محمود يوسف بكير - كاتب وباحث في الشئون الاقتصادية والإنسانية - في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول: لماذا فشلت الجهود التنموية العربية.

محمود يوسف بكير
2019 / 3 / 17


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة، وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى، ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء، تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -226- سيكون مع الأستاذ د. محمود يوسف بكير - كاتب وباحث في الشئون الاقتصادية والإنسانية -  حول: لماذا فشلت الجهود التنموية العربية.


لماذا فشلت الجهود التنموية العربية


يلاحظ أن جذور الاستبداد بدأت في النمو لدي عالمنا العربي بعد التحرر من مرحلة الاستعمار الاجنبي في خمسينيات القرن المنصرم حيث بدأت الأنظمة التي تولت الحكم وقتها في تأمين نظامها من خلال التسلط ومحاصرة واعتقال كل القوى الثورية الأخرى التي شاركت في النضال ضد المستعمر بشكل أو آخر. وكمثال تطبيقي على هذا ما حدث في مصر، حيث استهدف نظام جمال عبد الناصر كل القوى والحركات السياسية الأخرى التي كانت قائمة مثل اليساريين والشيوعيين والمستقلين والإخوان المسلمين واليمين المعتدل مثل حزب الوفد. ثم بدأ حملة مسعورة على القضاء المستقل والجامعات والنقابات المهنية والاعلام والفنانين وحتى مشيخة الأزهر والكنيسة القبطية لم تسلم من سيطرته وبسرعة مدهشة تمكن من خلال اجهزته الأمنية من الهيمنة على كل مفاصل الدولة المصرية وألقى بكل أصحاب الرأي المخالف في السجون. واصبحت مصر في عصره دولة الخوف والمعتقلات مما أضعف إحساس الناس بالمواطنة والانتماء. وكانت النتيجة الطبيعية لهذه الأجواء المرعبة ودولة الرأي الواحد والحزب الواحد هزيمة نكراء لنظام عبد الناصر في 1967 واحتلال سيناء وانهيار الاقتصاد المصري. ونفس السيناريو الكارثي يتكرر الآن مع السيسي.
وما حدث في مصر حدث في العراق وسوريا وليبيا وتونس والجزائر والسودان واليمن ليسدل الستار على الديموقراطية والحريات الشخصية في عالمنا العربي وتتحول مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني التي كانت تعمل بهامش معقول من الاستقلالية إبان المرحلة الاستعمارية إلى هياكل مفرغة. وهكذا تخلفت مجتمعاتنا عن اللحاق بطور الحداثة التي صنعتها وتعايشها الدول المتقدمة في شتى أنحاء العالم.
الحداثة ظاهرة كلية تتسم بالشمول ولذلك يندر أن تجد دولة حديثة في نظامها السياسي دون أن تكون حديثة أيضا في نظامها الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى المستوى السياسي تتحقق الحداثة بشرطين أساسيين هما استقلال السلطات الأساسية في الدولة عن بعضها البعض ونعني هنا السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. أما الشرط الثاني فهو في أن تكون مؤسسات ومجتمعات الدولة غير السيادية أيضا مستقلة ومحصنة قانونيا، ونعني بهذا أحزاب المعارضة والاعلام ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والنقابات المهنية ومراكز الفكر والأبحاث.
هذان الشرطان يوفران الضمانات الحقيقية لسيادة دولة القانون والديموقراطية وتمتع المواطنين بحرياتهم المختلفة دون خوف خاصة حرية التعبير التي تؤدي إلى تعدد الآراء والافكار والاختيارات وزيادة وعي المواطن وما يعنيه هذا من فرض رقابة غير مباشرة وحوكمة ومحاسبة أفضل في كل مؤسسات الدولة.
هذا الجانب الحداثي كما أسلفنا غير موجود تقريبا في كل مجتمعاتنا العربية التي تتميز بالأنظمة السياسية المستبدة.
وعلى المستوى الاقتصادي فإن الحداثة تعني استقلال المؤسسات الاقتصادية ومن أهمها البنك المركزي وأجهزة الرقابة والمحاسبة عن السلطة التنفيذية. هذه الاستقلالية تمثل الضمانة الحقيقية للحفاظ على موارد الدولة ومحاربة الفساد. وقد زكرت البنك المركزي أولا للدور الهام الذي يلعبه في الرقابة على البنوك ومحاربة التضخم والحفاظ على استقرار العملة المحلية وكلها وظائف نقدية هامة لحماية محدودي الدخل في أي مجتمع.
وهذا الجانب الحداثي غير موجود أيضا في عالمنا العربي حيث يمتد استبداد الحاكم ليشمل كل المؤسسات الاقتصادية والمالية، وليس بمستغرب أن تجد محافظ البنك المركزي حاضرا في اجتماعات الحكومة ويتلقى التوجيهات من سيادة الرئيس وهو شيء لو حدث هنا في الغرب لتم إسقاط الحكومة.
وأما على المستوى الاجتماعي والثقافي فإن الحداثة تعني بالأساس حرية الأفراد في الاعتقاد والتعبير في حدود القانون دون إهانة أو إرهاب الآخر. كما أن الحداثة الفكرية تعتني بتشجيع الناس على التفكير العلمي واستخدام عقولهم دون خوف والسعي للابتكار والتطور بدلا من الانغلاق والتعلق بالماضي والبحث عن حلول لمشاكل الحاضر المعقد من خلال اجترار أفكار بدائية قديمة لأناس عاشوا في مجتمعات بسيطة وماتوا منذ قرون.
وباختصار فإن الدولة الحديثة تعمل بشكل دائم على تحديث بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل مستمر وتشجع جميع مواطنيها على المشاركة في هذه العملية أيا كانت معتقداتهم وانتماءاتهم.
واقعنا الان يشهد بأننا أقل حداثة مما كنا عليه في منتصف القرن الماضي وكنتيجة لهذا فإن وضع الانسان العربي مذري وبائس مما حوله إلى قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت. وحال الثقافة والفكر والفن والابداع والتعليم والحريات الفردية وحقوق الإنسان والحس الوطني والانتماء يتجه من سيئ لأسوأ.
وبالرغم من المحاولات التنموية التي تبذلها الانظمة العربية الحالية إلا أن بنياننا الاقتصادي والاجتماعي لازال بعيدا كل البعد عن اقتصادات المعرفة والتكنولوجيا التي تتميز بها الدول المتقدمة ومن بينها إسرائيل التي نشأت داخل منطقتنا وفي ذات الفترة التي رحل فيها المستعمر عن بلادنا. أقول إسرائيل لإثبات أن جغرافية منطقتنا ليست عائقا للتقدم وأنه من الممكن أن نتجاوز مرحلة الاقتصاد الريعي المتخلف لو أننا بدأنا في الاستثمار في الانسان العربي وترميم قدراته العقلية والثقافية بدلا من الاستثمار في تجهيل وقمع الشعوب والتركيز فقط على بناء الطرق وناطحات السحاب والمساجد الضخمة والمولات الفاخرة بينما حال المدارس والمعلمين يدعو للرثاء.
وعلى مدار الستين عاما الماضية لازال حكامنا يتعاملون بشكل سطحي مع ما نعانيه من تخلف ويحتالون على الشعوب ويكررون أخطاءهم مرة بعد أخرى دون أن يتعلموا أي شيء وهو ما يذكرني بما قاله أينشتاين من أن الجنون والعبث هو أن تبحث عن حل لمشكلة ما من خلال التعامل معها بنفس الطريقة مرة بعد أخرى ولمرات عديدة وتتوقع نتيجة مختلفة. أليس هذا هو حال حكامنا!

