ايمازيغن و إسهاماتهم في بناء الحضارة الانسانية- الجزء الأول

رضوان بخرو
2019 / 3 / 31

تقديم:
تملك شعوب شمال افريقيا حضارة من بين أقدم الحضارات على المستوى العالمي، صمدت ضد كل أنواع التعرية التاريخية، وتوضعات الطمس والتحريف، رغم أن الأمازيغ لم يكتبوا عن أنفسهم، وكتب عنهم الغير، وذلك الغير لا يمكن إلا أن يكون عدواً للأمازيغ أو خصمهم في أحسن الحالات(1)، كما تعتبر هذه الحضارة من بين أهم الحضارات التي أثرت بدرجة كبيرة في صنع التاريخ الإنساني، وذلك منذ فجر التاريخ في علاقة ايمازيغن بمختلف الأقوام والشعوب واحتكاكهم بها، خلال ما يربو عن ثلاثة آلاف سنة، وإن كانت علاقة الأمازيغ بالآخرـ الشعوب الوافدة ــ غالبا ما كانت تتسم بنوع من الحذر والنفور، كون جل الشعوب التي مرت بأرض شمال إفريقيا كانت تدفعها أطماع توسعية و استعمارية أكثر من أي شيء آخر، هنا أعني بطبيعة الحال كل من القرطاجيين، الرومان، الوندال، البيزنطيين، الإغريق، الفينيقيين، ومرورا بالعرب و الفرنسيين والإسبان...هذا من جانب ومن جهة أخرى تبقى بصمة الأمازيغ واضحة وجلية في بناء التاريخ والحضارة الإسلاميين من خلال الدور الكبير الذي أداه ايمازيغن بإبداعهم في مختلف المجالات والعلوم والفنون، ونشر تعاليم الدين الإسلامي ومبادئه، سواء بشمال افريقيا أو جنوبا في اتجاه تومبوكتو وشمالاً صوب أوربا، وهذا بطبيعة الحال إلى جانب الشعوب الأخرى كالفرس، الكورد، والعرب...التي ساهمت أيضا من جهتها في نشأة الحضارة الإسلامية.
1 ـ جوانب من تاريخ إيمازيغن
يعتبر التاريخ من أرقى العلوم الإنسانية حسب تعبير ابن خلدون المؤرخ الأمازيغي، الذي تبقى أعماله ذات أهمية قصوى لكل باحث في تاريخ شمال إفريقيا، وعرف بمقدمته الشهيرة التي تعد أطول مقدمة كتاب، "مقدمة ابن خلدون" (2) وهو مِؤرخ يشهد له بالموضوعية والأمانة العلمية، وهو كذلك الفيلسوف الحكيم الذي أبدع في فلسفة التاريخ، وساهم في تأسيس علم الاجتماع، إن لم نقل هو من وضع اللبنات الأولى للسوسيولوجيا، وكتب ابن خلدون باللغة العربية كما كتب وأبدع أسلافه الأمازيغ قبله بمختلف اللغات كاليونانية، واللاتينية...
هذا و تجدر الإشارة إلى أن أقدم مومياء على وجه الأرض ترجع للأمازيغ القدامى، و التي تعد أقدم من المومياء الفرعونية، اكتشفها باحثوا الحفريات والآثار في جبال أكاكورس الليبية، بالإضافة إلى اللغة الأمازيغية التي تعد من أقدم اللغات على المستوى العالمي، وحروفها (تيفيناغ) الضاربة في عمق التاريخ، والتي نقشها أجدادنا فوق الصخور منذ آلاف السنين، واستعملتها المرأة الأمازيغية في الوشم، صناعة الزرابي، والأواني الفخارية.
