أسرار معركة بوكافر قراءة في كتاب -أوراق بوكافر السرية- لميمون أم العيد

عبيد لبروزيين
2019 / 3 / 23

يقع كتاب "أوراق بوكافر السرية" في 210 أوراق من الحجم المتوسط لمؤلفه ميمون أم العيد الذي تعرّف عليه القراء في كتابه الأثير "يوميات أستاذ خصوصي"، وروايته "تقارير مخبر"، وكتابته لسيرة غيرية بعنوان "شهيد على قيد الحياة". نشر الكتاب، موضوع القراءة، على نفقة المؤلف، وصمم غلافه محمد الخو، غلاف تعلوه وثائق استخباراتية باللغة الفرنسية كتب عليها "سريّ للغاية" موقعة من طرف الجنرال إيرو قائد منطقة مراكش. والسؤال الذي ظل يراودني وأنا تائه بين هذه التقارير الاستخباراتية، كيف نؤرخ لمعركة بوكافر؟ ألا يجدر بي أن أبسط مضامين الكتاب لتتعرف النائشة على جزء من تاريخ المغرب؟
يمهد أم العيد كتابه بالتحذير من مغامرة كتابة التاريخ، لأنه يعتقد أنه إتمام ما بدأه الجنود في ساحة المعركة، لذلك كان الرجل شديد الحرص فيما ينقله، وهذا ما جعله يخصص المحور الأول من الكتاب لترجمة الوثائق الاستخباراتية الفرنسية التي كتبت حول معركة بوكافر ما بين 4 من فبراير 1933م، وهو أول يوم كتب فيه التقرير الاستخباراتي الموقع من طرف الملازم بيني رئيس مكتب الشؤون الأهلية، إلى 26 فبراير 1933م وهو التاريخ الذي كتبت فيه الوثيقة الأخيرة الموقعة من طرف الجنرال كاترو وقائد السرية بويي.
والمحور الثاني من الكتاب خصصه أم العيد لأعلام بوكافر، حيث تحدث عن رموز المقاومة العطاوية في المعركة مستعينا بالرواية الشفهية، وقد ذكر فيه 17 علما، إنها محاولة لكتابة تاريخ المقاومة في تازرين والمناطق المجاورة لجبل صاغرو.
يدرك أم العيد حجم المغامرة حين بيّن طبيعة الوثائق التي تحمل طابع السرية أو الخصوصية، والتي اكتفى بترجمتها دون التعليق عليها أو تحليلها، لذلك يمكن القول بأنه يقوم بدور المترجم في المحور الأول، والمؤرخ في المحور الثاني، إنها وثائق استخباراتية حررت بتعاون مع المخبرين الذين يعرفون بنية النظام القبلي السائد في الجنوب الشرقي أو المستسلمين الذين نزلوا من جبل صاغرو بعد نفاذ مؤونتهم وذخيرتهم، وقد كتبت هذه المستندات لأغراض عسكرية آنية جمعت بصاغرو ونواحيها وترفع إلى الجنرال القائد الأعلى ببومالن، والجنرال قائد التجمع الغربي والجنرال قائد التجمع الشرقي.
كان موضوع التقارير حول المجاهدين في شعاب صاغرو، إذ تضم معلومات عن المجاهدين وممتلكاتهم وعدد أغنامهم ونعاجهم وأسلحتهم وحالاتهم النفسية وعدد القتلى والجرحى فيهم.
كانت بداية المعركة بداية فبراير 1933، طرفها الأول آيت عطا وآيت مرغاد والشرفا وإقبلين وإملوان، لكن أغلبهم كان من اتحادية آيت عطا، والطرف الثاني الجيش الفرنسي ومناصريه من أبناء المنطقة والذين بلغ عددهم 560 شخصا. والهدف تطهير صاغرو من المجاهدين، أما استراتيجية الجيش الفرنسي فكانت محاصرة الجبل وشن حرب استنزاف من خلال:
التجمع الغربي: يقوده الجنرال كاترو ويضم حركات تحت لواء العقيد شاردون.
التجمع الشرقي: يقوده الجنرال جيرو ويتشكل من حركة درعة بقيادة القبطان جورج سيبلمان.
أسباب المعركة
بعد الغارات المتوالية على الجيش الفرنسي وتكبيده خسائر فادحة، قامت طائرة فرنسية بإلقاء قنبلة على أحد "القصور"، فوجه جورج سبيلمان مراسلة لايت عطا بأنه مستعد للصلح والتسامح، فأجابه عسو وبسلام في تحد واضح "عليكم بالمجيء إليّ هنا للحصول على الجواب".