إن معظم المشاكل قابلة للحل لو أننا قمنا بعملية تشخيص سليمة ونجحنا في التمييز بين الأسباب والأعراض. الآن كل العالم ينظر إلينا على أننا شعوبا خارج التاريخ الإنساني ومفارقين للحداثة كما تناولنا إياها في أول المقال، ولكن هذه أعراض لمشاكل قديمة ومركبة، فما هي هذه المشاكل؟
في تقديرنا أن أسباب ما نحن فيه من تخلف وبؤس يمكن ارجاعه الي أسباب تاريخية وثقافية عديدة منها ما يلي:
1.أوهام أننا تحررنا من الاستعمار الغربي بينما الحقيقة المرة هي أننا استبدلنا الاستعمار الأجنبي باستعمار محلي الصنع يتمثل في أنظمة استبدادية قوية مدعومة من الغرب ولازالت تدور في فلكه لضمان بقائها. وهي ذات الأنظمة التي تردد مقولات الاستعمار القديم بأننا شعوب فوضوية غير متوافقة مع متطلبات الحداثة والديموقراطية وحقوق الانسان وانه لا بديل عن سياسة القبضة الحديدية للسيطرة على هؤلاء الهمج. وبالنتيجة فإننا واهمين في أحلامنا بإمكانية تقدم الشعوب مع الأنظمة القائمة.
2.عدم إيماننا بأن تنمية الشعوب هي عملية ذاتية المصدر والنشؤ ونعني بهذا بأن النمو الاقتصادي الحقيقي والمستدام يأتي من الداخل ومن الذات وليس من الخارج والاستثمارات الأجنبية. والزملاء الاقتصاديين في موقع الحوار المتمدن يدركون أن الاستثمارات الأجنبية في عالمنا العربي هي قصيرة الأمد وتهدف إلى الربح السريع وليس إلى تنمية الشعوب. كما أن قروض صندوق النقد الدولي تقدم عادة بشروط وبرامج إصلاحية تهدف بالأساس إلى ضمان إعادة سداد هذه القروض كما تشترط الولايات المتحدة والدول الأوروبية المسيطرة على الصندوق. ولا ننكر هنا أن بعض برامج الصندوق تهدف إلى تحقيق بعض الاصلاحات النقدية والمالية ولكنها تكون دائما على حساب الطبقة المتوسطة والفقيرة مثل برامج خفض الدعم وخفض قيمة العملة المحلية التي تؤدي عادة إلى اشعال التضخم.

