الثمانينات في الذاكرة العراقية- ما لا يعرفه عراقيو الألفية الثالثة

ملهم الملائكة
2019 / 3 / 16

كرّست مواقع التواصل الاجتماعي انطباعات عائمة عن ثمانينيات القرن العشرين في الذاكرة العراقية. فقد تناقلت مواقع إلكترونية وصحف عناوين من قبيل "أيام الخير" و"جيل الطيبين"، لوصف فضائل ومسرات وانجازات تلك المرحلة التي بدأت بالجزم العسكرية وانتهت بالرصاص، باعتبارها أحلى ما في تاريخ العراق.

لا أريد أن أتعب القارئ بتنظيرات وفلسفات وتحليلات، لذا سأكتفي بعرض وقائع تاريخية كما هي، ولنترك الأيام تروي قصص العراقيين خلال عقد:
*1 نيسان/ أبريل 1980، حزب الدعوة الإسلامية يعلن مسؤوليته عن الهجوم على نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز في جامعة المستنصرية ببغداد.
*9 نيسان/ أبريل 1980، اعدمت السلطات العراقية مؤسس حزب الدعوة الإسلامية محمد باقر الصدر، ثم اعدمت شقيقته الناشطة النسوية في الحزب بنت الهدى.
* منذ مطلع عام 1980 شنت أجهزة أمن السلطة العراقية حملة تصفية كبرى بحق الحزب الشيوعي، وفي تموز 1980 قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي تبني الكفاح المسلح ردا على حملات التصفية. وانطلقت من مناطق كردستان العراق خلايا الانصار الشيوعيين معلنة حربا دفاعية ضد سلطة البعث.
*شهد عام 1980 حملة تسفير كبرى شملت عشرات آلاف العراقيين بتهمة التبعية الإيرانية، واختلط فيها تسفير المعارضين السياسيين مع تسفير من كانت جنسيات أجدادهم إيرانية وليست عثمانية.
*خلال عام 1980 انطلقت خطط تنفيذ شبكة الخطوط السريعة (اوتوبان) عبر العراق بشكل سريع، وحققت حتى نهاية العام نسبة إنجاز وصلت الى 40%.
*كان مقررا أن تعقد قمة عدم الانحياز في بغداد عام 1982، وسبقتها حملة إعمار للعاصمة والمدن العراقية بوتيرة سريعة جداً منذ مطلع عام 1980، شملت إعادة بناء أحياء كبرى وسط العاصمة، وتنفيذ مشاريع فنادق ومستشفيات كبرى، وجسور، علاوة على خطة بناء 79 مستشفى تعليمي كبير لمختلف الاختصاصات عبر مدن العراق ضمن ما عرف ب"مستشفى صدام التعليمي"، وعدد من الجامعات والكليات، ومشاريع مدارس المتميزين عبر المدن العراقية.
*بين 4 ايلول و22 ايلول /سبتمبر 1980، اشتعلت الحرب العراقية الإيرانية، على مدى واسع، وانفتحت تسع فرق عسكرية من بين الفرق التي كان يعبئها العراق وعددها 12 على جبهة طولها أكثر من 1400 كيلومترا بين العراق وإيران.
*اقتصرت برامج التلفزيون على عرض المعارك والأناشيد الحماسية، وخطابات الرئيس صدام حسين ، وحفلات منح أنواط الشجاعة والتكريم الرئاسي. وشاعت نكتة بين الناس مفادها :" تعطل جهاز التلفزيون في بيت أحد البغداديين، فذهب به إلى المصلح، وأبلغه الأخير أن يأتي ليلاً لاستلامه. عاد الرجل ليلاً إلى المحل فوجد تلفزيونه وعلى شاشته ملصق بصورة صدام حسين ضاحكاً. سأل الرجل صاحب المحل عن هذا العرض، فقال البائع، لن تجد في التلفزيون أكثر من هذا، فسهلت عليك الأمر وقلّصت النفقات ووضعت لك صورة ملونة دائمة للريس".
*30 أيلول/ سبتمبر 1980 اغارت مقاتلات إيرانية على مفاعل تموز في التويثة، والحقت الغارة أضرارا محدودة بالمنشآت ولم تصب المفاعل نفسه.
*1981 امتدت الحرب مع إيران خارج دائرة توقعات صدام الذي طمنته أجهزة استخبارات عربية وغربية بأنّ المعركة ستكون خاطفة على طراز حرب الأيام الستة بين العرب واسرائيل عام 1967، أو على أعلى تقدير كما جرت حرب اكتوبر 1973 بين الدول العربية وإسرائيل.
*باتت لافتات نعي الشهداء سمة بارزة في المدن العراقية، وشاعت إهزوجة مجهولة المصدر بين الناس نصها "استشهد بويه استشهد... للتيوّتا أم التبريد"، لأنّ الحكومة كانت باذخة في إكرام عوائل الشهداء والمعاقين، بمنحهم بيوتا ومنحاً وسيارات دفع اثمانها المسجلون في الشركة العامة للسيارات منذ عامين(1979) ، وبقيت أموالهم مجمّدة في الشركة حتى عام 1983، حيث بدأوا يستلمون سيارات فولكسفاغن باسات برازيلية بدلا عن سيارات تويوتا التي سجلوا عليها .
