[حسين عبد اللطيف.. ألأنا.. بالأسود والأبيض.. ]

شاكر حمد
2019 / 3 / 15

[حسين عبد اللطيف.. ألأنا.. بالأسود والأبيض.. ]
(1)

شاكر حمد

لمناسبة الدورة 33لمهرجان المربد ( دورة الشاعر حسين عبد اللطيف)

تُجمع الدراسات النقدية على تحديد ملامح الحركة التجديدية في الشعر العراقي منذ السياب ونازك, ودون إتفاق التسمية, على أنها حركة الصورة الشعرية.. وهي الموجة التي إمتدَّت إلى وقتنا الحاضر؛ حيث قصيدة النثر والنص المفتوح. وقد خضعت هذه التجربة , بجدارة أسماء الجيل الجديد , لمبادئ تستمد مقوماتها من وحدة الفنون والآداب, الفنون المكانية والزمانية. وأصبح النَص الشعري مختبراً للتجريب؛ سواءً من حيث المادة الخيالية, الشعورية, وتأطيراتها وخلفياتها المكانية والزمانية, أو من حيث شكل النص الشعري في بنيته الكتابية ورسم حروفه وطباعتهِ.
إنها حركة عالمية شغلت الفلاسفة منذ أرسطو وبزغت مؤشراتها في عصر النهضة وعلى أيدي عباقرة الإهتمامات المتعددة أمثال ليوناردو دافنشي, كما يرى تودوروف في كتابه (الشعرية).
حين نقرأ شعر حسين عبد اللطيف يستوقفنا عمله التجريبي وإنشغاله بالصورة الشعرية فهو صانعها, خيالاً مرئيَّاً؛ في حقل المعنى والإبلاغ التعبيري بالصورة, أو في الكثافة اللغوية, أو المقاربات الصورية وتنافذ الصور الحركية والتشكيلية وتوالد الأفعال الصورية السريالية والتجريدية والتكعيبية منها؛ وسنعرض بعض المقاطع من أمثلتها؛ فقد عاصر الشاعر أهم الأحداث والتجارب الأدبية وظروف تحولاتها ومؤثراتها.
إن الوحدة بين باطن النص المكوَّن من متواليات مرئية ومنظومات شعورية, وبين مبنى النص المصمم بشكله الخاص لنمط هندسي, تشكيلي مُحدد, إنما يقع في صلب محور شعر حسين عبد اللطيف, في دواوينه الثلاث وما تبعها من محاولات تجريبية في قصائد تالية. فليس لدى الجميع هذا الإنشغال بهذه الوحدة؛ على سبيل المثال جدد سعدي يوسف منطوق النص ليصير سرداً,تركيزاً وتكثيفاً, بينما إنساق النص عنده على تقاليد كتابته على الورق.
[خصصنا الحلقة الثانية من هذا المقال لدراسة البنية التشكيلية في النص الشعري عند حسين عبد اللطيف].
يستند الشاعر حسين عبد اللطيف على منظومة واسعة من الإستعارات؛ منها مايتصل بتكنولوجيا الصورة الثابتة والمُتحركة وبتلوينها وتخطيطها وتظليلها بالأسود..يمتد اللون الأسود ليُغطي أُفق الصورة من الخارج بتأطيرها بفضاء الليل, ومن الداخل بالصدمات النفسية ومُعاناة ألعُزلة والخوف؛ وفي الحالتين تؤدي الصورة, وتشكيل الإستعارات, هذا الغرض وهوالإبلاغ عن تردي واقع وتدهور ذات وتفكك علاقات إنسانية.
أمّا مرجعياته الإستعارية فتبدأ من تراكمات صور الذاكرة وتمتد إلى المشاهدات والرحلات والثقافة ومزاولة المهنة وصداقات الشعراء والكتّاب والرسامين, يلي ذلك الموجات الجديدة في السينما ومدارس الرسم؛ وكيفية إستخدام تكنولوجيتها وحرفيتها في التناص مع الشعر؛ بناءً وتفكيكاً وكولاجاً تقطيعاً ومونتاجاً فكانت النتائج؛ نصوص تجريبية بالغة الدِّقة والكثافة فالكلمات تأثَّرت بالموروث الشعبي الملوَّن بألوانه الشذرية وفصوص العقيق والبُسط والسجاد والمفردات اليومية والأمثال الشعبية والحكايات الليلية.
