة، وأول من قاس محيط الكرة الأرضية، وقاس كذلك المسافة بين الأرض و الشمس وبين الأرض والقمر، كما وضع يومية تأخذ بعين الإعتبار السنوات الكبيسة ووضع قائمة بأسماء النجوم تحتوي على 675 نجما (7)، ونفس الشيء بالنسبة لجغرافي آخر هو ابن يوبا الثاني يدعى "بطليموس" الذي عاش في القرن الميلادي الثاني وهو مبتكر مفهوم "جغرافية"، وأول من وضع خريطة اعتماداً على خطوط الطول والعرض، وظلت خريطته تستعمل على مدار ألف سنة، إلى غاية ظهور خريطة الشريف الإدريسي. وعندما نقول بأن امازيغن نبغوا وكتبوا بكل اللغات فهذا ليس من فراغ أو من باب التعصب العرقي، أوالنزعة الاديولوجية الضيقة، وإنما هي حقائق تاريخة، وبديهيات تعترف بها الكتابات التاريخية، ولنا على ما نقول خير دليل في عدة شخصيات أمازيغية وضعت قواعد وأسس للغات الأخرى وهنا نسوق كمثال لا الحصر الشخصية الأمازيغية " أبو عبد الله بن أجرُوم الصنهاجي" الذي نبغ في النحو العربي، وأصدر في هذا المجال كتاباً أسماه بـ "الأجرومية" وتم اعتماد هذا الكتاب كمرجع لتدريس النحو العربي على مدار ستة قرون. ومحمد وليد أحمد بن رشد الأندلسي البربري أبو الوليد " الحفيد " (1126-1198م)، المعروف بابن رشد، الذي نبغ في الفلسفة والطب، وكان يدعى باللاتينية Avertos أو أفيروس، والرحالة الشهير إبن بطوطة (1304 ـ 1377م) وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يوسف اللواتي الطنجي المعروف بابن بَطُوطة، "وتشير نسبة (اللواتي) إلى أنه ينتمي إلى قبيلة »لواتة « وهي إحدى القبائل البربرية التي انتشرت بطونها على طول ساحل افريقيا الشمالي من المغرب حتى مصر"(8) ، وأسماء لا تقل أهمية عن السابقة كـ : يوسف بن تاشفين مؤسس الدولة المرابطية، والمهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية...
4ـ أديان الأمازيغ
فيما يخص المعتقدات والأديان، فقد عُرف الأمازيغ باعتناقهم لكل الأديان وآمنوا بكل الكتب السماوية، بل أكثر من ذلك فقد ساهموا في نشر تعاليم المعتقدات وعملوا دائماً على خدمتها، و مارس الأمازيغ عدة طقوس دينية منذ فجر التاريخ، فعبدوا عدة آلهة، وبجانب الأرباب التي ذكرها هيرودوت هناك أرباب امازيغية كثيرة أخرى منها الربة تانيت والربة افريقيا والربة أوليسو، والأرباب باكاكس وكَورزيل وآمون وأنزار (9) و رحبوا بكل كتاب منزل، كما عرفوا بتعاملهم الإيجابي مع مختلف الأديان السماوية، كاليهودية التي لازال بعض الأفراد يمارسون شعائرهم في شمال إفريقيا، رغم محاولة اجتثاثهم من أرض أجدادهم و تهجيرهم وترحيلهم لإسرائيل خلال النصف الثاني من القرن الماضي، ثم المسيحية التي كان الأمازيغ من أوائل معتنقيها، والعمل على نشرها على نطاق أوسع وتشييد كنائس كثيرة لممارسة طقوسهم الخاصة، والأكثر و الأدهى من ذلك نجد أن سكان شمال افريقيا قدموا أساقفةً للكنيسة المسيحية ويتعلق الأمر ب"القديس أوغيسطن saint augustain" الذي أصبح أسقفاً ابتداءً من عام 396م إلى غاية 430م، التي اجتاحت فيها الجيوش الوندالية لشمال افريقيا(10)، و القديس أوغيسطن كرس حياته كلها لتنظيم الكنيسة الإفريقية والتأليف الديني، وقد ترك للمسيحيين مؤلفات لا تزال مرجعا حتى اليوم، ونذكر منها : "الاعترافات" ،" المدينة الإلهية " ، " خلود النفس" و" الثالوث المقدس"...، وفي المسيحية نفسها كانت مذاهب مختلفة كالأريوسية والدوناتية و" كانت الدوناتية منتشرة عند الأمازيغ بل نجد أن الدوناتيين في أغلبهم كانوا أمازيغ إلا أن الوضع سيخضع للتحول، فاكتسحت الكاثوليكية الفضاء المغاربي"(11) وتجدر الاشارة إلى أن الدوناتية نسبة إلى مؤسسها "دوناتوس" وكانت عبارة عن حركة دينية لها جناح عسكري ظهرت عندما تبنى الإمبراطور الروماني تيودوز العقيدة المسيحية دينا رسميا للدولة الرومانية منذ 391م، فاستغل دوناتوس الفرصة، وأسس مذهب مسيحي أمازيغي أقبل عليه الأمازيغيون للتعبير عن رفضهم للاستعمار الروماني. أما الدين الإسلامي، فقد سارع إيمازيغن إلى اعتناقه والتصديق بنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين، خلال القرن الميلادي السابع وذلك رغم ما تعرضوا له من بطش وتقتيل من طرف الأمويين الغزاة، الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، باسم نشر الإسلام بيد أن الحقيقة مغايرة تماما، إذ أن الأمويين لم يتخدوا من الدين إلا وسيلة لنهب خيرات شمال افريقيا واشباع غرائزهم، وليس غاية في حد ذاتها. لكن سرعان ما حاول الأمازيغيون تأسيس إمارات إسلامية، وتكييف شرائع الدين مع الأعراف المحلية، على غرار "إمارة النكور" بمنطقة الريف على الساحل المتوسطي، و "إمارة سجلماسة" بتافيلالت، و بورغواطة ثم استقلال المغرب عن الشرق عن طريق "ميسرة المدغري" الذي قاد ثورة ضد الأمويين .