*في 7 حزيران/ يونيو 1981، قصفت مقاتلات إسرائيلية المفاعل النووي في التويثة ودمرت مفاعل تموز، وشقيقه الأصغر تموز2 ، وقضت إلى أبد على مشروع انتاج القنبلة النووية الذي كان يعول عليه صدام حسين ليكون القوة الحاسمة في المنطقة. القصف جرى قبل ايام من تنشيط اليورانيوم وقضبانه في المفاعل، وإلا لجاءت نتائج الغارة كارثية على سكان العاصمة بغداد.
*اشتدت حملات السلطة على المعارضين السياسيين، لاسيما الشيوعيين والإسلاميين من حزب الدعوة والكرد خاصة من تنظيم الاتحاد الوطني الكردستاني.
*منذ مطلع عام 1982 وبسبب نقص عديد القوات العراقية تصاعدت وتيرة الهزائم العسكرية على الجبهات وبعد انهيار جبهة المحمّرة ومصرع أكثر من 6 آلاف جندي عراقي فيها وأسر أكثر من 30 ألفا من الجنود من مقاتلي الجيش الشعبي، قرر العراق الانسحاب من جانب واحد إلى الحدود الدولية، بناء على نصيحة من جنرالات الجيش المصري، بأنّ الانسحاب سيقلل من حجم انتشار القوات، ويحل جزءا من مشكلة انخفاض عديد القوات العراقية.
*منذ سقوط الحمرة عام 1982، بدأت فرق الإعدام الميدانية الحزبية بتنفيذ أحكام إعدام بلا محاكمة بحق الجنود الهاربين من القتال، ولا يعرف عددهم بالضبط. وكانت أسرهم تدفع ثمن الرصاصات التي قتلت أبناءهم، وتمنع من إقامة مجالس عزاء لهم.
*منذ عام 1982، اشتد قصف المدن العراقية الحدودية وأكبرها البصرة التي أغلقت موانيها بالكامل. وباتت قذائف مدفعية الميدان الإيرانية تصل إلى مركز البصرة. هاجر كثير من سكان البصرة إلى كربلاء مع اشتداد المعارك.
*ألغيت قمة عدم الانحياز المزمع عقدها في العراق عام 1982، بسبب أجواء الحرب في العراق.
*تباطأت حتى توقفت حركة الاعمار، وبدأت التخصيصات المالية للوزارات تتوقف، ومعها تدنت فرص العمل للعراقيات، لوجود العمالة المصرية البديلة، أما الرجال العراقيين، فكانوا برمتهم تقريباً مشغولين في جبهات القتال.
*تواصل تراجع قيمة الدينار العراقي وبات كل دينار يقابل ربع دولار.
*منذ عام 1980، باتت الحياة العائلية والعملية للعراقيين مرتبطة بشكل مباشر بالإجازة الدورية لأبنائهم أو آبائهم أو أشقائهم.
*شهد عام 1983 حملة إبادة وتصفيات طالت عناصر الأحزاب الكردية والحزب الشيوعي العراقي من خلال تنظيمات الأنصار، كما تعرض كثير من شبان ومراهقي العائلات المسفرة المعتقلين في سجن التسفيرات بملعب الشعب إلى حملة إعدامات نفذت غالباً في ميدان رمي بسماية جنوبي بغداد.
*منذ عام 1985، باتت الصواريخ الإيرانية تسقط على العاصمة بغداد، مع اشتداد المعارك على الجبهات، ومعها تواصلت الغارات الجوية والصاروخية العراقية على المدن الإيرانية.
*في عام 1986 احتلت القوات الإيرانية جزيرة الفاو، وتكبدت القوات العراقية خسائر كبرى بالأرواح والمعدات، بسبب الكارثة، وأُسر منها ما يقدر عدده ب 19 ألف مقاتل من الجيش والجيش الشعبي.
*منذ عام 1987، بدأت الأسواق العراقية تعاني من غياب مواد غذائية معينة، فيما ارتفعت أسعار اللحوم لدرجة أنّ كثير من الناس بات يعتمد على اللحم والدجاج المجمد المستورد ولا شيء غيره.
*شهد عام 1988 تحسناً في أداء القوات العراقية، فيما بدأت القوات الإيرانية تنهار بشكل سريع.
*في آذار/ مارس 1988، شن طيران الجيش غارات على حلبجة بالأسلة الكيماوية، ما تسبب في مقتل 5 آلاف إنسان كلهم من السكان المدنيين الأكراد.
*في نيسان 1988 جرت معارك تحرير الفاو، ومعارك التحرير التي تلتها، وتراجعت القوات الإيرانية وبدأت مسيرة الاستسلام بأعداد غفيرة، وسجل عام 1988 سقوط أكثر من 30 ألف من القوات الإيرانية في أسر العراقيين.
*تزايد وصول رفاة الشهداء إلى أهلهم، واكتست جدران بلافتات الشهداء.
