من نهب أموال السوري المشرد-1

محمود عباس
2019 / 3 / 18

لتبيان صفحة من صفحات كوارث النهب، والتي تحتاج إلى دراسات وإحصائيات مطولة، وأبحاث على مستوى الدول، لا بد وبعجالة المرور على بعض الأرقام، ومنها التي جمعتها منظمة OCHA التابعة لهيئة الأمم المتحدة، في عدد من المؤتمرات، وأخرها مؤتمر بروكسل الثاني، المنعقد في يوم الخميس الماضي بتاريخ 14/3/2019م وبحضور83 دولة ومنظمة عالمية، والتي بلغت قرابة 6 مليار دولار، دون أن يتطرقوا للمأساة أو عرض حلول عملية لإنهاء الحرب المدمرة. بهذا الأسلوب في عقد المؤتمرات رسخوا منطق البؤساء على السوريين في المهجر أو في المخيمات. واستمرت عمليات النهب الممنهج من قبل المنظمات والدول المدعية حماية الشعب. وظل بشار الأسد على رأس النظام الإجرامي. وفي جميعها بقي السوري غائبا عن المشهد، فالكل تحدث ويتحدثون باسمه، وينهبونه، أو يهجرونه، أو يقتلونه، وبالتالي شرعوا الفساد بقوانين دولية.
لنعد قليلا إلى الوراء، وحجم الأموال المذهلة، المضخة لسلطة بشار الأسد، والمعارضة، والمتبخرة ما بين منابع التبرع والمستلمين باسم الشعب. فقد بلغ ما تم تقديمه للمعارضة والدول الداعمة لها، منذ مؤتمر كويت في 15 كانون الثاني عام 2014م وحتى الأن قرابة 60 مليار دولار. استمر السيلان المادي سنويا، فإلى جانب بروكسل-2، وفي السنة الماضية أي في مؤتمر بركسل الأول عام 2018م والذي حضره 70 دولة، جمعت قرابة 4,4 مليار دولار، استنادا على إحصائيات منظمة UNHCR المعنية بشؤون اللاجئين والتابعة لهيئة الأمم المتحدة. ونحن هنا لم نتابع جميع المؤتمرات في هذا الشأن، ومنها كانت محصورة بين عدة دول، وتحدثت في هذا السيدة فيديركا موغيريني في مؤتمر بركسل الأخير ذاكرة أن الإتحاد الأوربي كهيئة منفصلة قدمت قرابة 3 مليار دولار في السنوات الثلاث الماضية، إلى جانب ذلك، في عام 2012م وكمساعدات جانبية من قبل منظمات دولية، تم تقديم 350 مليون دولا، وفي عام 2013م 2,2 مليار دولار، وفي 2014 قرابة 2,7 مليار، وفي 2015م 2,9 مليار، وفي 2016م قرابة 3 مليار، وفي 2017م 2,5 مليار، وفي 2018م 3,5 مليار، المصدر منظمة شؤون اللاجئين التابعة لهيئة الأمم المتحدة، إلى جانب ما تم التعتيم عليه، لأسباب سياسية.
لا شك، لا نتحدث عن حجم الأموال المهدورة لشراء الأسلحة، ورواتب المرتزقة من الجانبين السلطة السورية والمنظمات التكفيرية المعارضة. ومن المحزن أن نسبة كبيرة من هذه الأموال دفعت لتركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، في الوقت الذي ظل فيه مجتمع المخيمات يعانون كل أنواع البؤس والحرمان، ويقال: وعلى لسان ساكنيها، أنها تشبه معسكرات الاعتقال، وكثيرا ما استخدمت تركيا مخيمات المهاجرين لتجنيد الشباب، وضخ منظمتي داعش وهيئة تحرير الشام، ومنظمة نور الدين الزنكي وغيرهم بعناصر دائمة، معظمها تمت تحت التهديد والترهيب، ومقابلها كانت السلطة تدعم إيرانيا بمليشيات شيعية لا تقل تكفيرا عن المنظمات المعارضة.
