المنقذ التاريخي وإشكالية البيئة الحاضنة له وأسئلة أخرى. ح2

عباس علي العلي
2019 / 3 / 17

المنقذ التاريخي وإشكالية البيئة الحاضنة له وأسئلة أخرى. ح2


من هو المنقذ أو مهدي أخر الزمان؟ وكيف يمكن لنا أن نتوقع حركة إنقاذية تعيد للمجتمع توازنه في غياب قدرة المجتمع أصلا على أن يتوحد خلف شعار رومانسي طالما تغنى به وعاش حلم دغدغ المشاعر الغيبية دون حركة فعلية لأستحضار عوامل الوعي اللازمة لتهيئة العقول لما هو قائم أو قادم؟ من الأسئلة الأخرى هل من المنطق العقلي أن تتوقف حياة المجتمع الإنساني كله على قدرة فرد من خارجه أن يفعل ما عجز ألاف بل مئات الألاف من المصلحين أن يستنهضوا وبديمومة ملحوظة عوامل الإرتقاء والإصلاح فيه؟ أسئلة وأسئلة تبدو اليوم من السخف أن نتعامل معها دون منطق معقول على أساس أن مصير البشرية مرهون بقدرتها على أن تفعل ما تريد وفقا للتجربة ووفقا للواقع الذي يطرح في كل لحظة الحاجة إلى أن نعي أننا في متاهة عقلية فرضتها طبيعة كون الإنسان أصلا كائنا جدليا بأمتياز.
من الملفت للنظر أن فكرة المخلص أو المنقذ الأممي ليست فكرة ذات منشأ ديني فقط، بل هي موجودة حتى من ضمن ثقافات شعوب وأمم ومجتمعات متفاوتة في قربها الجغرافي أو تكوينها المعرفي بعيدا عن الدين أو لربما تولدت أساطيرها وأحلامها من جذور دينية غابرة، هذا التفاوت ومع وحدة الفكرة تعطي مؤشر على أن الإنسان يشعر دوما بحاجة للخارج الموضوعي وفعله في أن يتدخل في ظل أزمة العجز المستدام للخلاص من مأزق الصراع البشري _ البشري، وأزمة فقدان القدرة على الفعل الذي يتجاوز به مقاومة الذات البشرية نوازعها الأنانية التسلطية المتضخمة والمأزومة، فهي بهذا الحال ليست فكرة طارئة ولا هي من نوع اليوتيبيا أو الميتافيزيقيا الشاعرية التي تغيب وعي الإنسان لمصلحة فكرة أحتمالية أو ظنية، إنها أستحقاقات حالة لا شعورية أصلها أن الكون بحاجة إلى ضرورة وجود نظام عادل ومنضبط في أخر الأمر، وهذا الواجب أصلا يحتاج لمعجزة أو فعل أعجازي مع إنسان خارق القوى قادر أن يتجاوز قوانين الواقع ويهزمها دون أن يتبنى هذا المجتمع مسئوليته عن نفسه، إنها مشاعر الطفولة المجتمعية التي ينقصها النضج اللازم لتحقيق واقع منشود بفعل بشري جماعي وجمعي.
التحليل النفسي والاجتماعي لأنتشار ورسوخ هذه الفكرة في العقل الجمعي لكثير من الشعوب مرتبط بعوامل ذاتية نشأت عن أساليب الرضوخ القهرية والأستلاب الفكري الذي عانت منه نتيجة ترسخ قوة السلطة وفعلها في وجه الإنسان العادي، التفاوت الطبقي والأقتصادي وأنتشار ظاهرة الجهل المعرفي والإحباطات المتتالية التي واجهتها الحركات الإصلاحية، وإنعدام الأمل بقدرة المجتمع من تجاوز أزمة الهوية مقابل قوة هوية السلطة والمال والدين، كلها عوامل ساهمت في جر الإنسان نحو الغيب المنتظر حدوثه بالمعجز اللا متوقع، الأدبيات الدينية الكهنوتية وجدت في الفكرة ضالتها فيأستحمار العقل البشري وإبقاءه بعيدا عن أصليات الفكرة الدينية وجوهرها، كذلك فعلت السلطة السياسية والأجتماعية والأقتصادية تبحث عن مبررات تحميها من الحساب عبر تأجيله وتعليقه على عوامل وأفعال مؤجلة، كل ذلك ساهم بشكل أو بأخر في تدجين الرغبة في الإصلاح المجتمعي عبر تعليقه بحلم قد يتحقق أو لا يتحقق لكنه يحمي القوى المبشره به من المحاسبة والتغيير.
