تنظيم وقفات احتجاجية امام قصور الملك -- النقد الذاتي --

سعيد الوجاني
2019 / 3 / 14

منذ مدة ليست بالبعيدة ، ثارت على سطح الاحداث ، ظاهرة جديدة لم تكن مُتعودة في نضال الجماعات ، والأحزاب ، والتنسيقيات ، وهي تنظيم وقفات امام قصور الملك ، للاحتجاج ، او للتنديد ببعض السياسات ، او لإثارة انتباه الرأي العام المحلي والوطني ، لما يجري ويحصل بالمغرب .
وبالرجوع الى تاريخ بدأ هذه الوقفات ، سنجد ان اول من وقف وراء هذا النوع من الاحتجاج الغير المُتعوّد في تاريخ الاحتجاجات بالمغرب ، كان الضباط السابق القبطان مصطفى اديب ، وذلك بسبب الظلم الذي سُلّط عليه من قبل النظام المغربي ، الذي ادخله الى السجن سنتين ونصف ، بسبب تنديده بسرقة البنزين من قبل ضباط كبار في الجيش .
ان معاناة مصطفى اديب لم تقتصر فقط على سلب حريته ، بل ستمتد حتى بعد خروجه من السجن ، وذلك للعقبات التي فرضت على محاولات إيجاد شغل له ، حيث كلما توجه الى احدى المؤسسات ، الاّ وكان يجد الأبواب مصدة ومقفولة في وجهه ، ودائما بسبب التعليمات السامية .
ان هذه الحگرة المسلطة عليه ، كمواطن يكفل له الدستور حقوقا اصبح محروما منها تعسفيا ، ولدّت في نفسه حقدا ، وكرها ، وكراهية إزاء النظام ، وبالضبط إزاء شخص الملك محمد السادس ، الذي رغم علمه بحقيقة المظالم المسلطة عليه ، فهو لم يحميه ، ولم يدافع عليه ، بل تركه عرضة لتلك المظالم ، التي يستحيل تقبلها من قبل أي شخص ، يشعر بالكبرياء ، والانفة ، وله ثقة في نفسه ، وفي مقدراته المتنوعة التي راكمها ، سواء اثناء الدراسة بمدارس الجيش ، او لمّا كان يمارس كضابط تدرج في عدة درجات ، حتى وصل الى رتبة رقيب ( قبطان ) ، او تلك التي راكمها في الساحة ، كمعارض لشخص الملك الذي حمّله مسؤولية الظلم الذي سُلط عليه . وهنا لا بد ان نشير الى علاقات اديب مع المجَمّع المدني المغربي ، كالجمعية المغربية لحقوق الانسان ، او تنظيمات اليسار ، وعلى رأسها حزب النهج الديمقراطي الذي يسيطر على الجمعية الحقوقية المذكورة .
قبل ان يرحل اديب الى فرنسا للشغل ، رحل عن طريق الزواج بمتجنسة بالجنسية الفرنسية ، الامر الذي سهل عليه الحصول على الجنسية الفرنسية ، فهو لم يلتحق بفرنسا كلاجئ سياسي ، بل التحق بطريقة عادية .
قبل ان يرحل اديب الى فرنسا ليواصل نضاله ضد شخص محمد السادس ، وليس ضد نظامه ، لأنه في كل تحركاته كان يركز فقط على الملك ، خاض نضالات مختلفة ، حقوقية و سياسية بالمغرب . وهنا كضابط سابق ، وثق علاقاته مع العسكريين الذي تعرضوا لمختلف أنواع المظالم التي سُلطت عليهم ، وكان ابرزهم العسكري المُقتدر عبدالرحيم المرنيسي الذي رفض الإهانة ، وتشبت بالكرامة ، وعزة النفس ، عندما رفض خدمة زوجة عقيد في الجيش ، وللإشارة فعبدالحريم المرنيسي اليوم طالب لجوء بفرنسا .
في هذا الاطار ، سينظمون وقفات امام مقر القيادة العليا للجيش للاحتجاج ، وللتنديد بالآذان الصماء لآهاتهم ، وكانت بحق تلك الوقفات ، نوعا فريدا في تاريخ الاشكال النضالية التي عرفها المغرب ، في تاريخ الاحتجاجات التي قامت بها كل الشرائح الاجتماعية على طول الوطن .
