قصة هزيمتين .. الهزيمة الأولى

جعفر المظفر
2019 / 3 / 27


إزاء الأحداث الكبيرة أظل أتساءل بحيرة كيف يمكن لأمر كهذا أن يحصل, وغالبا ما تجعلني التفسيرات التي ترافق الحدث غير مقتنع تماما بها مما يدفعني للبحث عن الأسباب الحقيقية بطريقة أظنها اجدى وأكثر إقناعا, وقد لازمني هذا السؤال إزاء حدثين كبيرين هما إحتلال الكويت أولا وتسليم نينوى لداعش ثانيا.
كِلا الحدثين ظلا بحاجة إلى تفسيرات خارج إطار السياقات التقليدية, وبالنسبة للبعض فإن ما على السطح قد يكون مقنعا لتفسيرهما, لكن لدى البعض الآخر, وأنا منه, ثمة جبل غاطس علينا أن نتعرف عليه.
ولتفسيرالأحداث الكبيرة يجب أن لا نلجأ إلى عامل واحد وإنما إلى جملة من العوامل المركبة, كما أن طبيعة أنظمة الحكم في البلاد العربية تغرينا على البحث عن أسرارها, لا إلى الركون إلى أخبارها, وإلى التفتيش عن القناعات بدلا من تلقيها.
لم أعتقد يوما أن صدام كان من الجهل بحيث لم يدرك أن دخول الكويت كان مغامرة كبرى, أو أنه كان يطلق خيالاته الثورية على حلاوتها ولا يحسب ان مرارة الواقع قد تقلبها إلى سمٍ زعاف.
من يأتينا لكي يقول أن لعبة السلطة وعَمْلقة الذات كانت غيّرته كثيرا فلن أوافقه. صدام .. ظَلَّ صدام .. منذ إعتلائه لكرسي الرئاسة في قصر كرادة مريم وحتى لحظة صعوده للمشنقة في سجن الكاظمية.
من يراجع مسيرته الشخصية منذ الولادة سيجد أن الرجل كان أنهى تكوينه الشخصي مبكرا ولم يترك للزمن شيئا لكي يضيفه عليه حتى تكاد تشعر أنه كان ينفذ خارطة طريق ذاتية واضحة المعالم نحو بناء شكل هويته ودولته وسلطته.
وليعفِنا أولئك الذين يُرجِعون كل شيء إلى نظرية المؤامرة والذين يؤكون على فرضية أن صدام كان عميلا وأن هناك من كان يخطط له بدقة ويسيِّره بالريموت, لا لأنهم قطعيا قد يكونوا مخطئين, ولكن لأنهم قد يسدون بتأكيدهم هذا كل إمكانيات أن تكون هناك تفسيرات نقيضة أو مغايرة, خاصة تلك التي تأخذ قوتها من شكل نهايته ومقتل أبنيه وحفيده ونهاية أخوته ومعاونيه, التي بمجموعها وعنفها لا تترك ثغرة للإعتقاد بإمكانية أن تكون هناك نهاية لعميل بهذه الطريقة.
لقد حسم صدام معركة القصر بداية مع حردان وعماش ثم مع الملا عبدالخالق السامرائي ليصبح الرجل الثاني بعد البكر.
ثم حسم معركته مع البكر ليصبح كل من يليه في سلم السلطة والحزب يأتي بعده في المرتبة الألف.
ثم رأيناه وقد جعل أول قيادي في حزبه يخاف من آخر مرافق في حرسه.
والأمر الذي قد يفسرهذه السياقية المرسومة بدقة والمنفذة بوضوح وإصرار أن الرجل كان مسلحا بتجربة عميقة وغنية ومكثفة نتيجة وجوده في المركز من دائرة الأحداث بعد الثورة البعثية ضد قاسم في 8 شباط من عام 1963. وقد جعلته التجربة الدامية للحزب في فترة التسعة شهور التي أعقبت تراجيديا شباط ورسمت نهايتها, والتي كانت دائرة ومشتعلة مدار اللحظة, على معرفة ودراية وخبرة عميقة باسباب إنهيار تجربة الحكم البعثية وعلى وضوح ذاتي بما يجب أن يفعله شخصيا إذا جاء إلى الحكم حتى لا تعاد أخطاء الفشل الشباطي القاتل مرة أخرى.
ناهيك أن صدام لم يدخل كواليس الحكم في تلك المرحلة فارغا بل جاء محملا بموقعة مفصلية ذاتية وحزبية وسياسية هي مشاركته في محاولة إغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم التي كانت قد جرت في عام 1961.
وقبلها فإن بإمكان مراهقته وطفولته أن تتحدث عن تجارب شخصية إستثنائية كانت من العنف البيئوي والذاتي ومن المجابهات الشخصية والمجتمعية التي وضعته بعد ذلك في خضم الساحة السياسة لكي تجعل منه شخصية إستثنائية بين جماعته, وحتى بين أبناء جيله.
ولعلي لن أخطأ القول إذا ما إفترضت أن صدام لم يكن بعثيا, لا لكونه نظريا لم يكن على إنسجام مع نظرية الحزب وعقيدته, ولكن لأن شخصيته المركبة والشديدة التكوين كانت أقوى من شخصية الحزب لذلك فإن الحزب نفسه صار صداميا, في حين أن صدام لم يَصِربعثيا.
فإذا ما حاول رسام أن يرسم له صورة معبرة فسيرسمه على شكل شخص بثلاثة رؤوس, الأول لرئيس قبيلة والثاني لرئيس حزب والثالث لرئيس دولة. وقد وظل صدام يؤمن ان نجاحه بات مرهونا بقدرته على إبقاء تلك الرؤوس متوافقة ومتصالحة في مساحة من اللاحرب واللاسلم تنتهي خيوطها بيديه.
فإذا ما عبرنا على تجربته وهو في الحكم لكي نقف أمام المشهد الذي جمعه مع غلاسبي, السفيرة الأمريكية في بغداد في المرحلة التي سبقت غزو الكويت, فسيكون بإمكاننا أن نقول أن رجلا كهذا لم يكن مقدرا لغلاسبي أن تخدعه حتى لو أنها أرادت أن تفعل ذلك.
وهي في إعتقادي لم تشأ ذلك ولم تطلبه لأنها لم تكن تظنه غبيا إلى الحد الذي لن يعينه على حساب حجم التحدي الذي سيصير في مواجهته لو اقدم على عملية الغزو.
لكن حساب الأمر سيبدأ من التالي : إن صدام الذي تعب على بناء دولته الخاصة وسلطته الفردية المطلقة وكان على إستعداد لكي يقتل من أجلها إبنه وكثيرا من أهله, والذي قتل رفاقه الأقربين بدم بارد, لن يقدم على مغامرة قد تهدد كيانه وسلطته إلا إذا كان قد شعر بانه بات في مواجهة خطر اكيد يتهدده بفقدان تلك السلطة.
ولقد صار السبيل الوحيد أمامه هو (إختطاف الكويت) والتفاوض على حياة ركابها ومحتوياتها. وسيعطينا رفضه التخلي عن السلطة في عام 2003, رغم حجم المخاطر التي بانت واضحة أمامه, تقديرا واضحا وحقيقيا للمدى الذي كان مستعدا ان يذهب إليه دفاعا عن سلطته ودولته