في حقل تجديد الرؤية إعتمد الشاعر نقل الصور بضمائر مُتعددة:
- ضمير المتكلم وينقل إعترافات وذكريات زمن طفولة الشاعر وترسم لنا صورة الطفل الذي يدخل أسواق بغداد للمرة الأولى بصحبة والده. نلاقي هنا صوراً للفوضى - ستجد طريقها لاحقاً في نصوص - وتداخل الألوان وتعالي أصوات الباعة والهرج والضجيج واللغط وألعاب الأطفال ومنها الفرارات الورقية والتي ستكون مادةً وعنواناً لقصيدته " الفرارة " وستغدو حركتها محوراً لحركة الرياح ودوران الكون في قصائد أبعد من تمظهرات زمن الطفولة.
وتنطبع صورة الفوضى في ذاكرة الطفل فيستعيدها الشاعر في معاصرة أزمنة تالية من الضوضاء والإنفجارات وهدير الطائرات.
ويتحول ضمير ألمتكلم إلى صوت الجماعة ( نحن ) وهذا الضمير يُعبِّر عن تدهور الجماعات وإنزوائها في ألمرافئ وشواطئ الأنهار ( وكنّا نُجيل النظر.. نحن على موعدٍ منه) (وكانت لنا ) ويستخدم الشاعر رواية صوت الجماعة لنشر الأحزان الذاتيَّة في أبعاد وزوايا حضورية, مع أن المرويات تُشير إلى أزمنةٍ بعيدة. ونشاهد منصات رصد وتأمل؛ كانت منصات السياب شناشيل وشواطئ الأنهار, ومنصات محمود البريكان مختبرات فيزيائية وتحليل الصور والذرّات؛ بينما إتَّخذ حسين عبد اللطيف من عتبات البيوت والنوافذ مِنصات رصد وتأمل وتشكيل نصوص شعريَّة..
( حيَّاني البرق من النافذة
ومدَّ لي أذرعه العارية
بوردةٍ من قماش. ) وكانت أضواء سنوات الحرب الطويلة؛ بأضوائها الخاطفة وإنفجاراتها وإعلامها المُزيَّف بالهدايا الملونة الكاذبة التي تُغطي آلاف الجثث وتُجَمِّل وجه المأساة التي عاشها العراق في ثمانينيات القرن الماضي.
وفي النافذة يتراسل الشعور مع سكون الليل؛إنها لحظات هبوط الكلمات فالوقت للكتابة ومراقبة الطريق الضيِّق بأشجار اليوكالبتوس ومرور آخر السكارى.
داخل الغرفة أشباح ومخلوقات تقترب من وعي الشاعرلتستقر على الورق وخارج الغرفة عالمٌ شبه مهجور.
في هذا الوقت ولدت قصائد الشاعر الليلية وإستعارت من السكون وأضواء المصابيح الناعسة والغرفة الضيِّقة فضاءَها ومكان صيرورتها :-
(أعلنت العاشرة
والنصف,ليلاً دقَّة الساعة
نافذة الشارع
مطبقة الأهداب
....تبكي نجمةً ساهرة )
تارةً ينظر من النافذة فيلتقط صورةً لعابر سبيل أو سكران غادر بيتاً في آخر السهرة؛ ثم ينتبه إلى حالهِ داخل الغرفة ألمظلمة, فيجد نفسه مطوَّقاً بالأشباح , وعبثاً يهمُّ بالهروب..
( وراء منفى الزجاج
في قبضة العزلة
أبحثُ عن مصباح
أبحثُ عن مفتاح
أسمعُ في الغرفة
تنفس الأشباح
في ظل ليلٍ وريح
أمدُّ طرفي - ماألاقي يداً
تحدُّ من خوفي..