لكن هل سبق لأديب ، و للعسكريين المتضررين مثله ، ان نظموا وقفات امام قصر الملك بتوارگة ، على غرار الوقفات التي نظموها بالقرب من قصر " بيتْزْ " بفرنسا ؟
من خلال المراجعة ، ومن خلال تحليل كل الإمكانيات التي يُمكن انْ تكون مُتاحة لتنظيم وقفة احتجاجية امام قصر الملك بالرباط ، نجزم انه يستحيل الوصول الى هذا المبتغى ، نظرا لان الاصوار المحيطة بالقصر ، محروسة من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة ، بوليس ، قوات مساعدة ، درك ، حرس ، جيش . لذا فالولوج الى خلف الاصوار ، خاصة إذا كان مشبوها ، هو من ضروب المستحيلات ، فأحرى التجرأ على تنظيم وقفة امام أبواب القصر .
ان رد فعل البوليس سيكون من البشاعة بمكان ، زيادة على الإسراع بتقديم المسؤولين عن الوقفة ، الى المحاكم التي ستصدر في حقهم عقوبات خيالية . وهنا نتذكر ما تعرض له الأساتذة المتعاقدون ، فقط بسبب مرورهم امام اصوار توارگة مؤخرا .
لكن هل يمكن اعتبار الوقفات التي حصلت امام أبواب القيادة العليا للجيش ، والتي يفصلها طريق رئيسي عن اصوار توارگة التي يتواجد وراءها القصر ، بمثابة وقفات امام القصر ؟
الجواب طبعا يكون بالنفي ، وخاصة وإنْ نجحت الوقفة ، وفي غفلة عن عيون مختلف القوات العمومية ، ستكون سبقا قد يفتح المجال لوقفات أخرى قادمة ، ولفئات اجتماعية مختلفة ، وهو ما يجعل احتمال تحول ساحة " المشور السعيد " الى " شارع محمد الخامس " جديد . كما لا يجب ان ننسى العقوبات القاسية ، التي سينزلها القصر بالحراس الذين تغافلوا عن الحيلولة دون حصول الوقفة .
لكن ماذا عن الوقفات بالقرب من قصر الملك ب " بيتز " .
بالفعل وامام الحرية المتاحة ولو شكليا بفرنسا ، وبعد ربط شبكة اتصالات بتنظيمات حقوقية وسياسية ، سيؤسس الضابط السابق مصطفى اديب " الائتلاف للتنديد بالديكتاتورية في المغرب " .
بعد التأسيس ، سيعرف الائتلاف حركة دؤوبة على مستوى النشاط السياسي والحقوقي ، كما انظم اليه العديد من مغاربة المهجر خاصة ، سواء الذين يعارضون النظام وليس فقط شخص الملك ، او بعض طالبي اللجوء السياسي ظنّا منهم ان الانتماء الى الائتلاف ، سيسهل عليهم الحصول على حق اللجوء .
عندما تبين للسلطات الفرنسية الخطر الذي اضحى الائتلاف يشكله فوق ترابها ، خاصة وانه عروبي العقيدة ، لم تمانع من مضايقته ، باستعمال أساليب مختلفة ، تنظيمية ، إدارية ، وبوليسية ، وقد تكون السلطات البوليسية الفرنسية التي تنسق مع البوليس المغربي ، وراء انسحاب طالبي اللجوء من الائتلاف ، مقابل وعدهم بالحصول على حق اللجوء ، انْ انسحبوا من الائتلاف . كما انها لم تكن مرتاحة امام طلبات الائتلاف ، لتنظيم وقفات احتجاجية ، امام قصر الملك ب " بيتز " .
بالطبع عندما كان الائتلاف يعتمد المساطر الإدارية ، والحقوقية المعترف بها من قبل القوانين الفرنسية ، فهي وانْ لم تكن تمانع في رفض طلبات الوقوف امام القصر ، فهي كانت تتلاعب بالهامش الذي يوفره لها مجال الضبط الإداري ، بدعوى انها وحدها تملك السلطة التقديرية لتنظيم مسطرة الوقفة . هكذا سنجد أنّ البوليس الفرنسي عوض ان يسمح للمحتجين بالوقوف مباشرة امام أبواب قصر الملك ، فهو كان يبعدهم بعشرات الأمتار ( 700 متر ) ، حتى تكون الوقفة قد افرغت من مضمونها ، الذي هو الاحراج للملك ، ولسكان قرية " بيتز " الذين يستضيفون قصر الملك .
