افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (60)

عماد علي
2019 / 3 / 16

و بعد ذلك يبدا الكاتب بصف قسم من العلماء و الحكماء في عصر المامون المشهورين مع جزء من حوارات و اهتمامات المأمون بالعملية العقلانية و الفكرية. باختصار و كما يقول المقريزي ان مامون هو السبب في نشر الفلسفة بين الناس و انتشار الكتب في جميع المناطق ( 41). و بهذا الشكل، و ان كانت هناك الخلافات بين الباحثين حول اول من اسس مؤسسة دار الحكمة و من سماها، و لكن وفق الكثير من المصادر و الدلائل يُعتقد ان بيت الحكمة بدات في عصر المنصور و قد وُكل واجب الحفاظ على المؤلفات الفكرية و الاشراف على الترجمة و نسخه الى الكندي، وان لم يكن اسم هذه المؤسة بيت الحكمة ، لان لم تكن هذه المؤلفات كثيرة الى حد ان تحتاج الى مكان لحفظها، او تكون هنا كمؤسسة كبيرة لترجمة الكتب الاجنبية، ولكن بمجيء هارون الرشيد و ازدياد عدد النتاجات المترجمة برزت الحاجة لذلك، فكما كانت هناك بيت المال لحفظ المال والذهب والمقتنيات الثمينة فبالشكل نفسه برز مكان باسم بيت الحكمة الذي كان موقعا لخزن و جمع كتب الحكمة، عندما جاء مامون ابن هارون الرشيد، وسّع تلك المؤسسة التي اسسها والده و جمع العديد من المؤلفات المتنوعة من عدة بلدان و ترجمت الى اللغة العربية، لقد تفرعت من بيت الحكمة في حدود سلطة الخلافة العباسية العديد من بيوت الحكمة، و اللاتي كانت جميعهن مكانا لجمع الكتب المترجمة من اللغات الاخرى الى اللغة العربية. و كانت من مصادر عديدة و متنوعة، سواء كانت من كتابة المستشرقين او ما كتبه الباحثين الشرقين، و توضحت تلك الحقيقة التاريخية، ان عصر الخلافة العباسية و بالاخص القرن الثالث و الرابع الهجري ، كان عصرا ذهبيا لتطور و تنمية الترجمة و الحركات الفكرية ( 42)
هنا نريد ان نلفت نظر القاريء الى الكتاب الجيد للدكتور محمد ابو ريان وهو استاذ الفلسفة في جامعة الاسكندرية، الذي وقف بدقة عند مراحل الترجمة و المترجمين و اتجاهات تلك الحركة، و كان هذا باشراف و مراقبة سلطة الخلافة، وهو يعتقد ان حركة الترجمة في العصر العباسي مرت بثلاث مراحل، اتلمرحلة الاولى: عند مجيء الخليفة منصور و امتدت الى عصر هارون الرشيد، اي من سنة 163 – 198 الهجري. و المرحلة الثانية: من المامون الى ابو منصور، اي من 198 – 300 الهجري. اما المرحلة الثالثة: استمرت من سنة 300 – 350 الهجرية. و في جميع تلك المراحل تُرجمت المئات من المؤلفات الاجنبية وبالاخص اليونانية لسقراط و افلاطون وارسطو و افلوطين و فيثاغورث و الشخصيات اليونانية المشهورة الاخرى، هذا عدا العديد من المؤلفات الهندية و الفارسية و السريانية. و بلا شك فان قمة تطور الترجمة تعود الى مامون، فقد ارسل هذه الخليفة رسائل الى السلطات الرومية و طلب منهم ان يرسلوا له النتاجات الفلسفية اليونانية، و هم بدورهم ارسلوا اليه كتب سقراط و افلاطون و ارسطو و الاخرين، وفي المقابل اختار هذه الخليفة افضل المترجمين و طلب منهم ان يترجموا تلك الكتب، و بعد ترجمتها شجع الناس على قراءتها و التعلم منها ( 43). و اسس العديد من الوفود و الفرقاء للتجول و العثور و شراء المخططات، و لنصرة هذا العمل و نجاحه اعتمدت الخلفاء العباسيين على المترجمين المسيحيين و لم يترددوا في ان يهبوا السلطة لهم وان يهتموا بهؤلاء، و اهم و اشهر مترجم في ذلك العصر كان شخصا باسم ( يوحنا بن ماسويه) و كان مسيحيا و وفق عدد من المصادر انه ترجم ستين كتابا من السريانية و اليونانية الى العربية و كتب حوالي ثلاثين كتابا عن الطب.