ومن يأسي ) – قناع -
خوف من مصير مجهول. وحزن يعلو ويهبط في تلافيف الكلمات وفي الفراغات بين السطور. في هذا الجانب من الأفعال رصد الشاعر تلك النماذج المُهمشة في المُجتمع وحوَّر كياناتها تحويراً فنيَّا أخرجها من النمط المألوف فظهرت غرائبية المضمون والشكل.
تمثَّلَّ عالم الطفولة في ديوانه " على الطرقات أرقب المارَّة ".
أنتجت كشوفاتهِ الطفولية نماذج شخصيات عابرة. غالباً ما تنطبع صور الشخوص العابرة في ذاكرتنا, رغم نمطيتها, ولأسباب نجهلها بشكل مُحيِّر, وقد تكتسب ملامح تكوينية جديدة في الفن كالرواية والقصة والشعر.
.....
في الإفتتاحيات مقاربات مع العروض المسرحيَّة؛ يبدأ كشف المشاهد الإعترافية بصوت خارجي, مورفولوجي يؤشر على زمن قديم , زمن الطفولة ومحيطها ألمكان الفقير وتُمَثله عتبة الدار وتنتقل الذاكرة إلى ألطبيعة ألقروية؛ فالذكريات فالأحزان ثم التحولات إلى ممالك الليل الخيالية. يتحدث الرواة بضمير المتكلم , الصوت الإرتجاعي, الهذياني, الرومانسي.
ينتظم عمل الشاعر في تخطيط منظر عام,بانوراما تؤطر مَحاور؛ أحداثيات تالية وبصيغة المشاهد الإفتتاحية, تليها رواية وتعليقات السارد. في كل نص قصة وإمتداد لأفق منظور, و مشهد وفي كل نص عرض وصَور وحركات. وفي كل مشهد بداية ووسط وحكاية. وبين الحين والآخر يقترب صوته من الغناء فالبكاء. ويتدرج صوت الراوي نحو التمتمات ويقترب من الصمت, فيترك لنا الشاعر فجوات؛ سطور فارغة وبياضات وسطور مُنقَّطة أفقياً؛ وهي ثيمة إسلوبية خاصَّة بتجربتهِ, وقد زاولها آخرون فيما بعد بإسفاف وبغير معنى.
بالطبع مع إستثناءات النصوص الشذرية الشبيهة بالخواتم.
يقدم الرواة مشاهد حركية كالأفعال المسرحية؛ فعَّاليات غريبة وشاذة كالسحر والشعوذة والدوران في الطرقات؛ وتدور حول مراقبة وتصوير الشخوص المنبوذة في المجتع وأولئك ألمُنزوين في الأزقة ألضيقة وتحت ضلال الأشجار أو يرصدون السماء العاصفة بالبرق , بأضواء ألإنفجارات, من ثقوب النوافذ.
.....

تُرافق ألشاعر صورته طفلاً منزوياً على عتبة البيت يُراقب ألصبيان ومرور الباعة الجوالين وإقتران المشهد بالتشرد والضياع إلى مالانهاية؛ وهكذا إنفرد الشاعر بمنظومة إستعارات صوَرية من الماضي تُذكرنا بمنظومات السياب حول عالم الطفولة. يكتشف الشاعر عالم المدينة وهو أقرب إلى المنفي بين جدرانها؛ لذلك يتردد الحنين إلى صورة القرية.
تتألف مشاهد ألمدينة من تجمعات تُراقب ممثلين وعارضين وسَحرة وباعة جوّالين؛ شخصيات حركيَّة تؤدي عروضاً وفعَّاليَّات تُلفت إنتباه الجماعة ألمشاركة أو المشاهدة ؛ بعدها تقترب الشخصية ألرئيسية لتعترف بحزمة من البكائيات ألمُشفَّرة؛ تُقدم لنا صوراً عن التشرد والضياع في المدن الغريبة؛ سمَّى هذه الشخصيَّة ( ألجوَّاب الضائع) وهي ترمز إلى ضياع ألشاعر وشعوره الدائم بفقدان المكان ألأليف؛ وهذا ألمكان, البيت, مُتخَيَّل في ألذاكرة, أو مُشيَّد من زجاج وكلمات وصور.