٣ – من الكوارث الكبيرة الأخرى التي نحرص على الإبقاء عليها هي اهتمامنا بالعلوم الكلامية أكثر من اهتمامنا بالعلوم التكنولوجية والرياضيات وأقصد بهذا إغراق تلاميذ مدارسنا بعلوم الفقه والبلاغة والشعر والنثر والخطابة وأمجاد الماضي وبطولات الزعماء وحكمتهم وحنكتهم. وليت الأمر توقف عند الاهتمام بالعلوم الكلامية فقط ولكنه امتد لمحاولة إخضاع العلوم الطبيعية لفتاوى علماء العلوم الكلامية
في مدى حلية وشرعية الاكتشافات الجديدة للعلوم الطبيعية بغرض الحد من انتشارها السريع والذي يهدد سطوة العلوم الكلامية. كل هذا أدى إلى انهيار المنظومة التعليمية حتى أصبحت الجامعات لدينا عبارة عن مدارس ثانوية متخلفة ليس لديها أي أبحاث ذات قيمة أو تقدم خدمات جادة للمجتمع كمآ هو الحال في الغرب وأصبح دورها الوحيد الآن هو تخريج المزيد من العاطلين كل عام.
٤ - حدث تطور كبير في علم التنمية الاقتصادية حيث أدى التراكم المعرفي والتجريبي إلى التوصل لمفهوم التنمية المستدامة وهي منظومة متكاملة لإنجاز عملية تنموية شاملة تشمل التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية ونظم حديثة للرقابة والحكم الرشيد والحريات الأساسية ودولة القانون. ويتم كل هذا في منظومة تحافظ على الموارد الطبيعية والبيئية والمناخ. وبمعنى آخر فإن العملية التنموية لا تهدف فقط لتلبية احتياجات الأجيال الحالية وإنما الحفاظ علي حق اجيال المستقبل في بيئة نظيفة وموارد غير مستنزفة.
هذا المفهوم التنموي للأسف الشديد موجود لدينا فقط في شكل شعارات مرفوعة من أجل الاستهلاك المحلي والعالمي، فحقوق الإنسان الاساسية التي تضمن مشاركة فعالة من الجميع في العملية التنموية مثل حق الحياة وحق الحرية وحق التعبير وحق العمل لا تحترم وتنتهك يوميا وبنسب متفاوتة في عالمنا العربي.
أما الحوكمة الجيدة والرقابة التي تحد من الفساد وتضمن توزيع ثمار التنمية بشكل عادل على الجميع فإنها شبه غائبة.
كما أنه يتم التعامل مع نداءات ضرورة الحافظ على البيئة والموارد الطبيعية على أنها دعاوي مغرضة للنيل من عملية التنمية الاقتصادية، وأن منظمات المجتمع المدني المحلية التي تدعو إلى تطبيق المفاهيم السابقة ما هي إلا منظمات عميلة وممولة من الخارج.
معوقات التنمية التي اوضحناها سابقا يمكن التغلب عليها إذا ما وجدت الإرادة السياسة والقيادة الرشيدة والمؤهلة سياسيا واقتصاديا وعلميا لقيادة والهام الشعوب وإقاظها من سباتها.
والخلاصة أن مطلب التنمية المستدامة الذي اوضحناه باختصار شديد هو أملنا في الخلاص مما نحن فيه من تخلف وفساد واستبداد وسوء إدارة لمواردنا المحدودة.