*منذ نيسان 1988 وحتى نهاية تموز 1988، جرت عمليات الأنفال التي يجهل أغلب العراقيين تفاصيلها، وشملت تهجير نحو 2 مليون كردي وأسرهم، وتجميعهم في مجمعات خاصة في أطراف المدن، وحصر تنقلهم وخروجهم إلى العمل بإجازات خاصة تمنح لهم من قوات الأمن والاستخبارات التي تسيطر على مداخل ومخارج المجمعات.
*رافق عمليات الترحيل عمليات إبادة شملت (حسب احصاءات كردية) نحو 300 ألف عراقي، جرى اعدامهم ودفنهم في قبور جماعية، جنوب كركوك، وغرب ديالى وصولاً إلى كفري، وغرب وجنوب الموصل، وشرق صلاح الدين وسامراء.
* في الساعة الثامنة ليلاً من يوم 8.8.1988 أعلن وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، وخرج آلاف العراقيين احتفالا بالنصر على "العدو الفارسي المجوسي"، واستقبلهم صدام الحسين فرحاً بالنصر في قادسيته وهو يرتدي الزي العربي ويحيي ألوف المتجمعين عفويا في ساحة الاحتفالات الكبرى بقلب بغداد، فيما أعلن خميني أنّه يقبل وقف إطلاق النار كما لو أنه يتجرع كأس سم.
*شهد المجتمع العراقي خلال سنوات الحرب تفاوتاً طبقيا واسعاً، فباتت طبقة كبار الجنرالات والضباط المكرمين وقيادات البعث من مستوى عضو فرقة فصاعد تنعم بامتيازات وسيارات ومساكن مرفهة، فيما سُحقت الطبقات الأخرى، وأمضى شبان العراق سنوات شبابهم في جبهات القتال، ومن لم يمت منهم أو يسقط في الأسر أو يصاب بجروح معيقة، عاش ليرى قصة فشله وضياع سنوات عمره في الخنادق.
*شغلت العمالة المصرية والفلسطينية بوجه فرص العمل في مؤسسات ودوائر الدولة، علاوة على فرص العمل في القطاع الخاص، بسبب تكدس رجال العراق في خنادق حرب السنوات الثمان.
*عانى النسيج الاجتماعي العراقي من تمزق وتهتك حاد، وغابت الثقة بين الرجل وأهل بيته، لتحل محلها هواجس الوشاية. بعض الزوجات اللواتي عشن خلافات مع رجالهن، كنّ يحرصن على تعليق صور كبيرة لصدام حسين في غرف نومهن، لتذكير الزوج "العاق" بأنّ الريس موجود حتى في علاقاتهما الخاصة!
*شاعت بين الناس حالات وشاية الآباء والزوجات بأفراد أسرهم الهاربين من الخدمة، بل وصل الأمر بالبعض إلى قتل الهاربين أبناء كانوا أم أشقاء أم أزواج، وكان التلفزيون العراقي يعرض أفلام تكريم "الريس" لمن قتلوا بنيهم الهاربين من "قادسية صدام".
*مُنع من السفر أغلب العراقيين من عام 1980، حتى عام 1988، فيما انحصرت فرص السفر بالمقرّبين من النظام في وظائف أو مراكز حكومية، كما اقتصرت البعثات على البعثيين أو المقربين من النظام.
*مُنع خريجو الجامعات الذكور من الحصول على شهاداتهم الدراسية، خشية حصولهم على بعثات أو زمالات دراسية، تحرم "قادسية صدام" من دمائهم وخبراتهم !
*أصبحت صالات فنادق النجوم الخمس مرتعاً لرجال السلطة وبنيهم، وباتت موائد عدي وقصي ولؤي خير الله عامرة بأنواع النساء وبالأسلحة على طريقة المافيا. ويتناقل العراقيون قصصا عن قيام برزان وعدي وآخرين من وجوه السلطة بسلب زوجات كثير من الناس بالقوة في سهرات الفنادق والكازينوهات، حتى بات العراقيون مع اقتراب التسعينات يخافون ارتيادها.
*خرج المجندون والمكلفون والاحتياط من الجيش ليجدوا أنفسهم على قارعة الطريق يبحثون عن فرص عمل في بلد خدموه بدمائهم 8 سنوات، ولم يجدوا شيئا بسبب خواء الخزينة العراقية، وضعف ميزانيات المؤسسات والدوائر، واشغال العمالة العربية لكل الوظائف.
*بعد نهاية العمليات العسكرية وبدء عمليات التسريح، واجهت العمالة المصرية بشكل خاص حالة من الرفض والكراهية في مدن العراق، وتفاقم الوضع بوقوع مواجهات بين عراقيين ومصريين. ثم خرجت تظاهرة مصرية بمنطقة المربعة بشارع الرشيد، وهتف المتظاهرون "صدام حسين أدب شعبك"، فهاجمتهم سيارات دفع رباعي أنيقة، وقتلت منهم عددا يتراوح بين 18 إلى 30 شخص، نقلوا في نعوش بطائرة عراقية إلى القاهرة.
ألمانيا - شتاء 2019