5ـ مقاومة الغزاة
وبما أنني أسلفت الذكر بأن شمال افريقيا ذاقت الويلات جراء الاجتياح الأجنبي، فلا بد أن نعرض بعض الأسماء التي لمعت في ميدان الحرب، والتي عرفت بشراستها في الدفاع والذود عن الوطن و مقاومة الغازي المحتل، فهنا اللائحة لن تكون قصيرة ما دام أن ايمازيغن تعرضوا لسلسلة من الهجومات المختلفة على تامزغا منذ الأزل، فقد قاوم أجدادنا الرومان، الإغريق، الوندال، وغيرهم.
تتحدث الكثير من المصادر التاريخية عن مقاومة الأمازيغ للدخلاء والغزاة، فمثلا نجد سالوست في كتابه "حرب يوغرطة" يتحدث عن المعارك التي قادها يوغرطة (160ـ 104ق.م) في حربه ضد امبراطورية روما، هذه الحرب التي أبلى فيها البلاء الحسن، بشجاعته، وبسالته في الذود عن الأرض الأمازيغية. وهناك أسماء أخرى قدمت كل ما لديها من أجل استقلال وحرية شمال افريقيا كـ "ماسينيسا"(240ـ 148ق.م) الذي اشتهر بجملته الشهيرة " افريقيا للأفارقة" هذه الجملة التي تلخص نظرته لبلاده، وتاكفاريناس المقاوم الأمازيغي الآخر الذي تصدى بكل ما أوتي من قوة للعدو(12)، دون أن ننسى إيكسل الذي تصدى للجيوش الأموية، وقتل عقبة بن نافع بعد اجتياح الأمويين لشمال افريقيا، تحت ذريعة نشر معالم الدين الإسلامي، هذه المعالم السمحة التي تتعارض كليا مع همجيتهم ووحشيتهم، وما اقترفوه من جرائم في بلاد الشمال الإفريقي لخير دليل، هذه السلوكات التي تتجلى في الإستيلاء بالقوة على ممتلكات الأمازيغ، وسبي نسائهم، وأطفالهم وإرسالهم كجواري وعبيد للملوك الأمويين بالمشرق(13). ويعد محمدبن عبد الكريم الخطابي مرجعا عالميا في حرب العصابات، وملهما لكل شعوب العالم التي كانت ترزح تحت نير الإستعمار خلال القرن 20، وقد اعترف الصيني ماوتسي تونغ بأن الخطابي ألهمه في نضاله من أجل التحرر 12، وكذلك هوشي منه وتشي غيفارا(14).
ولم يكن الخطابي الحالة الوحيدة، بل هناك أمازيغ آخرون نقشوا أسماءهم بدمائهم الزكية في سبيل حرية شعوبهم وأوطانهم، وما عمر المختار إلا واحدا من هؤلاء الأبطال، وعبد القادر الجزائري، موحا أو حمو الزياني، عسو أوبسلام، الشريف محمد أمزيان، وآخرون.