......
يوظف شاعرنا طاقته الثقافية في إتجاهات ميثولوجية ويلتقط منها صوراً ومشاهد , كإستعاراته من طوفان نوح وقصة يونان ويكشف الأسطورة من خلال الحواريات وتقابل ألأصوات, وفي هذا الموضع نلاقي تأثيرات ألأساتذة ألأكبر, ألسياب وألبريكان, فالأول تُشغله ألطبيعة والمياه والنخيل والثاني تُشغله المتاهات والصحاري والصخور؛ ألأول يرى الطبيعة بعين طفل؛ والثاني بعين فيزيائي يتفحص ألوان الصخور. يرى السياب عظام البحارة البؤساء في أعماق البحر ويرى محمود البريكان بقايا السفن الغارقة وبقايا الأسلاف على مر العصور, وبينها ( جدائل الذهب المُصفَّى..والعيون اللاّمعات ) ويرى حسين عبد اللطيف صورة الأعماق (نقودٌ..باخراتٌ..لؤلؤٌ أخضر..أطفالٌ..خطوطٌ ) ونرى بصمة محمود البريكان على قصائد شاعرنا ذات الوجهة التشكيلية .. رسماً ونحتاً وتلويناً بالأسود والأبيض وبشكل خاص قصيدتي البريكان (التمثال) و(حارس الفنار) ونلمس تأثره بقصائد البريكان الحوارية والصوتيات كما سنرى لاحقاً.
[محمود البريكان, الشاعر, أُستاذ ألعربية في معهد المعلمين في البصرة حين كان حسين عبد اللطيف طالباً في المعهد وكان يعرض له قصائده ويسمع رأي الأستاذ فيها, وأجرى معه المقابلات وأصدر عنه ملفاً نُشر في المجلات الأدبية العراقية]
يقول حسين عبد اللطيف في " أناشيد من الأوبانشياد ":-
(وأنا مركوزٌ في نقطة
يتجمهر حولي الناس
لم يأتي القافز فوق الظل
ولم يعرف وجهي الحراس)
ثم ينفرد عن الأستاذين ,ألسياب والبريكان, بصورة البحر, ليجد فيها ألتداخل الموحي بالتشكيل السريالي حيث تتسرب أمواج البحر إلى بورتريت يُمثل وجه الشاعر كما لوكانت تخطيطات تحفر في الوجه أزمنة الكهولة والإغتراب..( صديقي هو البحر/ كهلٌ ينوء بغربته الفادحة..).
دأب منذ حين على دراسة تحويرات الوجه بتأثير الموجات التشكيلية المتمردة ؛الميتافيزيقية و السريالية والتجريدية والتكعيبية..وقد وجد فيها قوة البلاغة التعبيرية في الصورة التشكيلية الموازية لإعترافات الوعي؛ في التشكيل السريالي حيث تنفتح الطبيعة على العنصر البشري فيرسم الشاعر هذا المزج:
(إنَّه البحر وما من عادة البحر – الزيارة ..
وأنا أعرف وجهي
سفناً تعلو
وأخرى
في الهبوط
بيننا مايقرأ الماء؛نقودٌ , باخراتٌ , لؤلؤٌ أخضرُ , أطفالٌ, نباتاتٌ, خطوط..) – قصيدة :- تكريس: خرائطي خططتها ألمياه -
ويتكرر مزج الصورتين: البحر نيابةً عن الكون والمصير الأبدي, والوجه نيابةً عن الذات وغربتها..(- مراعيه مفتوحة الوجه -) و (البحرُ يرعى تجاعيده عند بابي-).
أمَّا كيف إستعار أمواج البحر وحوَّلها إلى تجاعيد في صورته الشخصية؟ فتلك هي الفعَّالية التي تجعل الصورة الشعرية سريالية كما قال بريتون في بيانه السريالي.