كما أن التقويم الأمازيغي (2969) يعد أقدم بكثير من نظيريه الميلادي والهجري، وهو الوحيد الذي لم يتأسس على حدث ديني خلاف الميلادي الذي بدأ بميلاد السيد المسيح عيسى عليه السلام، ثم الهجري الذي يؤرخ لهجرة الرسول محمد (ص) من مكة إلى المدينة، كما أشرت فالتقويم الأمازيغي لم ينبن على حدث ديني معين، وإنما بدأ على حدث وواقعة تاريخية وسياسية، تتجلى في اعتلاء الملك الأمازيغي "شيشونغ" (أو شيشنق) لعرش مصر الفرعونية، والذي ينتمي إلى الأسرة الثانية والعشرون التي حكمت مصر، وإن كانت الروايات التاريخية تختلف في طريقة وصوله إلى الحكم، فبعض المصادر التاريخية تحكي عن "شيشونغ" على أنه كان قائداً عسكريا في الجيش الفرعوني، عُرف ببسالته وشراسته في الدفاع عن مصر، فبعد انتصاره عن بلاد النوبا (السودان حاليا)، نصبه الفراعنة ملكا عليهم وزوجوه بالفرعونية " رمسيس" مكافأة له عن حبه لمصر، وعرفاناً له بجميله ولما قدمه من تضحيات جسام، في سبيل حرية الفراعنة، واستطاع خلال فترة حكمه أن يوحّد بين مصر السفلى ومصر العليا، وحكمت هذه الأسرة الأمازيغية مصر لما يزيد عن قرنين من الزمن .
2ـ الفكر والأدب
ليست غايتي من هذه السطور حصر وعد الأسماء الأمازيغية التي بصمت في تاريخ الفكر و الأدب، بل سأكتفي فقط بسرد البعض منها، لأن هذه الأرض الشمال إفريقية المعطاءة، أنجبت رجالاً أفذاذاً استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم موطئ قدم بين شعوب العالم، ونقشوا أسماءهم بأحرف من ذهب على صفحات التاريخ البشري، وساهم ايمازيغن مساهمة كبيرة في بناء هذا الصرح الحضاري الذي تستفيد منه الأمم على اختلافها، فلهم أول رواية في التاريخ وهي رواية" أو "الحمار الذهبي" التي كتبها الأديب والشاعر والفيلسوف "أبوليوس"، هذا الأمازيغي الذي ولد بمنطقة تاكَاست سنة 125م، وأبوه أحد الحاكمين الاثنين في أوائل القرن الثاني في هذه المنطقة، و كان أبوليوس أشهر كتاب و شعراء زمانه. وقد درس هذا الأديب الأمازيغي بقرطاج وتعلم بها اللاتينية واليونانية، حيث أخذ من كل الفنون، ولمتابعة دراساته الجامعية رحل أبوليوس إلى أثينا ثم روما (3)، و لقد أعجب كثيرا بالفلسفة الأفلاطونية، والفلسفات ذات الطبيعة الصوفية الروحانية، له عدة أعمال أخرى من بينها : " florida" ، " apologia " في الأدب، و " de deo socrates " في الفلسفة، ويمكن إعتبار أبوليوس أول من وضع مصطلح "القضية proposition " حيث استعمله في فلسفة المنطق(4)، وهناك ملك أمازيغي آخر، كان يلقب بالملك المثقف؛ وهو "يوبا الثاني" الذي استطاع بدوره أن يؤثر في الثقافة اليونانية، وذلك بنبوغه في التاريخ، الجغرافيا، الفلسفة والأدب باللغة اليونانية، إلى درجة أنه تعجب بنبوغه "فلوتارخوس" ونصب له اللاتينيون تمثالاً في أحد مراكزهم الثقافية تقديرا لكفاءته الفكرية(5).
ما قلناه عن الأمازيغ خلال العصور القديمة، يمكن إسقاطه كذلك على الكتاب الشمال افريقيين خلال العصرين الوسيط والحديث، وكذا الفترة المعاصرة، حيث تأثر الأمازيغ بلغات الأجانب وانفتحوا على ثقافاتهم وحضاراتهم، إلى حد الذوبان فيهما في كثير من الأحيان نتيجة الانبهار والاستلاب الزائد، وقد كتب مبدعي المغارب باللغات العربية، الفرنسية، والاسبانية ، حيث أبدع الجزائريون والمغاربة بشكل لافت باللغة الفرنسية، فيما وصل الجزائريون إلى نعت الفرنسية بـ(غنيمة حرب)، فيما كتب بها القبايلي كاتب ياسين روايته الشهيرة نجمة (Nedjma)، ومولود فرعون، طاهر جاوت ، والكاتبة آسية جبار التي ترشحت مرارا لنيل جائزة نوبل للأدب، ثم حازت على جائزة ألمانيا للسلام عام 2000 .
