وداعا عصر الانترنت.. أهلا عصر الكرونونيت !

ماجد الحيدر
2019 / 3 / 23

وداعا عصر الانترنت.. أهلا عصر الكرونونيت!
ماجد الحيدر

يبدو أن فكرة السفر عبر الزمن حققت أول فرصة عملية لها على أرض الواقع. الطريق طويل لكن المعجزة قادمة. ذلك أن فريقا بحثيا من مؤسسة موسكو للفيزياء والتكنولوجيا، بقيادة جوردي ليزوفيك، أقدم على خطوة جديدة من نوعها تماما في هذا المجال.
ففي الدراسة، التي نشرت في دورية "ساينتفك ريبورتس"، أعلن الفريق البحثي تمكنه من عكس اتجاه الزمن في حاسوب كمي عن طريق عكس حالة من الفوضى إلى الانتظام مرة أخرى.
الخبر(الذي يمكن الاطلاع على تفاصيله وتعقيداته الفيزيائية والرياضية في أكثر من مكان) مهم جدا ويعد فتحا في عالم الفيزياء لكنه لا يشبه بالضبط ما دأبت على التفكير فيه. فطريقة (السفر) حسب وجهة نظري لن تكون شبيهة بقصص الخيال العلمي اي بنقل الإنسان عبر الماضي والحاضر بل بطريقة ما لإعادة تجميع الموجات الكهرومغناطيسية أو التغييرات الفيزيائية التي لا بد أن ترافق أية حركة في الكون من أجل جعلنا نطلع بالصورة والصوت على أمور جرت في احداثيات زمانية ومكانية معينة وفي الماضي فقط. ولم لا؟ فامور مثل الانترنت بل وحتى الهاتف والتلفزيون والطائرة كانت حتى وقت قريب (لا يعد شيئا بتاريخ بالإنسانية ) ضربا من الشطحات الخيالية . ستجلس الى جهازك وتكتب له خط الطول والعرض والزمن الذي تريده وتجلس لتتفرج على كل ما حدث في الزمان والمكان المحددين!
أمانة عليكم سجلوا هذا الاختراع الذي لم يظهر بعد باسمي:
انه الكرونونيت (من الكرونو بمعنى الزمن +نيت بمعني الشبكة) !!!
وأمانة عليكم أيضاً أن لا تتفاجأوا عندما يخرج لكم "علماء الدين الأجلاء" في شرقنا الأظلم ليدحضوا الفكرة ويشتموا علماء الغرب الكافر، ثم يقوم آخرون بعد عدة سنوات (عندما لا يعود بمقدورهم العناد ويشرعون باستيراد تقنيات الكرونونيت من الغرب الكافر نفسه) بكتابة المقالات وعقد المؤتمرات التي تؤكد بأن الكرونونيت مذكور في القرآن!


كنت قد كتبت أكثر من مادة حول هذا الموضوع وتداعياته الهائلة على الجنس البشري، مازجا بين السخرية والجد، كان أحدها هذا المقال الذي نشرته قبل بضعة أعوام في صحيفة الأهالي البغدادية وأعيد التذكير به.. إن نفعت الذكرى!
.......
بانتظار آلة الزمن التي ستعرّي كل شيء