في وجوه الشاعر تشويه تكعيبي بدلالات إضطهاد مازوخية وجلد الذات وشعور بالندم؛ لنقرأ النص التالي وفيه إعلان عن حالة لاشعورية مُركَّبة من الأحلام مبعثها الكبت الجنسي, وفيها التشكيل التكعيبي وما يُسميه الشاعر (تُفاح الغرابة) والنص " في عيد البوقات " وهو عبارة عن ثلاث لوحات نكتفي بواحدةٍ منها وعنوانها " ألشخص خاصتي " :-
( قدماي مُفلطحتان
وفمي أعجف
ويداي, يداي
بحبال القنب موثقتان
آدم ذا... وسط عراء منبوذ
غربان...
وملائكةٌ سود
تتضاحك
وتُعابث أعضاءه).
.....
ينفرد شعر حسين عبد اللطيف بخواصّ أخرى, غير الأسطورة وتأثيرات ألأساتذة؛ وهي عالمه الخاص ورؤاه الخاصّة للطبيعة وللقرية بشكل خاص؛ وتظهر تجليات صورها أكثر صدقاً وعمقاً في وجدان الشاعر؛ حيث يقترب من الغنائية وتتخذ مُفرداتهِ لوناً شعبياً وأصواته نبرةً ريفية. وقد قلتُ في محاضرتي عنه في التجمع الثقافي أن حسين عبد اللطيف شاعرٌ شعبي فإعترض البعض وقصدهم أنه لايكتب بالعاميَّة؛ وقد أجبت على ذلك أنه يكتب بالفصحى ومشاعره وأحاسيسه شعبية وتكثر فيها المفردات العاميَّة والريفية أو ذات الدلالات الشعبية كإستعاراتهِ من الأغنيات الشعبية أو بناء النص الشعري عليها أو بتحويرها..وسنرى بعض الأمثلة على ذلك.
في شعرهِ تظهر القرية بألوانها الصارخة ونسيج سجادها اليدوي وحُليِّها وعطورها وحقولها القمحية المفتوحة وليلها وحكاياتها وبراريها المفتوحة وأغانيها كالأبوذيَّة والدارمي, وفي مفردات مثل (طارش) وتعني زائر قادم من مكان بعيد. و(خضرمة) وتعني حجر الخاتم الأزرق و(الشب ) و(العقيق) و(بربين)..
عنوان ديوانه " على الطرقات أرقب ألمارَّة " مُحوَّر من أغنية يوسف عمر ( أنا الكاعد علَ دربه وتاني ....) والأصل يعود لقصيدة عروة بن حزام في عفرائه وفيها يقول (إذا كان واشٍ في اليمامةِ داره وداري بأعلى حضرموت أتاني )
ونسوق مثالين ألأول من قصيدته " عندليب الأسى"
( وكان فيما مضى
من جانب (الحي) لنا (طارشٌ)
وفي خطى غطرفة (ألغرّاف )
ما يُثملُ)
ومقطع من قصيدته " ودائع " حيث يُشبِّه لوعته بلدغة الأفعى الشبيهة بلون الخضرمة الزرقاء
( آه أيتها ألغمغمة
كم لي
في دمي من أفاعيكِ
من خضرمة ) وفي مقطع آخر من نفس القصيدة يشكو من ثقل (علاقة) مُتسلطة مُبهمة..
(ويدٍ
سوف أشكو يداً
كاد بربين خصري أن ينقصف
تحت وطأتها وهو يطوي الشتاء) وربما يكون إستعار مفردة (البربين) من مظفر النواب.
ويستعير المفردة الشعبية (وعلى كيفنا ننتحب) من ألأغنية الشعبية ( أكعد ورا التنّور وأذكر وليفي / وبحجة الدخّان أبجي إعلَ كيفي). لننظر في صورة القرية من زاوية نظر الراوي, البانورامية, في النص المُقتطع منقصيدته بعنوان " خدين ":-
( كم يا تُرى
كم من ليالٍ مُقمرة
لقطرة الندى
.....