نفس الأمر عند الأدباء والكتاب المغاربة الذين تفتقت مواهبهم باللغة الفرنسية، كما هو الشأن لإبن تافراوت محمد خير الدين الذي احتضنه الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر في مجلته "الأزمنة الحديثة"، الطاهر بن جلون، ادريس الشرايبي، وآخرون كثر دونوا أعمالهم بلغة موليير، ثم اللغة العربية التي كتب بها مثقفي وأدباء ومؤرخي شمال افريقيا، منذ دخول العرب إلى شمال افريقيا خلال القرون الوسطى، وهنا لا يسع المجال لذكر كل القامات سواء في مجال الفقه، أوالأدب، أوالتاريخ، وأكتفي بالروائي ابن الريف محمد شكري الذي كتب رائعته " الخبز الحافي" بالعربية، ليتم نقلها لاحقا إلى 39 لغة عالمية.
وباللغة الاسبانية هناك أيضا أعمالا كتبها المغاربيون، وخاصة بالشمال المغربي، وذلك راجع إلى عوامل متعددة، أهمها التقارب الجغرافي، وعامل التاريخ، ما سمح للمغاربة الاحتكاك أكثر مع اللغة والأدب الإسبانيين وخلق نوعا من التبادل الثقافي، وهناك كتاب في نفس الموضوع يحمل عنوان "الأدب المغربي باللغة الاسبانية" وهو كتاب مشترك بين الكاتب المغربي محمد شقور والكاتب الاسباني سرخيوماثياس، وقد صدر عام 1996، ثم الصحافية زبيدة بوغابة التي أصدرت سنة 2003 كتابا باللغة الاسبانية حول الحكايات الشعبية بالريف، ((Cuentos populares del rif ، و الروائية الشابة نجاة الهاشمي، التي حصلت على أهم جائزة كطلانية في الأدب وهي جائزة "رامون ليول"، وذلك سنة 2008 على روايتها "آخر البطريرك"...
ولكن خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، فقد حاول الأمازيغ إعادة الاعتبار للغتهم الأم، حيث كانت البداية في انتقال حقيقي من الشفهية إلى الكتابة، وإن كانت البداية باستعمال الحرف العربي /الآرامي في الكتابة بالأمازيغية، وهنا نأخذ كمثال سلام السمغيني الذي صدر له ديوان (ما ثوشيد ئيك رحريق ئينو؟) سنة 1992(6) ، وديوان (أذ-اريغ- كـ -زرو) للشاعر الراحل أحمد الزياني وقد صدر له سنة 1993(7) ، ثم الإبداع بالأمازيغية بالحرف اللاتيني، حيث أصدر الراحل محمد شاشا روايته (Rez ttabu Ad teffegh t fuct ) سنة 1997(8) ، ثم ديوان فاظمة الورياشي (YESREMDAYI WAWAR) الذي رأى النور سنة 1998، وإبداعات غزيرة أخرى. لكن الملاحظ بعد ذلك هو لجوء المبدعين الأمازيغيين إلى الكتابة بحرفي تيفيناغ و اللاتيني بدل الحرف الآرامي، وخاصة بعد إنشاء مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، التي تولت مهمة تقعيد الحرف الأمازيغي، ومعيرة الأمازيغية، فيما التجربة الجزائرية كانت السباقة إلى ذلك.
تجدر الإشارة إلى أن الإبداع الأمازيغي اليوم مس جميع الأجناس الأدبية الحديثة، حيث انكب باحثون على ترجمة نصوص من الأدب العالمي إلى الأمازيغية، نعطي مثالا بمسرحية (sufuniba) التي ترجمها سعيد أبرنوص من الفرنسية إلى الأمازيغية، ومسرحية (ihwwasen) التي ترجمها شاهد أنديش من الاسبانية إلى الأمازيغية، تم نشرهما باللغة الأمازيغية بالحرفين تيفيناغ واللاتيني.
الهوامش:
(1) محمد شفيق(1989)، لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين ، دار الكلام ، ، ص 5.
(2) العنوان الكامل للكتاب هو:" العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر"
(3) عبدالسلام بن ميس (2010)، مظاهر الفكر العقلاني في الثقافة الأمازيغية القديمة، الطبعة الثانية، ص108.
(4) نفس المرجع ، صص112ـ 115ـ 120
(5) محمد شفيق، مرجع سابق ، ص 77 .
(6) اليمني قسوح (2006)، محاولة لوضع "ببليوغرافيا" بعض أجناس الأدب المكتوب بأمازيغية الريف، جريدة ثاويزا، العدد 105.
(7) اليمني قسوح، مرجع سابق.
(8) اليمني قسوح، مرجع سابق.