ومثل هذه السيولة دفعت لسلطة بشار الأسد، تحت حجة مساعدة السوريين المتأذين من الحرب في الداخل، والحفاظ على الميزانية السنوية، والمتقلصة من قرابة 21 مليار دولار عام 2010م، إلى 5 مليار لعام 2018م، علما أن فساد السلطة تتجاوز مجرد نهب المساعدات، فهي ضليعة ومنذ عقود في تدمير الدخل الوطني العام ونهبه، ومنها أن إجمالي الدخل وحسب الإحصائيات الرسمية السورية كانت قرابة 18 مليار دولار عام 2010م، علما أن الإحصائيات العالمية ومنها التابعة لهيئة الأمم، ومن منظمات مختصة، يذكر أن دخلها القومي وليس الوطني كانت تتجاوز هذا الرقم، ولكن وعلى خلفية الشعار المفروض من قبل حافظ الأسد (النفط في أيدي أمينة فلا تسأل عنها) تم نهبها وبشكل ممنهج، وتبينت عندما قصف الأسد الأب ميناء أخيه رفعت الأسد بجانب ميناء طرطوس، مع أربع ناقلات نفط كانت مرسيه تنقل النفط الخام وعلى مدى عقدين إلى الأسواق العالمية، وهذه الأموال المجمعة من الأسواق السوداء، لم تكن تدرج ضمن ميزانية الدولة، وبالتالي كان الدخل القومي يحدد بقرابة 18 مليار دولار، وليس 25 مليار وربما أكثر.
معظم المساعدات المقدمة لسلطة بشار الأسد، هي من روسيا وإيران. فالأولى تنازلت عن جميع ديونها السابقة، بل وإضافة على ذلك قدمت سيولة نقدية على مدى السنوات الأربع الماضية، رغم سريتها، يقال إنها تجاوزت 5 مليار دولار، وهنا لا يدرج ضمنها ثمن الأسلحة وما يتعلق بالحرب، كصفقة الصواريخ 300 س على سبيل المثال، وغيرها. كما ومنذ بداية عام 2012م قدمت إيران للسلطة مساعدات نقدية مستمرة، لئلا تنهار اقتصاديا ولتحافظ عملتها على سويتها، وبدأتها من نفس العام بمليار دولار، كقرض دولي، نشرتها لاحقا وزارة المالية الإيرانية، وفي عام 2013م قدمت قرضا أخر بقيمة 3,6 مليار دولار، وتصاعدت الأرقام، ومنها ما كان ينهب من النفط العراقي، وفي السنة الماضية قدمت إيران تقريرا مالياً، على أن سوريا مديونة لها ب 20 مليار دولار، ومعظمها كانت على سعر السوق عندما كان الدولار يعادل 50 ليرة سورية.
الانتهازيون بإمكانهم أن يبيعوا الوطن والقيم والأخلاق في أسواق النخاسة دون أن يرف لهم جفن، والمنافقون يفسرونها حنكة، ومن المؤلم أنه وعلى مدى سنوات الحرب في سوريا، لم تبقى على الساحة العملية إلا هاتين الشريحتين، عجت بهم قاعات المؤتمرات المنعقدة من اجل القضية السورية، ويا لكثرتها وانحطاطها، برزوا وبمساعدة بعض القوى الإقليمية، وبعد السنة الأولى من الحرب في الإعلام العربي، وإعلام الدول العابثة بمصير سوريا، كتركيا وإيران، الدول التي فعلت المستحيل لتقديم مجموعات من الشريحتين اللتين من السهل شراء موالاتهم، وعن طريقهما مرروا أجنداتهم على حساب الشعوب السورية، يستسيغون وبكل أريحية أن تكون سوريا لقمة سائغة، وتبينت هذه وبشكل واضح في معظم المناسبات والمؤتمرات، وجلهم يمهدون للدول المحتضنة لهم على احتلال الوطن دون رادع أخلاقي، بل ويخلقون التبريرات لطروحاتهم ( لا عجب فهم أحفاد أبو رغال) مع الادعاء بالحفاظ على وحدة سوريا، والقضاء على الإرهاب، والتهجم على الكرد كلما انتشرت رائحة فسادهم...
يتبع...


د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
16/3/2019م