تحية إجلال لرئيسة وزراء نيوزيلندا

جلبير الأشقر
2019 / 3 / 20


افتتحت رئيسة وزراء نيوزيلندا، السيدة جاسيندا أرديرن، الجلسة الطارئة التي دعت برلمان بلادها إلى عقدها يوم أمس، بعبارة «السلام عليكم» وقد لفظتها باللغة العربية مثلما يفعل معظم مسلمي العالم إلى أي أمة أو لغة انتموا. ومنذ البرهة الأولى التي أعقبت الجريمة الشنيعة والمَقيتة التي ارتكبها أحد الإرهابيين «البيض» (بالمعنى السياسي للتعبير، ولاسيما ما يتعلق بالعقيدة العنصرية التي تعمّم على «البيض» ذوي الأصل الأوروبي ما حصره النازيون بما أسموه «العرق الآري»)، وقفت رئيسة وزراء نيوزيلندا، ذلك البلد الهامشي بامتياز على خارطة كوكبنا، تلقّن العالم أجمع درساً رائعاً في الإنسانية والرأفة.
فما أن وصلها نبأ الجريمة النكراء وقبل أن توقف على تفاصيلها، صرّحت بممالأة حميدة: «بينما لا أستطيع أن أتقدّم عند هذا الحدّ بأي تأكيد لعدد الضحايا والمصابين، ما أستطيع قوله هو إنه لمن الواضح أن هذا اليوم هو أحد أيام نيوزيلندا الأكثر ظلمةً. إنه لمن الواضح أن ما حصل هنا هو عمل عنف خارق وغير مسبوق. وقد يكون كثيرون من الذين طالهم الرصاص من المهاجرين إلى نيوزيلندا، وقد يكونوا حتى من اللاجئين إلى هذا البلد. اختاروا أن يجعلوا من نيوزيلندا وطناً لهم، وهي وطنهم. إنهم مننا والشخص الذي ارتكب هذا العنف ليس مننا، ولا مكان لأمثاله في نيوزيلندا».
كلمات بسيطة من الصميم، تداولتها أجهزة الإعلام العالمية كما تداولت مشاهد تعزية رئيسة الوزراء لذوي الضحايا ومعانقتها لهم. وقد تبع شعب نيوزيلندا مثالها وقدوتها وأخذوا يعلنون تضامنهم الأخوي مع الذين استهدفهم الإرهابي السفّاح، وذلك بأروع الأشكال بما فيها رقصة «هاكا» التي هي من تقاليد سكّان نيوزيلندا الأصليين (شعب ماوري) والقصد الأصلي منها بثّ الرعب في نفوس المعتدين.
هكذا تجلّى أن المسافة التي تفصل بين رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أرديرن، زعيمة حزب العمّال النيوزيلندي، ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، زعيم حزب الجمهوريين الأمريكي وحبيب أقصى اليمين العالمي وشتى أصناف العنصريين «البيض» وكارهي المسلمين (بمن فيهم الإرهابي الذي اقترف المجزرة في نيوزيلندا والذي سجّل إعجابه بالرئيس الأمريكي في مدوّنة خواطره)، أن المسافة التي تفصل بين تلك الامرأة وذلك المرء لهي أعظم بعد من المسافة الجغرافية الشاسعة التي تفصل بين عاصمتي بلديهما.

ولا يسع أي انسان ذي مشاعر إنسانية بأجمل معاني التعبير، ومهما كانت الديانة التي ينتمي إليها، سوى أن يشعر بقرابة أوثق بكثير، تقوم على مشاطرة أنبل القِيَم، تجاه السيدة أرديرن مما يشعر تجاه جماعة القتل العشوائي الناجم عن الحقد العنصري والطائفي الأعمى، سواء كانت ضحاياهم من المسلمين، سنّة أكانوا أم شيعة، أو من المسيحيين أو من اليهود أو غيرها من الديانات، ما دام القتل موجّهاً ضد أقليات بعينها بدافع بُغض ديني طائفي، مثلما جرى في نيوزيلندا إزاء مسجد النور ومركز لينود الإسلامي وقبلها في الولايات المتحدة إزاء كنيس يهودي وقبلها في باكستان إزاء مسجد شيعي وقبلها في مصر إزاء كنيسة قبطية ومسجد صوفيّ، وهلمّ جرّا.
أما الذين ردّوا على مجزرة نيوزيلندا بتسعير مضاد للحقد الإسلامي على المسيحيين، فهم أيضاً أقرب إلى منطق مرتكب مجزرة نيوزيلندا منهم إلى منطق رئيسة وزرائها. وبين الذين اختاروا تسعير الأحقاد في منطقتنا الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان الذي انتهز المناسبة لإلقاء خطاب ديماغوجي خلط فيه بين التعصّب الديني والقومي التركي، جامعاً بين التبجّح بالإرث العثماني ومديح الرجل الذي قضى عليه، ألا وهو مصطفى كمال. وقد وعد أردوغان بأن إسطنبول لن تعود قسطنطينية مجدّداً، وهو كلامٌ دون طائل إذ ليس هناك من يدعو إلى إعادة إحلال الإمبراطورية البيزنطية محلّ العثمانية، كلامٌ ليس الغرض منه سوى دغدغة مشاعر السذّج على مشارف انتخابات بلدية يخشى أردوغان أن يتراجع حزبه فيها بسبب سوء إدارته الخطير للأحوال الاقتصادية.
إن إحلال المحبّة محل البُغض في العلاقات بين البشر على قاعدة العدل إنما هو أسمى المساعي الإنسانية، وهو القيمة السامية التي تغنّت بها أم كلثوم في ردّ على دعاة الحقد باسم الدين: «الحب نعمة مش خطية، الله محبة، الخير محبة، النور محبة». هذا ويملأ فكر جماعات الحقد شبكة الإنترنت، مستنداً إلى التزمّت الحنبلي ومذهب ابن تيميّة، لا ينفصم لديهم التفكير عن التكفير بما مؤدّاه النهائي «إدارة التوحّش» على الطراز الداعشي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، هذه الفتوى المتزمّتة التي تؤكّد: «أن هذه الكلمة «الله محبة» هي شعار للنصارى، فهم الذين يطلقون هذه الكلمة على الله، ولا يجوز لمسلم أن يتشبّه بالمُشركين وأهل الضلال فيما هو من خصائصهم وشعاراتهم.»..
والحقيقة أن منطق مثل هذه الفتوى في عصرنا لهو أقرب إلى منطق المعتدي على مسجد النور ومركز لينود الإسلامي في نيوزيلندا ومنطق المعجبين مثله بدونالد ترامب منه إلى منطق الذين نجوا من المجزرة من المصلّين في الجامعَين والذين صرّحوا بأن محنتهم وتضامن مواطني نيوزيلندا وحكومتها معهم إنما عزّزا شعورهم بالوحدة مع سائر سكّان البلاد وتمسّكهم بالانتماء إليها كما بعقيدتهم المسلمة المسالمة والرحيمة.