وبالرغم من الدعوات التي وجهها الائتلاف ، لعدة جمعيات وتنظيمات ، للمشاركة في الوقفات امام قصر الملك ، الجمعية المغربية لحقوق الانسان ، النهج الديمقراطي ، اليسار الاشتراكي الموحد ..لخ ، فهؤلاء لم يكونوا يلبون الدعوة ، ولم يكلفوا انفسهم عناء تبرير رفض الدعوة ، فكانوا يتجاهلون الدعوة التي قد تخلق لعلاقاتهم المشبوهة مع أجهزة النظام ، مشاكل هم في غنى عنها .
الوقفة الأولى حضرها بضعة اشخاص لا تتجاوز ستة ، لكن ابرزها كان حضور اقدم لاجئ سياسي بفرنسا منذ سنة 1963 ، وهو المهندس عبدالله البارودي .
ستأتي الدعوة لتنظيم وقفات أخرى ، ومثل الوقفة الأولى فعدد الواقفين تقلص عن الستة افراد . وهنا ستؤدي هذه التطورات الى فض التنسيق بين " الائتلاف من اجل التنديد بالدكتاتورية في المغرب " ، وبين " النهج الديمقراطي " ، بل ستتطور العلاقات الى مشادات كلامية ، واتهامات ، واتهامات متبادلة بين الطرفين .
بعد وقفات " الائتلاف للتنديد بالدكتاتورية بالمغرب " ، ستأتي وقفات أخرى ، دعا اليها اشخاص قطعوا علاقاتهم بالائتلاف ، ومثل وقفات الائتلاف ، لم يتعد من حضروا الوقفة ثلاثة اشخاص ، او شخصين ، وفي وقفة أخرى حضرها عنصريون من الريف ، لم تكن تتجاوز الوقفة تسعة أعضاء .
لقد انسحب بعض من عوّلوا على انتماءهم الى الائتلاف للحصول على اللجوء ، بعد ان اقنعتهم الدوائر الفرنسية بذلك ، وهذه كانت تبحث عن اية وسيلة لإضعاف الائتلاف ، الذي كان يهدد العلاقات بين البوليس المغربي ، والبوليس الفرنسي ، عند الترخيص من قبل سلطات العمالة بالوقفة امام قصر الملك ، كما ان الائتلاف وامام كل العراقيل البوليسية الفرنسية الموضوعة امامه ، بدأ يشهد انسحابات غير معلنة ، بحيث لم يتوفر النصاب القانوني لدعوتين ، لحضور اجتماع داخلي مسطري وتنظيمي ، رغم ان المدعوين يسكنون في باريس وبالضواحي .
ومثل الضغط على طالبي اللجوء للانسحاب منه مقابل وعد بمنح اللجوء ، قد يكون هناك دور للبوليس الفرنسي ، في ارغام المنتسبين على عدم الحضور ، وقد يكون عجز الائتلاف في تدبير الأموال اللازمة للمشاركة في حفل الإنسانية وتغيبه عنها ، كافيا عن وصول الائتلاف الى وضع جعل مصطفى اديب يكره ليس فقط النظام المغربي ، بل صب كرهه حتى على النظام الفرنسي صديق النظام المغربي ، الذي وقف في وجه طموحاته ، للتأسيس لمعارضة اكثر جذرية من معارضة السبعينات بالديار الفرنسية ، وهو الامر الذي جعل منه يترك فرنسا ، ويهاجر طالبا اللجوء في أمريكا بواشنطن .