6ـ المرأة الأمازيغية
المرأة الأمازيغية كانت على الدوام، إلى جانب الرجل، أيام السلم و الحرب؛ فمصطلح "تمغارت" هي مؤنث " أمغار" الذي يعني في الأمازيغية القائد أو الزعيم. ومن هنا فالمرأة الأمازيغية تبوأت مكانة مرموقة في الحياة اليومية، ولم تكن يوما كائنا مقموعاً، بل ظلت على الدوام مُشارِكة وفَاعِلة في مختلف مناحي الحياة في المجتمع، ووصلت لتكون قائدة لشعوب شمال افريقيا على مراحل مختلفة من التاريخ. احداهن الملكة الأمازيغية التي قاومت الرومان، والبيزنطيين، ثم جيوش العرب حتى آخر رمق، هذه المرأة هي ديهيا بنت تابنة (585 م - 712 م)، قائدة عسكرية وملكة أمازيغية كانت حاكمة على الأوراس، أطلق عليها العرب لقب"الكاهنة" وقد قال عنها المؤرخ ابن عذارى المراكشي: "جميع من بأفريقيا من الرومان منها خائفون وجميع الأمازيغ لها مطيعون"، أيضا المرأة الشجاعة "تينيهنان" التي كانت قائدة لدى الطوارق في الصحراء الكبرى، والمرأة المسماة "فاضمة نسومر" التي ولدت بالقبايل سنة 1830 وهي بطلة كبيرة برزت في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي؛ وقد شكلت قوة عسكرية مكونة من ألفي امرأة ترافق الرجال في الحرب"(16)، ورمز المرأة العطاوية "عدجوموح"، التي شاركت الجيوش الفرنسية بفعالية في معركة بوكافر سنة 1934 وقاتلت ببسالة حتى استشهدت"(15) ، ونموذج آخر بالريف وهي زوجة محمد الحراز (يجهل اسمها الحقيقي) التي قتلت ضابطاً اسبانيا...
خاتمة
لم يسجل التاريخ، أن حاول الأمازيغ إخضاع الآخر، وتذويب الثقافات والحضارات الأخرى داخل نظامهم وإطارهم الحضاري، بقدر ما وضعوا على الدوام عبقريتهم في خدمة الثقافات والحضارات الأخرى، فهذه الأسماء التي تطرقنا إليها أغلبها تعرض للطمس وطالها التحريف، أو تم السطو عليها ونسبها لأقوام وشعوب أخرى ضدا على حقيقة التاريخ ومعطيات الجغرافيا، كما هو الشأن لبعض الأعلام كابن خلدون، وابن بطوطة،... والتي يتم تعريفها والإشارة إليها كشخصيات عربية في الكتب المدرسية وبعض كتب التاريخ التي تمت كتابتها وفق ما يتماشى مع مصالح الجهات المتحكمة في زمام السلطة، لغرض طمس الحقيقة وصناعة أبطال وهميين، وهنا تستحضرني مقولة للمؤرخ الإنجليزي هوبل الذي يقول: " إذا أردت أن تلغي شعبا ما عليك أن تبدأ بشلّ ذاكرته، وتخترع له تاريخاً غير تاريخه، وتجعله يردده، وثقافة غير ثقافته، ثم ينسى من هو، وماذا كان، وبالتالي ينساه العالم" .
الهوامش:

(6) برنامج "بالهجري:تاريخ وأعلام" الحلقة 42، قـناة الجزيرة.
(7) عبدالسلام بن ميس، ن. م، صص 39ـ 40.
(8) محمد محمود محمدين(1996) ، الجغرافيا والجغرافيون بين الزمان والمكان، الطبعة الثانية، دار الخريجي للنشر والتوزيع بالرياض، ص 181.
(9) مصطفى أعشي (2002)، جذور بعض مظاهر الحضارة الأمازيغية خلال عصور ما قبل التاريخ، الطبعة الأولى، منشورات مركز طارق بن زياد، ص 36.
(10)عبدالسلام بن ميس، ن.م ، ص 190
(11) روني باصي (2012)، أبحاث في دين الأمازيغ، ترجمة وتقديم حميد شخار، ط 1، دفاتر وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة، ص25.
(12) محمد بوكبوط (2002)، الممالك الأمازيغية في مواجهة التحديات، صفحات من تاريخ الأمازيغ القديم، ط 1، مركز طارق بن زياد، مطبعة فيديبرانت، صص 45ـ46.
(13) تاريخ ابن خلدون، الجزء الرابع، ص 221.
(14) جرمان عياش (1992)، أصول حرب الريف، ترجمة محمد الامين بزاز و عبد العزيز التمسماني خلوق، الشركة المغربية المتحدة، مطبعة النجاح الجديدة.
(15) محمد ارجدال (2008)، " مساهمة المرأة الامازيغية في المقاومة " المرأة والحفاظ على التراث ، تنسيق الحسين ايت باحسين، منشورات IRCAM، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط ، ص 108.
(16) مبارك الأرضي (2008)، " المرأة الامازيغية عبر التاريخ حضور وازن داخل الأسرة والمجتمع " المرأة والحفاظ على التراث ، تنسيق الحسين ايت باحسين، منشورات IRCAM، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط ، ص 52.