تستيقظ القرى
وتختفي بنات آوى في الطلول والمغاور المجاورة
وهؤلاء السحرة
يغوون من؟
بسحرهم
ترى؟ )
تتحرك , في عالمه القروي, أصناف من المخلوقات البَريَّة كالذئاب والوحوش وبنات آوى والزواحف والطيور بأنواعها ونستشعر حاسة الخوف الطفولية بإقتران المخلوقات بالظلام, وسيتحول لاحقاً إلى توظيف رموزها للتعبير عن زمن الحرب, كما في المقطع النثري , النص المُصمم على شكل شاشة سينمائية تتوارد عليها الخواطر وتتوالى الصور كما كان يُعرض على التلفاز أيام الحروب. ونلاحظ إستخدام الجُمَل القصيرة, كالشظايا وبصيغة الكولاج أو المونتاج السينمائي وقصيدته المعنونة " نوال خاص" تتضمن ذلك المشهد السينمائي حيث يسير النص أُفقياً وضمن إطار الشاشة:-
(تحفظ الذاكرة – مايخص الجسد – وردةً أو نشيد – تحفظ الذاكرة – صرخات الطيور- وهي تمضي مُحملةً بالهدايا, إن نومي, يضج بضوضائها, مُعضم الليل, حيث المرايا, تُمسك الخوفَ في لحظةٍ, فوق كل الوجوه, غادرت جسدي... في البراري الطيور... بينما السابلة قاربوا وأشرت لهم....لم يروني أنا, أو....يروهُ ).
....
في مسيرتهِ ليلٌ طويل يبدأ من ألعاب طفولية ليلية وعندما نُقارب قصيدين من عالم الطفولة نجد هما تلتقيان في نقاط الظلام. ألقصيدتان " ألزبير" و" ألفرارة " في الأولى تتأطر الأحداث بفضاء الليل في إنذارات تقلُّب الأنواء الجوية فالغيوم تتحرك فيظهر القمر,مثل (فص الشب) ويختفي مع سرعة ركض الأطفال على الرمال وهنا تتمازج ثلاث سرعات :
- ركض الأطفال وحركة الغيوم وسرعة إيقاع تفعيلة بحرالبسيط (مستفعلن فعلُ) [علماً أن الشاعر لم يتقيَّد بوزن مُحدد ولا تفعيلة واحدة؛ إنما كان يتقصَّد تفكيك الوزن وتنظيم أجزاء النص على وتيرة أنفاس الراوي والنبرات الداخلية وما يتطلبه النبر من درجات في السرعة والبطء, ولو إلتزم نظاماً واحداً, لهبط شعره نحوالتقليد.]
كأن الراوي في قصيدة " ألزبير" يسعى لكسر حاجز الخوف بسرعة صوته؛ وتتوالى السرعات مع هاجس الخوف من الظلام ومن ذئآب الليل؛ فالطبيعة هنا رملية ومتعرجة بالكثبان والتلال حيث يقبع الذئب وتزحف العقارب, ويتضاعف الشعور بالخوف حين تعوي الرياح ويختفي القمر:
(ماذا وراء الريح.... - غير العويل -
كُثيِّبٌ يلبدُ
وراءه الذيبُ
وعقربٌ تلسعُ
تُصيءُ إذ تلسعُ
ياقمرَ الشبِّ ) – ألزبير-
هنا صورة مُتَحركة للفضاء من خلال تناوب السواد والبياض والإنكشاف والإختفاء والصورة أقرب إلى التعبير السينمائي وهي إحدى أدوات الشاعر وإستعاراته الفنية..
( وينطوي الدربُ
الليل....
يسودُّ
ويبيَضُّ
ويبيَضُّ ويسودُّ ).
( نخبُّ
في الرملِ
والرملُ
يمتدّ
ويمتدُّ )
القصيدة الثانية التي قاربناها مع هذه القصيدة هي " ألفرارة " وتجري فيها أحداث وحركات في النهار؛ لكن الليل يسكن في باطن ووجدان الشخصية المحورية حيث يبدأ بعرض للأطفال وسرعان ما تتحول كلماته إلى نحيب وشكوى من الفقر والضياع والتشرد والبحث عن مأوى.
