منابع الإبداع فى عيد الأم المصرية

نوال السعداوي
2019 / 3 / 27

الخميس الماضى كان عيد الأم 21 مارس، وانتشرت الأغانى فى الإذاعات تتغنى بقدسيتها، ورأينا الأمهات المثاليات، وأهم صفة للأم، أن تحافظ على تماسك الأسرة. لم نسمع عن الأم المثالية المبدعة، التى تربى أطفالها، على قيم العدالة والمساواة والحرية، والقيم التى ينص عليها الدستور. سألتنى أم عن منابع الإبداع فى حياة الأم المصرية، اسمها فاطمة، تخرجت فى كلية الصيدلة. تعمل فى إحدى الصيدليات، تصرف الأدوية للمرضي، من الثامنة صباحا حتى السادسة مساء. يعطيها صاحب الصيدلية ألفى جنيه راتبا شهريا، راتب ضئيل لا يكفى الضرورات.


هى قانعة وليس لها مطالب مادية كبيرة. لكن لها طموحات أدبية. منذ طفولتها تحب الكتابة الأدبية وتكره رائحة العقاقير والمرض، دخلت كلية الصيدلة فقط لأنها حصلت على مجموع كبير. تزوجت زميلا لها، صيدلي، عودته أمه على السيطرة المطلقة. وفاطمة لم تتعود على الخضوع. فوالدها كان يعامل أمها باحترام ولا يؤمن بالسيطرة الذكورية.

بعد أن أنجبت طفلتها، ساءت معاملة زوجها، لأنه أراد طفلا ذكرا. تحملت القهر من أجل أن تتربى البنت مع أبيها وأمها. وفى أحد الأيام، أرسل لها ورقة الطلاق فى البريد، بعد أن تزوج بغيرها، أنجبت له الذكر. سألتنى عن جذور الإبداع، ما هي؟. هل من الضرورى أن تتخرج فى كلية الآداب قسم اللغة العربية لتكتب أدبا عربيا؟. أو مصريا؟. سألت أحد نقاد الأدب الكبار، فسألها هل قرأت شكسبير؟. لم تكن الفتاة قرأت شكسبير، سألها ناقد كبير آخر، هل قرأت موباسان؟. قالت لا، سألها ناقد آخر، هل قرأت جابريل ماركيز؟. قالت لا، سألها آخر، هل قرأت ميلان كونديرا؟. هل قرأت تشيكوف؟. هل قرأت ميخائيل بلجاكوف؟. هل قرأت الالياذة والأوديسا لهوميروس؟. لم تكن الفتاة المسكينة سمعت عن هذه الأسماء. فما بال أن تكون قرأتهم. قالت الفتاة بصوت منكسر، لكننى أحب الكتابة، ومنذ طفولتى كانت لى مفكرة أكتب فيها الشِعر، والقصص القصيرة، والخواطر. انصرف عنها الناقد الكبير. وقبل أن تمضى الفتاة قال لها: اقرئى لكبار الكتاب أولا قبل أن تكتبين. جاءتنى الفتاة وسألتني: هل قرأت لهؤلاء الكبار قبل أن تكتبي. قلت: لا لم أقرأ لهم.. وقد دخلت كلية الطب بسبب المجموع الكبير وكنت أكره الأطباء ورائحة الدواء.. منذ الطفولة أحب كتابة الشعر والقصص.. تخرجت طبيبة وزاولت المهنة.. لكننى كنت أحلم دائما بالكتابة... كنت أكتب من تجاربى الذاتية التى أعيشها يوما بيوم، وأتعرض لها داخل الأسرة وخارجها، ومن المشكلات التى تواجهها المرأة فى حياتها، وفى زواجها وفى طلاقها وفى عملها، وفى جسدها وفى عقلها. تعرضت لكل هذا، وعبرت عنه فى كتاباتي. الكتابة تنبع من الحياة اليومية، من الألم وتأمل هذا الألم، والتعبير عنه بشكل بسيط جدا. الإبداع هو البساطة، والصدق فى التعبير عن الواقع، وربط التجربة الذاتية بتجارب الآخرين فى الحياة، ولا يعنى ذلك ألا تقرئي، وتتعرفى على تجارب الكتاب والكاتبات. ولأنك أم يا فاطمة، تعرضت لكثير من الآلام التى تعيشها الأمهات المصريات.

رغم الاحتفال بعيد الأم، رغم الأغانى التى تشيد بدور الأم، ورغم تكريم الأمهات، فإن الأم المصرية ليس لها حقوق، عليها واجبات فقط، إن قصًرت فيها، تُلام وتُعاقب بشدة. وتحت اسم الأمومة والأم المثالية، تدفع الأم حياتها من أجل أسرة يمزقها الزوج فى نزوة عابرة، مستخدما حقوقه المطلقة فى الشرع والقانون. ومطلوب من زوجته أن تحافظ على هذه الأسرة، وقد تضطر للعمل خادمة فى البيوت، لتعول أطفالها منه. اكتبى يا فاطمة من فيض هذه التجارب التى مرت بك، وتمر بغيرك من الزوجات والأمهات المقهورات.. ليس مهما أن تقرئى شكسبير.. أو غيره من الأسماء الكبيرة التى كتبت من تجاربها الذاتية وبلغة الأم الأصلية ومن بيئتها المحلية، ولم تصل الى النجاح والشهرة العالمية، إلا لأنها غمست أقدامها وأقلامها، فى البيئة التى نشأت وعاشت وتعذبت فيها... مثل الشجرة جذرها فى باطن الأرض ورأسها فى السماء.. منابع الإبداع يا فاطمة عندك, فى حياتك، تحت يدك.. فقط تأملى تجربتك احترميها، واتركيها كالنهر الطبيعى تتدفق فوق الورق.