بعد مغادرة القبطان السابق في الجيش مصطفى اديب الى واشنطن طالبا اللجوء ، نتساءل . هل انتهت الى الابد مبادرات تنظيم وقفات سياسية امام قصر الملك ب " بيتز " الفرنسية ؟
ثم ما الجدوى من تنظيم وقفة بأربعة او خمسة اشخاص ، إذا كانت الوقفات السابقة لم تحظى باهتمام الاعلام الفرنسي ، باستثناء جريدة " لوباريزيان " ، وباهتمام الرأي العام الفرنسي ، وباستنكار ساكنة
" بيتز " المستفيد الأول من وجود قصر الملك بقريتهم ؟
اعتقد ان هناك فرق بين حصول وقفة سياسية او احتجاجية امام قصر الملك بفرنسا ، وامام قصره ب " تْوارگة " . ان المغزى من تنظيم وقفة ، إن نجحت امام قصر الرباط ، ستكون لها دلالات سياسية تصب في اصل الحكم لا فقط في ضفافه ، ونظرا لخطورة الحدث الذي يستهدف اصل النظام ، يبقى تنظيم وقفة امام القصر الجاثم وراء اصوار " توارگة " ، وفي ظل اختلال ميزان القوى المختل أصلا ، من ضروب المستحيلات .
ان الحالة الوحيدة التي يمكن للجمهور ، او للشعب ان يتجرأ ويعتصم ، او يقف محتجا امام قصور الملك بالمغرب ، هو ان تندلع ثورة شعبية يصبح غير متحكم فيها ، وتجعل من محاصرتها للقصر ، دعوى بتغيير الدولة ، وليس فقط النظام ، " الثورة الروسية " ، " الثورة الإيرانية " ، " الثورة الصينية " ، او ان يتحرك ضباط برجوازيون صغار وينجحوا في تغيير شكل النظام ، او تغيير شكل الدولة كما حصل في مصر ، وفي ليبيا ، والعراق ، وسورية ، والسودان ، وكما كان سيحصل لو نجح انقلاب الصخيرات في سنة 1971 ، وانقلاب الطائرة في سنة 1972 ، وانقلاب الجنرال الدليمي في سنة 1982 .
ان الوصول او النجاح في تنظيم وقفات امام قصور الملك بالمغرب ، هي رسالة سياسية ، لا ولن تحيد عن التغيير الجذري للنظام ، لذا فالوصول اليها ، وفي ظل موازين القوة الحالية ، يبقى من المستحيلات ، والنظام سوف لا ، ولن يتسامح او يتهاون في السماح باحتجاجات تهدد وجوده وكيانه .
إذا كانت الوقفات امام قصور الملك بالمغرب ، إن حصلت ، تبقى ذات طابع سياسي يحيل على الثورة ، فان الوقفات التي نظمت امام قصر الملك ب " بيتز " ، تبقى وقفات تشخصن الصراع في شخص الملك لا في نظامه ، أي قد يستفاد منها ، أيْ من الوقفات ، انّها تُساءل الملك السؤال المحرج : من اين لك هذا ؟
وهنا ، هناك فرق شاسع بين تنظيم وقفات امام قصر الملك بالمغرب ، وبين تنظيم وقفات بفرنسا ، لأنه من خلال جميع الوقفات التي تم تنظيمها ب " بيتز " ، أي بما فيها الوقفات التي نظمها اشخاص انسحبوا من الائتلاف ، او لم يكونوا أعضاء فيه ، او تلك الوقفات التي نظمها عنصريو الريف ، كان التركيز فقط على شخص الملك ، وليس على نظامه ، او على الدولة العلوية ، كما انها وبخلاف اعتقاد الشعب المغربي ، كانت وقفات غريبة تدعو الى انفصال الصحراء ، وانفصال الريف ، بل وانفصال كل إقليم او جهة ، لم تعد تجد ذاتها في وحدة المغرب ، ووحدة الشعب المغربي .
لقد تم رفع رايات الجمهورية الصحراوية ، ورايات الجمهورية الريفية ، والغريب ان الوقفات لم يحضرها ما يسمى بالشعب الصحراوي ، ولم يحضرها اكثر من ستة اشخاص ممن يرفعون شعار " عاش الريف " وليس عاش المغرب .
