عبارَّة الموصل .. وماذا عن دور الضحايا

جعفر المظفر
2019 / 3 / 23

وهل تمنعنا الفاجعة عن البحث في مجمل أسباب الخلل التي أدت إلى غرق العبارة وحتى لا تليها مآسي مشابهة اخرى .. نعم كثيرون كانوا شاركوا في رسم فصول الفاجعة الكبيرة التي أدت إلى غرق أكثر من مائة ضحية عراقية في يوم عيد الربيع نيروز.
ولست أشفق على أي مسؤول لو كان إسمه قد ورد في قائمة المتهمين حتى لو كان بريئا من الجريمة براءة الذئب من دم بن يعقوب, ومن منا ذلك الذي هو على إستعداد لكي يدافع عن ذئب حتى في حالة إن رآه بعيدا عن الجريمة.

لقد قيل في ذكر الأسباب ان الطمع والجشع وسوء الإدارة كان في مقدمتها. وكان من الطبيعي ان يستهوي ذلك المزاج العراقي الذي صار من عادته أن يلقي كل شيء على النظام الفاسد, وهو في ذلك ليس مخطئا بالمرة إلا في الحالة التي يؤدي فيها ذلك إلى التغطية غير المقصودة على الأسباب الأخرى !!

أما أنا فسوف أخاطر في طرق الباب التي تؤجل الناس طرقها في العادة أو تحاذر أن تفعل ذلك في العلن, فأذهب مباشرة إلى إلقاء معظم المسؤولية على كاهل الضحايا أنفسهم.

فإذا كان صحيحا ان العبارة لا تتسع لأكثر من مائة راكب, وإن مشهد الركاب المكتظ هو مشهد صحيح وغير ممنتج, فإن التركيز على دور المسؤولين عن العبارة وصولا إلى تحميل المحافظ نفسه (بالمناسبة أنا لا أعرف حتى إسمه ولست راغبا بذلك) إنما يتسبب حقيقة في التعتيم على واحد من الأسباب الحقيقية التي تقف خلف كثير من مأسينا ولا تنحصر في ماساة العبارة ذاتها, والسبب هنا, كما أنا مؤمن به بقوة, هو ذلك الذي يتعلق بدور الضحية نفسه في رسم مشهد مأساته.

إن المرأ لا يحتاج إلى كثير من الوعي لكي يعرف بحدسه أن الصعود على عبارة مكتظة قد يؤدي إلى التهلكة, كما أن ليس بالإمكان إقناعنا بأن الضحايا كانوا قد سيقوا إلى ركوب العبارة على الرغم منهم. وفي أحيان كثيرة يحدث أن الناس هي التي تتدافع وهي التي تساهم في خلق الفوضى, وبهذا فإن المسؤول وإن ثبت أنه يتحمل المسؤولية القانونية بسبب موافقته على حركة العبارة, إلا أن الناس المحتشدة برغبتها كانت قد ناصفته المسؤولية الأخلاقية, فقتلتها الفرحة التي لم تترك لها فرصة للتأني والإمتناع عن الفعلة الخاطئة.

مأساة العبارة يجب ان تكون دافعا للبحث عن دورنا نحن في رسم مشاهد مآسينا, فالنظام الفاسد لا يجبرك على أن تأكل (الموطا) في فصل الشتاء ولن يكون بإمكانه أن يغريك على أن تترك أبواب بيتك مفتوحة للصوص.

ووسط الثقافة الدارجة في تحميل النظام الفاسد مسؤولية كل الأخطاء علينا ان نجد موقع أقدامنا نحن أيضا قبل ان نلج في مساحة الخطأ.
بعد ذلك فقط, وليس قبله, علينا أن نبحث عن دور النظام الفاسد.
وبعد ذلك فقط, وليس قبله, سيكون من حقنا أن نسأل الله اللطف في القضاء, وربما نسأله رد القضاء أيضا.

إن ثمة أخطاء نتحملها نحن, ففي وسط الغابة لا تمشي حافيا أو ساهيا, وعليك أن تعي طبيعة الأخطار المحدقة بك قبل أن تلقي سبب هجمة حيوان مفترس عليك برأس بواب الغابة.

وسط الإقرار بغياب الدولة, لا بل وتوحشها أيضا, على الإنسان العراقي أن يحتاط أولا وينظر إلى جميع الجهات قبل ان يخطو خطوة واحدة خارج عتبة داره. هناك مسؤولية ذاتية للعراقي عن حماية نفسه وحماية أهله تتقدم على مسؤولية الدولة الغائبة أو الفاسدة أو المنحطة. نقضي العمر كله نصيح ان دولتنا فاسدة ثم حين تقع المآسي نتعامل معها وكأننا نتعامل مع دولة فاضلة. المقالة لا تدافع عن ذنوب الدولة الفاسدة وجرائمها وأخطائها وشرورها وإنما تؤسس لواقع يقول إذا كنت تعيش في دولة كهذه فعليك أيضا تقع مسؤولية حماية نفسك من أخطاء هذه الدولة وجرائمها. ينبغي علينا, في حالة العبارة الموصلية, وفي غيرها من الحالات المتشابهة أن نضاعف وعي الإنسان بأهمية إحتراساته الذاتية. هذا ما أردت أن اقوله دون أن يعني ذلك مطلقا عدم الإهتمام بمتابعة الجانب الأخلاقي والمسؤولية القانونية لجهاز الدولة أو القطاع الخاص