على إمتداد الليل, فضاء الحكاية العربية منذ الأزل, وأفق الصحراء؛ تتوالد حكايات وقصص تعود مرجعيتها إلى قصة ليلى والذئب؛ وفيها يوظف الشاعر لُغة الصورة المُتحركة في أغلب قصائد الطفولة, أو جميعها, وفي بعضها يتأثر بأفلام الكارتون كقصيدته " تحليق" وتُقاربها " ظلال" فالتعبير, عن حدث وفعل ومضمون وحكاية, يتم بالصورة المرئية المُتحركة؛ ظهور وإختفاء, تقطيع وحذف, أفعال غامضة, أسرار, لوحات ليلية ولا بد من مثال والقصيدة " ظلال" :
(ذئبٌ
وثلاثة أشخاص
بسخائم سود
دخلوا الأجمة
ظلٌ لثلاثة أشخاص
أربعةٌ
تتداخلُ مُلتحمة
أكل ألأول ظل الثاني
أكل الثاني ظل الثالث..
ذئبٌ
ظل واحد )
....
تستيقظ ؛ أناه الواعية في منتصف الليل؛ في السكون الأزلي, في مراقبة الزمن. نستطيع أن نزعم أن شعره نما في أرض مُحترقة فإنعكس فيها الحنين إلى القرية ونهاراتها ومفرداتها وحكاياتها الليلية.
عاصر الشاعر أهم الصراعات التي شغلت الإنسان؛ من حروب وفقر وتشرد وغياب لمكانة الفرد؛ حيث الرصد والرقابة على الأنفاس. كان يستشعر عيون الرقباء تُلاحق كلماته التي تلونت وتشظَّت بفعل الحروب؛ فكتب جملاً شعريةً قصيرة وبأنفاس مُتقطعة وكان يتخَيَّل قصائده تُقرأ بصمت, تُقرأ بالنظر, وكانت بعض جُمله الشعرية حوارات باطنية يُسميها تمتمات, تتكون من هذيان لا شعوري وأحلام يقظة..
( وأصحو
على تمتماتي
تجيء
مع الميتين
وهم يعقدون
ولائمهم تحت جنح الظلام
وهم يسحبون الخيول
إلى ربوةٍ في المنام...)
صوُّر حسين عبد اللطيف عالماً سريالياً حمل مُعاناة العراقيين في زمن الخوف و ليالي الحروب.
تنبثق الومضة الأولى للفعل الشعري من إستشعار الحواس ؛ النظر والسمع واللمس والشم والذوق؛ ثم الوعي بعلاقات الأشياء الموجودة , المادة الطبيعية الخام؛ كالمادة الخام بيد النحَّات, وكصوت العاصفة قبل أن يتحول إلى لحن بيد الموسيقي الفنان. يقول إبراهيم العريض في بحثه عن السياب أنه ألَّفَ مقاطع قصيدته ( ألأسلحة والأطفال) على نسق ترديد صوت تاجر الحديد العتيق ( حديد...حديد...حديد عتيق..).
لشعر حسين عبد اللطيف أصول مرجعية ومؤثرات عمل الحواس التي أشرنا لها ومنها, وأهمُّها ألمؤثرات الصوتية, ومزج الأصوات وتنافذها إلى الطبقات الصوتية الداخلية وإيقاعات الأوزان ومع أصوات الشخوص الماثلة في الحدث, في شعره حدث وحكاية وزمان ومكان, وفي دواوينه تجربة طويلة نُشير إلى مثال واحد منها وهو قصيدته " فالس آخر السهرة " وفيها تصوير لحفل داخل بيت, نتخيله بالأصوات التي نسمعها؛
- صوت المُغني, المُغنين, بالأغنية الكويتية:
(أنا وِدي ولكن ما حصلِّي/ أشوف اللي يبيه كَلبي ساعة / عسى لا طال عمرك ياحوَلِّي / حرمت العين من شوف الجماعة )
– صوت حوار بين إثنين من السكارى يتحدثان عن الوقت وإقتراب الفجر وإنه وقت طيران الغرانيق.