ولكن هذا المطلب ليس سهلا خاصة وأن الشعب والنخبة منقسمين في كل الدول العربية ما بين مؤيد للنظام الأمني والديني القائم بدعوى تفضيل الاستقرار مع الاستبداد على المغامرة بالتغيير والانقياد الى المجهول. هذا بالإضافة إلى ضغوط إرث ثقافي وموروث ديني يعمل ضد التغيير ويلقي دعما من نسبة لا بأس بها من الشعب كنوع من الالتزام والاحترام للمراجع العليا. ولا يرجع هذا الى خلل في العقل العربي بقدر ما هم نوع من الخوف في التفكير فيما هم مخالف للمألوف والمقبول من الأغلبية.
وعلى الجانب الآخر فإن هناك توافق وانسجام شبه تام بين المؤسسات الدينية والأمنية بينما ينقسم الشعب إلى طوائف وجماعات وأحزاب لا يجمعها إلا الاختلاف في الرأي والرؤى وهو ما يسهل مهمة الفريق المضاد في الاختراق والسيطرة.
ولكن هناك بارقة أمل في التحرر من الاستبداد وبدء مشوار الحداثة، هذا الأمل يتمثل في حقيقة أن أغلبية شعوبنا بالرغم مما يبدو عليها من سلبية ولا مبالة ترغب بالفعل في التغيير والتحرر، كما أن غالبية العاملين في المؤسسات النافذة والمؤثرة في كل دولنا مع التغيير. مشكلتنا هي أن هناك أقلية مزروعة في كل من هذه المؤسسات ولديها كل الصلاحيات والأصوات العالية التي تستخدم في تزوير إرادة الأغلبية.
والقضايا والأسئلة التي أود أن أعرضها للنقاش مع جمهور الحوار المتمدن تتمحور حول كل ما أوردته أعلاه من إطار عام لتشخيص أسباب تدهور أحوال الانسان العربي السياسية والاقتصادية والثقافية إيمانا مني بأن التشخيص الصحيح للمرض هو البداية الناجحة للوصول الى علاج فعال له. وفي هذا فإنني أسعد وأتعلم من كل الآراء سواء المتوافقة أو المعارضة لأنها تجعلني أفكر في اتجاهات جديدة.
وفي الحقيقية فإننا محظوظون بوجود ساحة الحوار المتمدن كمتنفس لنا في كافة الدول العربية للإعراب عن آرائنا وتبادلها بحرية ودون خوف.
وبالإضافة الي ما تقدمت به سابقا فإنني أطرح الأسئلة الإضافية التالية:
- هل لازال هناك أمل في أن تلحق مجتمعاتنا بركب الحداثة وأن تنجح في تطوير أجهزتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في ظل المعطيات والظروف المفروضة على شعوب المنطقة من الداخل قبل أن تكون من الخارج كما أوردت سابقا؟
- هل بذلنا جهدا كافيا كأكاديميين وكتاب في تنوير وتوعية شعوبنا بحقوقهم الأساسية والحد من ولعهم بالشعارات والبلاغة والشكل على حساب المضمون؟ أم أننا لا زلنا مشغولون بقضايا جدلية قديمة وعقيمة لا داع لذكرها هنا حتى لا نغضب أحد؟
- أثبتت تجربة الربيع العربي في 2011 التي لم يكتب لها النجاح بالكامل وما يحدث حاليا في كل من السودان والجزائر أن التغيير لن يأتي من الحكام أو النخبة ولكن من الشعوب. ولدينا في علم الاقتصاد فرع يسمى بال “Behavioral Economics” أي الاقتصاد السلوكي ولا أدري إن كان يدرس في الجامعات العربية وقد ثبت لي من خلاله أنه إذا كان بمقدورنا حشد 100 الف مواطن في ملعب لكرة القدم لتشجيع فريقهم فلماذا لا نستطيع حشدهم للمطالبة بحقوقهم وبالتغيير؟ فلا يعقل أن تكون مباراة للكرة أهم من مستقبل وطن. أين الخلل هنا في رأي القراء؟