أنا، بدون "شقه"، من المؤمنين بشدة بإمكانية اختراع آلة للزمن!
لا تستعجلوا. آلة الزمن التي أتخيّلها، وأتمنّاها، وأحسدُ الأجيال القادمة عليها، ليست كآلات الزمن التي تخيلها الرسامون والمخرجون وصناع أفلام الكارتون والروائيون – ابتداءً بشيخنا خالد الذكر هـ. جـ. ويلز.
إنها لن تكون بأي حال من الأحوال نوعاً من المركبات المعقدة بعشرات الأزرار والأضواء وأجهزة القياس والعدادات، يركبها (ابن المحظوظة) ويدوس على بعض الأزرار ويحرك (قمچي الگير) فتنطلق بسرعة صاروخية عائدة الى زمان سحيق أو قافزة حتى زمان قادم لتتوقف عند سنة يُظهرها عدّاد السنين وينزل منها سائقها والدنيا تدور به ليجد نفسه في غابة من الديناصورات أو مدينة من مدن المستقبل ناسها طوال الرؤوس والآذان، جلودهم خضراء، لا تفرق فيهم بين الرجال والنساء، يركبون عربات بين السيارة والطيارة ، ويرطنون بلغة بين الغمغمة والإشارة.
ما أريده إيضاحه فألفُّ وأدور وأسطر رؤوسكم الكريمة هو إنني مؤمن باستحالة السفر الى المستقبل؛ فهذه مغالطة منطقية (إذا كان ثمة منطق في دنيانا) إذ لا يمكن أن يرى المرء شيئاً لم يحدث بعد، ناهيك عن أن يؤثر فيه، إلا إذا كان حاكما عربيا أو شرقاوسطيا عازما على إجراء انتخابات يعرف نتائجها سلفا!
ولكن السفر الى الماضي شيء آخر. إنه ممكن، نظريا على الأقل، على اعتبار أن كل حدث هو حركة فيزيائية تترك في الكون أثرا يمكن رصده وإعادة تركيبه ومحاكاته، دون أن يمكن تغييره بالطبع، فهو أولا قد حدث وانقضى وبنيت عليه ملايين من الأحداث المتعاقبة وهو ثانياً تاريخنا المجيد الذي لا يمكن أن "نلعب به" لأن ذلك "حرام وعيب"
آلة الزمن سوف تمكننا إذن من رؤية وسماع كل حدث في الماضي وكأننا نشاهد فلماً تسجيليا أو نقلاً مباشراً من.. من شنو، من شنو؟..من إحدى ساحات العز والكرامة أو جلسات البرلمان!
لن نعود بحاجة للتاريخ وكتبه ومعاهده ونظرياته: تكفيك كبسة زر أو ايعاز شفوي للانتقال الى زمان ومكان في الماضي لتتفرج وتسمع ببلاش!
كل شيء سيكشف بالتفصيل الممل والفيديو الذي لا يتطرق اليه شك: من خلاف الصحابة في السقيفة الى ما قالته "الچنة" بغياب عمتها!
أبطال التاريخ وقديسوه، هم والخطوط الحمراء التي تحيط بهم مثل سور سليمان، سيبدون على حقيقتهم المجرّدة!
سنعرف مثلاً أسباب الصراع السني-الشيعي وهل نشأ نتيجة مؤامرة امبريالية-صهيونية أم نتيجة العراك على السلطة؟ سنعرف مثلاً العدد الدقيق لبراميل النفط المسروقة في بلادنا وكل ما دار في كواليس الساسة الأعزاء من صفقات واتفاقات (بهدف خدمة شعبنا بالطبع) وسنعرف كيف ضاعت الموصل وسنجار ومعهما تكريت والأنبار.. وسيحل السلام والوئام في نادي اتحاد الأدباء فلن يعود من مجال لاتهام هذا لذاك بسرقة قصيدته او "الكلام من ورا ظهره" وسيتمتع أصحاب القلوب القوية بمشاهدة اللحظات الأخيرة للزعماء والمشاهير وهم يُصلبون أو يحرَقون أو يشنقون أو يقطّعون أو يسحلون!
وسوف يتم (ترشيق) كل الجامعات والمراكز البحثية في العالم عن طريق إلغاء أقسام التاريخ، قديمة وحديثه.
نعم.. أما إذا كنا رومانسيين فسوف نستعيد في أواخر أيامنا، طعم أولى قبلاتنا وصور الوجوه الحبيبة التي فتحنا أعيننا عليها وتنويمات أمهاتنا ولسع أول عصا هوى بها معلمنا الحنون على أكفنا المفتوحة!
وسنسمع بآذاننا "التي سيأكلها الدود" آيات الشجاعة والبطولة التي يلصقونها بهذا وذاك، وسنرى بأم أعيننا –يا للفضيحة!- كل اللحظات الحميمة التي دارت بين أجدادنا وجداتنا، إلا إذا جمع البرلمان تواقيع 150 نائباً لأجل إقرار قانون يحظر الذكريات الإباحية!
ولن يعود رجال الأمن والمحققون بحاجة للتعليق بالمروحات أو استخدام الصعقات وضرب الكيبلات لأجل انتزاع الاعترافات ولا حاجة للحلفان وجر الآذان.. ولن يسلم وزير أو نائب أو مدير أو غني أو فقير من الإطراء أو التشهير!
هذا "غِيط من فِيط" فأنا أعترف بعجزي عن تخيّل (ناهيك عن تعداد) ما ستحدثه هذه الآلة المرتقبة من ثورات وأعاجيب..
الموضوع إذن خطير جداً، صدقوني، بل ربما سيكون أخطر ما يتوصل اليه العقل البشري الجبار، وستكون له تداعيات هائلة على أخلاقنا، على نمط حياتنا، على منظوماتنا القيمية والاجتماعية والدينية وعلاقاتنا بعضنا ببعض... ولهذا فإنني أنصحك من باب الأحوط وجوباً:
كن حذرا يا عزيزي القارئ. ما تفعله اليوم في سرّك ستعرفه البشرية كلها غداً، فتوكل على الله وابدأ منذ الآن: لا تعبث مثلاً بخشمك أو بشيء آخر وأنت تستمع للخطبة الأسبوعية فربما يستغل أحد ذلك لتكفير أحفادك. ولا تمد يدك الى شيء ليس لك أو تغتب صاحبا فتتسربل بالخزي في غدك. ولا تتشاطر ولا تتحامق ولا تلعب بذيلك ولا تكذب على امرأتك ولا مديرك ولا شعبك.. آلة الزمن ستفضحك عاجلاً أم آجلاً و "تشرّك على الحبل" وقد أعذر من أنذر!