رشحه كوركيس عواد ولكن...

شكيب كاظم
2019 / 3 / 28

كثيراً ما كنت أناجي نفسي وأسألها, لماذا لم يتبوأ العلامة الفهامة الأستاذ الدكتور إبراهيم (أحمد الراشد) السامرائي (1923-2001) مكانه الجدير به في المجمع العلمي العراقي؟ هو الذي كان عضواً في المجمع الأردني, وعضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق, وعضواً في المجمع العلمي الهندي وله أنتساب إلى الجمعية اللغوية الفرنسية, بوصفه من الدراسين بها والكاتبين أيام ذهابه للدرس في السوربون بباريس سنة 1946, وأنجز رسالته العلمية بإشراف أستاذه المستشرق ريجييس بلاشيير (1900-1973) فضلاً عن كونه عضواً في لجنة المعجمية التونسية, لأجد ان الأنوية أو الأنانية سبب في ذلك, إذ ان عضوية المجمع كانت مطمحاً لنفوس كثيرة, لما توفره هذه المزية من قيمة معنوية فكان اعضاؤه القدامى يوم أسس المجمع سنة 1947, يحتجنون هذه العضوية وشغلها, لأصدقائهم والقريبين منهم, وقد أستثنى السامرائي نفراً صالحاً من أهل الفضل, كانوا يربأون بأنفسهم إتيان هذا السلوك المجافي لقدسية العلم والخلق المتصوف النزيه, الذي دأب عليه بعض أعضاء المجمع, الذي ما كانوا أهلاً له ومن أهل الفضل هؤلاء الشيخ محمد رضا الشبيبي (تـ/1965) والأستاذ منير القاضي, والأستاذ مصطفى جواد (1902-1968)والأستاذ أحمد سوسة (1900-1982) كان هذا في زمن مضى, حتى إذا جاء على الإنسان حين من الدهر, أصبحت السياسة والتملق تعلوان على صوت العلم, وأصبح المجمع مؤسسة تابعة للدولة أضحى من يشغل العضوية, يشغلها عن هذا الطريق, وليذهب العلم إلى الجحيم, فالعلم لا يجعلك تأكل خبزاً, بل السياسة والملق! لذا كان بعض الأعضاء يوحي لمن بيده الأمر, أو عن طريق آخرين, ليصدر المرسوم بتعيينه عضواً, وكأن عضوية هذه الهيئة العلمية عالية المستوى, التي يطلقون عليها في فرنسة أسم (مجمع الخالدين) ولا يرشح لعضويته إلا ذو حظ عظيم في العلم, وشغور العضوية بوفاة أحد أعضائه, وعددهم محدد بقانون لا يزيد ولا ينقص, إلا قليلاً أقول: كأن هذه العضوية أمست تشبه تعيين موظف في دوائر الدولة!.
لكن حدث ان رشحه الأستاذ كوركيس عواد لذلك, ولما كانت قوانين المجمع توجب حصول الترشيح على تأييد عضو أو عضوين من أعضائه, لكن الذي حصل, أن أحداً من أعضائه ما أيد ترشيحه, فلم يوفق الاستاذ كوركيس عواد في مسعاه النبيل, ويوم علا صوت السياسة على صوت العلم القى أحد أعضاء وفد المجمع العلمي العراقي إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة المنعقد سنة 1981, ومجمع القاهرة يعقد مؤتمره سنوياً, وكان عضو الوفد العراقي وزيراً, القى بحثاً في أصول طائفة من الألفاظ العربية, وكان الأستاذ السامرائي حاضراً جلسات المؤتمر بوصفه عضواً مراسلاً منتخباً, غير أن احد الحاضرين تصدى للوزير عضو الوفد العراقي قائلاً: ان الكثير مما كان في البحث قد ذكره إبراهيم السامرائي في كتابه (فقه اللغة المقارن) بل انه توسع فيه وأتى بأشياء خفيت على كثير من الدارسين.
قال الدكتور السامرائي في كتابه المفيد والمهم (حديث السنين – سيرة ذاتية) غير ان نفراً آخر ردوا على هذا التصدي وكنت لا أعرف الكثير من الأعضاء, لأني قادم أول مرة – فذكروا ان ما في البحث غير ما في (الكتاب), وهؤلاء من غير شك قد ذهبوا فيما ذهبوا اليه, لينقذوا العضو الوزير الذي يرجى خيره.
أخلاق السامرائي العالية وزهده فضلاً على خوفه من السلطان, جعلته صامتاً إزاء هذا الذي يحدث, حتى إذا ادرك هذا المتصدي المعترض وكان لا يعرف السامرائي, أنه كان حاضراً في جلسة المؤتمر, جاءه متعجباً قائلاً: كان كل هذا, وأنت ساكت, لا يعرف عن حضورك إلا القليل منا؟ ليناجي السامرائي نفسه مهما عم السوء وساد الباطل, فلا بد ان يبقى للحق حيز صغير وحاشية ضيقة تشير إلى ان بريق الخير لم يخبو, نعم بريق الخير لن يخبو...