مراحل المعركة
المرحلة الأولي: ما قبل 12 فبراير 1933 حيث اعتمدت القبائل الموجودة في الجنوب الشرقي حرب العصابات والسطو على خطوط الإمدادات، فأنهكت الجيش الفرنسي وكبدته خسائر فادحة.
المرحلة الثانية: من 12 إلى 23 فبراير 1933، استقر المجاهدون في صاغرو، فحوصروا من طرف الجيش الفرنسي وقامت بينهما معارك طاحنة مثل معركة سيدي فلاح، تيزي تندات أوملال أقان وليلي... استفاد المجاهدون من التضاريس الوعرة واختبأوا وراء الصخور خصوصا في 28 فبراير، مما أدى إلى استهداف عشوائي لمنابع الماء والفتك بالماشية.
المرحلة الثالثة: عقد اتفاقية سلام في 24 مارس 1933، وقد جاء فيها:
- الاستسلام للمخزن المغربي
- إبعاد سلطة الكلاوي
- إبقاء الأسلحة بأيدي السكان
- عدم تشغيل السكان في أعمال السخرة
- عدم استدعاء النساء للغناء في الحفلات الرسمية
إن الاتفاقية تعكس دهاء عسو وبسلام السياسي، واستطاع أن يحفظ مكانة قومه كما يتجلى ذلك في بنود الاتفاقية.
استغلت فرنسا هذه المعلومات الاستخباراتية فعمدت إلى الحصار والتجويع والقصف العشوائي، خصوصا في 18 من فبراير 1933 بعد مقتل الرجل الأحمر القبطان بورنازين من التجمع الشرقي، ما سينجم عنه استسلام ايت إعزا يوم 19 فبراير 1933 حسب التحليل الاستخباراتي الموقع من طرف ثيابورو، وأشار إلى أن المنشقين المجاهدين لجأوا إلى أقّا ن خُويا إبراهيم ومستعدون للقتال إلى آخر رمق.
والملاحظ أن هذه التقارير لا تذكر هزائم وخسائر فرنسا إلا لماما مثل السطو على قافلة من البغال من قبل سبعين محاربا من ايت اخليفة، وايت اسفول، وايت الفرسي بقيادة امحند أو زايد، وإسقاط طائرتين وقتل طياريهما وغنيمة المنشقين لـ 10 إلى 12 بندقية ومئات الخراطيش ... والملاحظ أن التقارير الموقعة من طرف القبطان ثيابورو هي الوحيدة التي تلمح إلى هذه الخسائر.
وعموما، ستستعر الحرب وستطبق فرنسا سياستها الخبيثة وسيصل عدد المستسلمين حسب تقرير 16 مارس الموقع من طرف الجنرال كاترو وبويي 307 أشخاص، وسيبقى في بوكافر حسب التقرير نفسه 300 عائلة من بينها 400 رجل مقاتل يملكون 300 بندقية و20 ألف خرطوشة تقريبا.
لقد كان للمخبرين دور كبير، حيث جاء في الوثيقة الصادرة في 17 مارس "يصر المخبر على أنه إذا قمنا بمنعهم من التزود بالماء ليومين أو ثلاثة، سوف يعلنون جميعهم الاستسلام" إلا أن المعارضة والصمود كان قويا وهو ما يبرزه التقرير الصادر في 19 من مارس الذي تحدث عن اجتماع عسو وبسلام المشان والحسن بوعلي ايت بوداود عدي ويدير ايت عيسي اوبراهيم وأوخجادج ايت عيسي وبراهيم الذي خلص إلى:
- الموت و100 دُورو حسني كغرامة لمن ربط علاقة بالنصارى
- غرامة قدرها 25 كبش لكل من يتهاون في مواقع الحراسة المنوطة به
ورغم القصف والخسائر إلا أن المعنويات كانت مرتفعة إذ يقول التقرير الصادر في 21 مارس بأن المشان ايت بوداود، وايت عيسى وبراهيم يفضلون الموت على الاستسلام، ليسوق أم العيد تقرير 22 مارس ثم تليه مذكرة 26 مارس، أي أن الأحداث المهمة التي وقعت بين 22 و26 تبقى غامضة.
إنه كتاب يستحق القراءة والدراسة من طرف المتخصصين، ورفع القبعة لصاحبه الذي تنقل إلى أرشيفات فرنسا... في انتظار ترجمة المزيد من الوثائق...