- تتضارب أصوات السكارى.. (فدعنا من صداع الرأس والأحلام دعنا من صدى الماضي وما كُنا). وفي الصخب نسمع من يُفكر في المُغادرة وبالناس الذين بدأوا يمشون في الشوارع صباحاً, والقلق حول الوقت وقد أضفى هذا التداخل في الأصوات ونبراتها جماليةً خاصَّة على تصوير ضوضاء الجلسة وهذا صوت أحد السكارى:-
(وإذا بالوقت
قد فات
ولم أدر بأن الوقت قد فات
ولو كنتُ
لأغلقت
عليه الباب بالمفتاح
أو صحتُ الغرانيقُ
الغرانيقُ )
- نسمع ترديد الببغاء لبعض العبارات بسخرية وإستهجان وهو ينظر من الأعلى إلى الأسفل؛ بينما الراوي يستقبل الضيوف ويلتفت إلى الببغاء. [ قرأت لمحمود البريكان قصيدة مطبوعة على ورق تتضمن حواراً بين رجل وزوجته ومشاركة الببغاء.
ولحسين عبد اللطيف قصيدة أخرى يُشرِك فيها صوت الببغاء. وأزعم أنه تأثر بقصيدة البريكان, وكان قد نشرها ضمن الملف الذي أصدره عنه.]
ينتهي الحفل بلغط السكارى حول الغرانيق وطيرانها.
هنا تصوير سينمائي لفضاء الجلسة ونوع الشخوص من حواراتها ومشاعرهم أثناء السكر؛ لكننا حين نقرأ القصيدة كاملةً نكتشف أبعاد ومراحل أحداثها فالراوي يروي لنا الحفل في مطويات ذاكرة تعود لطفولته,طفولة الشاعر,
( في بدء إزهرارالخوخ
مذ ما بارحَ الصبيان
فناء البيت
في ظل الضحى العالي
لجلب التوت)
وبذاكرة قروية تختزن مخاوف الطفل وعالم قريته وعناصرها؛ القمح والتنور والأفعى والأهم (هذيان النار):
( كانت هاهنا أفعى...
.... وكان القمح
مطحونا....
وتلك النار في التنوُّر
كانت
لاتني
تهذي
هي الأخرى ) *
بذلك تتكون القصيدة من عتبة سردية إسترجاعية لزمن حدوثها؛ تليها نقلة مباشرة لزمن حاضر؛ تشتغل فيه أدوات الفن السينمائي والموسيقي, ويتخذ من تداخل الأصوات والحوارات غطاءً لمادة الجلسة وهي الضوضاء داخل النص؛ يشتغل الشاعر بهذه الضوضاء, الفعّاليات الصاخبة, في العديد من النصوص؛ وغالباً ما يدخل المناطق الصاخبة بتمهيدات إسترجاعية؛ لتعيين حوادث وقعت في الزمان والمكان المُحددين. ونلمس تزامن وقوع الأحداث مع مشاهد الطبيعة القروية ومواسم إنتعاشها كالحصاد وجني الثمار, ومع ألعاب الصبيان. ولاننسى الذكريات المرتبطة بالحيوانات والأفاعي بشكل خاص.
– أصوات أخرى تدل على قدوم ضيوف جُدد فيما توشك السهرة على الإنتهاء. – صوت الراوي:
(تُرى هل يذبل الجوري
وينسى عِطره القدّاح؟ ) يقطعة المُغني
(عسى لاطال عمرك ياحوَلَّي...
ياحوَّلي...
يا... وماذا الآن بعد الآن,
عمّاذا تحدثنا
أما يكفيك ما سويت
كم أسدي لك النُصحا) فصوت الموسيقى وإيقاع الأغنية. وقد إشتبكت الأصوات مع صوت صاحب الدار وهو يستقبل ضيوف جُدد ( تفضلوا...تفضلوا) ثم يعود ليسمع صوت الببغاء وهو يُردد بعض ما يَسمع.
_________________
* آثرنا نشر نصوص الشاعر كما هي في الأصل طباعةً وتوزيعاً.