إذن التساؤل مرة ثانية : هل بذهاب القبطان مصطفى اديب مبدع هذا الشكل النضالي الجديد ، والذي لم يكن متعودا في تاريخ النضالات التي مر منها المغرب ، وانتقاله كلاجئ بالولايات المتحدة الامريكية ، ستخمد إنْ لم نقل ، ستنتهي طلبات ، ودعوات تنظيم وقفات امام قصر الملك بفرنسا ؟
اعتقد ان المهم ليس الوقفة كوقفة ، لكن المهم هو الأثر الذي تكون الوقفة قد خلفته لذا الرأي العام الفرنسي ، من اعلام ، وأحزاب ، ومثقفين ، وطبقة سياسية ، ثم هل من تأثير لتلك الوقفات على ( الرأي العام ) المغربي الذي تجهل بالمطلق ( نخبته ) ، ان الملك محمد السادس اعترف بالجمهورية الصحراوية ؟
لنكن صريحين . فرغم ان تلك الوقفات كانت ابتكارا في وقته ، الاّ انها لم تعط ما كان مرجوا منها ، بسبب قلة الحضور الذي لا يتعدى خمسة واقفين ، وفي وقفة سابقة كان عدد الواقفين اثنين ، او في نوع الشعارات التي تم رفعها ، او بسبب تحايل البوليس الفرنسي ووزارة الداخلية بالاستناد على فزاعة السلطة التقديرية التي تعطي للبوليس ، تجاوز حتى قرارات السلطة القضائية للتحكم في الوقفة ، بما يرضي النظام المغربي ولا يغضبه .
هناك عائق آخر لعب دورا في تحجيم وعرقلة الوقفة ، واضعاف شعاعها، هو بُعد قصر الملك عن باريس ، ووجوده في منطقة الخلاء ، وهذا قد يكون خلق متاعب لبعض الافتراضيين الذين تدرعوا وتحججوا بعدم المشاركة في الوقفات ، ( كم حاجة قضيناها بتركها ) ، كما انه سهل على البوليس الفرنسي من خلال سلطات العمالة ، التحكم في الوقفة ، بما يحول دون وصول اخبارها الى الرأي العام الفرنسي . أي ان كل تحركات الائتلاف ، وتحركات غير الائتلافيين ، كانت تخضع لتحكم البوليس المتآمر مع البوليس المغربي .
إذن . ما الفائدة من تنظيم وقفة إن كانت لا تفي بالأغراض المنتظرة منها ؟
ثم انْ لم يكن من الممكن الوصول الى المبتغى ، من وقفة ستكون مُعتم عليها و محاصرة ، فما البديل ؟ هل يجب الاستمرار في انتاج نفس النتيجة ، ام يجب البحث عن اشكال نضالية أخرى ، ترقى بالفعل النضالي ، وتمكنه من التأثير الفعال ، سواء على الرأي العام الفرنسي ، او وصول اخبار الحدث الى المغرب من خلال قنوات الاتصال ، والاعلام الدولية والمحلية .
ولتبسيط التساؤل ، علينا ان نطرح السؤال عن ماهية الدولة الحاكمة في المغرب ، لان من خلال معرفة الجواب ، قد نصل الى النضال البديل عن نضال الوقفات امام قصر الملك ، ما دامت لا تفي بالمراد ، بسبب الأسباب التي اشرنا اليها أعلاه .
وقبل تحديد نوع الدولة الحاكمة ، يجب أولا معرفة نوع الإثنيات ، والقبائل التي تكون اليوم المجتمع المغربي وهي :
1 ) قبيلة العلويين التي دخلت المغرب منذ ثلاثمائة وخمسين سنة ، وهي قبيلة عربية جاءت من الشرق .
2 ) قبائل عربية تلك التي رحلت الى المغرب بعد طردها من قبل الدولة الفاطمية بمصر ، ومن قبل تونس ، وهؤلاء هم من تكلم عنهم ابن خلدون ، وهم قبائل بنو هلال وبني سليم ، وقد دخلوا كجحافل للمغرب منذ حوالي 1450 سنة .
3 ) القبائل البربرية ، وهؤلاء استوطنوا المغرب منذ آلاف السنين ، جاؤوا مباشرة بعد الإيگودة ، ويتكونون من الاثنيات التالية :
ا ) قبائل الاطلس المتوسط ، والاطلس الكبير والصغير .
ب ) قبائل الريف .
ج ) قبائل سوس .
4 ) قبائل جبالة ، وتاريخها جد قديم كقبائل الاطلس والريف ، ولهم ارتباط وامتداد مع الاطلس المتوسط ، ومع الريف .
5 ) قبائل الصحراء المتنازع عليها اليوم مع الجزائر .
إذن هذا هو المغرب ، وهذه هي القبائل التي تكونه ، والدولة التي تحكمه طبعا ، هي الدولة العلوية .