أما التحليل التاريخي لهذه الظاهرة فهي لا تبتعد كثيرا عن وقع الدم والظلم واللا عدالة التي سادت المجتمعات الإنسانية وما تركته من مأسي وإحباطات وخذلان تاريخي من فكرة الإصلاح من الداخل، وأيضا فشل التجربة التاريخية سواء ما كان منها متعلقا بالدين ونتائجه أو بقوة الفكر والمعرفة والأخلاق في ضبط العلاقات البنيوية للمجموعة البشرية، التاريخ يحدثنا أن الكثير من المصلحين والأنبياء والرسل والفلاسفة والمفكرين تقدموا مجتمعاتهم هاتفين للحرية والمحبة والعدالة، ولكن المؤسف أيضا أن هذه المجتمعات التي برز فيها هؤلاء كانوا هم الجناة الذين أستباحوا الحركة الأصلاحية وقتلوا المصلحين وليس من أعداء تلك المجتمعات، هذا الشعور الذاتي تاريخا أيضا تغلب على قدرة المجتمع في أن يقوم مصلح من داخله أو من خلاله للنهوض بعملية الإصلاح ما لم يكن مستندا إلى قوة خارجية أو قهرية فوق قوة المجتمع، التجربة التاريخية أيضا تمنحنا تأكيدا دائما أن الفعل الخارجي أشد قوة من الفعل الداخلي، لذا كان التركيز دوما على أن هذا المصلح أو المنقذ أو المهدي سيكون مجهولا وغير ممكن التعرف عليه أو مراقبته بسهولة، كي يضمن أو تضمن للفكرة عنصر المفاجأة والسبق في ساحة الصراع القادم بين كليتي الخير والشر.
أيضا تاريخيا شهد المجتمع الإنساني هزات وردات فعل مع كل محاولة إصلاحية أو بفترة تعقبها تعيد ما تم إصلاحه أو ترميمه إلى خطوات كبيرة للخلف، بل أحيانا يتنبأ البعض بإن كل محاولة إصلاحية داخلية بنيت على فعل فكري أو عقلي أو أخلاقي سيصاحبها بالضرورة نكوص وإرتداد كلف البشرية الكثير من الضحايا والفرص النادرة للتطور، إستخلص منها الإنسان وخاصة الطبقات المعنية أكثر من غيرها بالإصلاح ونتائجه أن بلوغ العملية تماميتها أمر متعذر طالما هناك نوازع بشرية أنانية تتزاحم بينها للهيمنة والسيطرة على المجتمع، هذه القوى بالتأكيد لا يمكنها أن تستسلم للتغيير والإصلاح وهي من تملك قواعد القوة والهيمنة، لذا فمن التجربة التاريخي لا أمل في الخلاص مع بقاء هذه القوى ما لم يحطم أساسها وتتشتت لتضعف ليقوم بدلها عالم ممتلئ عدلا وقسطا بدل الجور والظلم واللا توازن.
أما التحليل السيسيولجي للفكرة وواقعها فهي بنظري لا تتعدى عجز العقل البشري والمعرفة البشري ومن خلال الواقع المعاش في أن ينجب فكرة جامعة وتمامية تعيد للمجتمع قدرته العقلية في أن يؤسس لنظام متكامل من العلاقات والأطر التي تصلح بمجموعها في أن تكون حالة للأمام قادرة على إحداث التغيير والإصلاح كاملا، العقل البشري في الكثير من تجاربه يرى من جانب واحد ويتعامل مع المواضيع والواقع بناء على فكرة أحادية، لذا لا يستطيع أن ينتج فكرة بانورامية عميقة بالطول والعرض لمشروع الإصلاح، حتى أكثر المعارف والفلسفات العقلية وأعمقها لم تؤهل نفسها لتكون نظرية كليه، فهيأما تنحاز للذات بأعتبارها الفاعل والمفعول به، أو تنظر للموضوع بأعتباره الحامل والمحمول، لا توجد مثلا نظرية معرفية تأخذ بفكرة أن الكون والوجوه متعدد الأسباب ويسلك في وجوده طرق متكاملة ومترابطة وموحدة وفق نظرية الرؤية الشمولية الكونية، في عالم المعرفة نجد النظريات المادية تتناقض وتتضاد وتتحارب مع النظريات المثالية، التاريخية ترى في الحداثة وما بعد الحداثة ذهاب لمجهول غامض في حين ترى الأخيره إن التاريخية مجرد مكوث في عالم ميت وأنتهى ولا بد من مغادرة سريعة وعاجلة.
كل الدلالات التي يمكن للعقل البشري أن يستخدمها في تحليل فكرة المخلص أو المنقذ أو المهدي تقودنا إلى شبه أجماع على أن الهزيمة الإنسانية والتاريخية التي لحقت بالبشر وأساءت له ولوجوده من خلال تحكمات النفس وأشتراطات الأنانية فيه، هي المسئولة عن إبتكار الفكرة وتدوالها عالميا حتى إن لم تكن هناك روابط فعلية بين تلك المجتمعات، هذا يقودنا لنتيجة عقلية أخرى أن العقل البشري عموما يتجه نحو حلول متقاربة في قضايا متقاربة، بمعنى أن العقل الإنساني واحد في طريقة عمله وفي النتائج التي يتوصل لها أمام إشكاليات متشابهة أو متقاربه في أطارها العام، لذا ليس غريبا مثلا أن نجد أن الإنسان الأول ومع أول تفكير عقلي قاده لفعل واحد ومن دون أتفاق أو تواصل مسبق.