هنا ، يجب أثارت ملاحظة عن طبيعة الدولة . أي هل الدولة العلوية التي تحكم المغرب منذ ثلاثمائة وخمسين سنة ، هي من طينه نفس الدول التي يعرفها القانون الدولي ، ويعرفها القانون الدستوري والأنظمة السياسية ؟
رغم ان الدولة العلوية تمتلك عناصر تكوين الدولة، الأرض، الشعب، السيادة، الاّ انها تبقى دولة من نوع خاص ، لا علاقة له بأشكال وانماط الدول في القانون الدولي .
ان كل الدول التي مرت من المغرب ، وآخرها الدولة العلوية ، هي دول قبائل وعائلات ، وليست دول شعوب . لذا سنجد انه عندما تسقط الدولة ، تسقط العائلة ، ويستمر الشعب ، والغريب ان الدولة الجديدة التي تأتي على انقاض الدولة التي سقطت ، هي كذلك دولة قبيلة او عائلة .
من هنا وبخلاف الدول كما يعرفها القانون الدولي ، تمت تسمية الدول التي مرت بالمغرب ، بأسماء العائلات التي حكمته . هكذا سنجد الدولة السعدية ، الدولة المرينية ، الدولة الموحدية ، الدولة الوطاسية ، الدولة البرغواتية ، الدولة العلوية ... وهكذا .
وبخلاف الرقعة الأرضية لتشكل الدول ، فان جميع القبائل التي حكمت المغرب ، جاءت من الصحراء ، وسقطت بالصحراء . وما دام التاريخ يؤكد هذه الحقيقية ، فالدولة التي تحكم اليوم المغرب ، هي دولة العائلة والقبيلة العلوية .
إذن . امام هذا المعطى . ما الفائدة من التظاهر او الوقوف امام قصر الملك ب " بيتز " ، والوقفة طبعا تبقى شخصية ضد ملك ، والوقفة امام مؤسسات الدولة العلوية التي انتجت نظاما انتج ملكا ، هو جزء من النظام لا خارجه ؟
فهل المشكل هو في شخص الملك ، ام هو في النظام الذي هو نظامه ، والنظام يتغير شكلا لا جوهرا ، ام انه في الدولة التي تنتج الأنظمة التي تنتج نوع الملوك ؟
فمن خلال تحليل كل المعطيات لمختلف المعارك والنضالات، تأكدّتْ حقيقية ، هي انّ تنظيم وقفات امام قصر الملك ، لا ولن يفيد في شيء ، بسبب الأسباب التي ذكرنا سابقا .
واعتقد ان تنظيم أي وقفة امام السفارات التي تمثل الدولة العلوية ، وبمختلف العواصم الاوربية وبأمريكا ، سيكون اجدر وانجع ، واكثر عطاءا في التعريف بالقضية المختلف بشأنها .
فتنظيم وقفة امام سفارة الدولة بباريس " بتروكاديرو " حيث الرواج ، سيكون احسن من تنظيم وقفة في الخلاء ، ومُعتم عليها ومُحاصرة .
فهل المشكل هو في شخص الملك عن طريق تشخيص الصراع ، ام هو في النظام الذي انتج الملك ، ام في الدولة التي تنتج كل مرة نظام عند تغيير الملك ؟
لقد رحل مبدع الاحتجاجات امام قصر الملك ب "بيتز " ، القبطان السابق مصطفى اديب الى أمريكا ، وبذهابه لا ولن تتكرر وقفات اخريات بفرنسا ، خاصة وانها تكون باهتة ومُعتم عليها ، مما يجعل الوقوف امام السفارة ، اهم ، وانجع في ممارسة الضغط ، وتوجيه الرسائل المختلفة .
تذكير : في الولايات المتحدة الامريكية من حق أي مواطن ، جماعة ، حزب ، جمعية ، مجتمع مدني ... ان ينظموا وقفات يومية امام البيت الأبيض ، والرئيس يلوح بأيديه للواقفين ، دون أي تدخل من البوليس ، بل ان البيت الأبيض يشجع على هذه الوقفات التي هي اغنى تعبير عن النظام الديمقراطي الأمريكي .
في فرنسا يمنع على المحتجين الوقوف امام قصر الأليزيه ، لان مثل هكذا وقفات ، يذكرهم بغزوة سجن البستيل ، وكومونة باريس ، والثورة الفرنسية المجهوضة ، وبماي 1968 .