ثمان سنوات من عمر الأزمة السورية والمستقبل لا يزال مجهولا

منذر خدام
2019 / 3 / 14

ثماني سنوات من عمر الأزمة السورية، والمستقبل لا يزال مجهولا
منذر خدام
يصادف غدا الواقع في 15/3/2011 الذكرى الثامنة لانتفاضة الشعب السوري في سبيل التغيير الجذري والشامل للنظام السياسي الاستبدادي القائم، باتجاه مزيد من الانفتاح على قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. غير أن النظام رد على مطالب الشعب المنتفض العادلة بعنف غير مسبوق، مما حول الانتفاضة المفتوحة على احتمال تحولها إلى ثورة إلى ازمة بنيوية مركبة شاركت اطراف عديدة محلية واقليمية ودولية في ازكاء النار تحتها، حتى كادت ان تذهب بالبلد والشعب إلى مهاوى التاريخ.
من غير المجدي اليوم البحث في أسبابها ومجرياتها وما آلت إليه حتى اليوم، وتوزيع التهم في كل الاتجاهات لتطال جميع أطراف الأزمة، بل الجدوى كل الجدوى تكمن في التطلع إلى المستقبل ومحاولة رسم معالم طريق للخروج منها. وحتى هذا المستقبل لم يعد بيد السوريين بكامله للأسف، لقد خرج القرار الحاسم بشأنه من يدهم، وصار بيد القوى الأجنبية المتدخلة في الأزمة السورية. مع ذلك لا تزال ثمة فرصة، بقدر ما يتعلق الأمر بهم ، وهي فرصة كبيرة في حال اشتغلوا عليها بروح وطنية عالية، لتحديد معالم هذا المستقبل.
لقد تركت الأزمة السورية الممتدة على ثمانية سنوات، حتى الأن، شروخا عميقة في الكيان السياسي، والاجتماعي السوري على الصعد كافة. ومن المفهوم، والمنطقي، ان معالجتها سوف يستغرق زمناً متفاوتاً، بعضه أقصر، وبعضه الآخر أطول. وإن المعرفة الجيدة بالأبعاد الزمنية لمعالجة كل شرخ منها، والاجراءات الضرورية التي ينبغي اتخاذها للشفاء منه، مسألة في غاية الأهمية. إن الاستعجال، من قبيل حرق بعض المراحل، أو تقصيرها قد يؤدي إلى غير المطلوب.
بداية علينا ان ندرك جميعاً ان القضية السورية قضية متفردة، بمعنى أنه قد لا نجد في تجارب البلدان، والشعوب، التي انتقلت من الاستبداد إلى الديمقراطية، ما يمكن أن يفدنا في بلدنا، نظرا للاختلاف في الظروف والمعطيات. مع ذلك ثمة في تجربة بولونيا، وتجربة جنوب أفريقيا، بعد العبر التي يمكن استلهامها. في بولونيا لم تستعجل المعارضة في اسقاط النظام الشيوعي، بل سمحت له بالاستمرار خلال المرحلة الانتقالية، حتى حصول الانتخابات. العبرة من ذلك أنها لم تكن تريد احداث شرخ اجتماعي، بين الموالين للنظام، والمعارضة، يمكن ان يتحول من الخصومة السياسية إلى العداء، وفضلت أن يتم الانتقال بصورة سلمية، عبر صندوق الانتخاب وهذا ما حصل بعد فترة انتقالية كافية. لكن من جهة اخرى لم تساوم على ضرورة ان يكون الدستور ديمقراطيا، وان تكون الانتخابات نزيهة.
في تجربة جنوب أفريقيا ثمة عبرة، يمكن ان تقدم لنا نحن –السوريين فائدة كبيرة في حال تم ادراكها جيدا، في عملية الانتقال الديمقراطي، وهي كيف حولت المعارضة السياسية والعسكرية العداء المزمن، والكره للنظام العنصري، ومؤيديه، رغم ما تسبب به من سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، إلى خصومة سياسية.
لقد قلنا أن الأزمة السورية تكاد تكون متفردة لها خصوصياتها، من هذه الخصوصيات نذكر:
أ-إنها لم تعد ازمة داخلية بين معارضة ونظام، بل ازمة اقليمية ودولية، وهذه سوف يكون لها تأثيرها الأكيد على عملية الانتقال السياسي وتحديد ملامح المستقبل. بعض القوى الاقليمية الفاعلة في الأزمة السورية، وبصورة خاصة إيران وتركيا، ليستا معنيتان كثيرا بتغيير النظام، فإيران تريد المحافظة على مصالحها، ومن يضمن لها هذه المصالح، وتركيا تريد منع قيام أي كيان كردي تحت أي عنوان. روسيا بدورها تريد تحولا نحو شكل من أشكال الديمقراطية، يحافظ لها على مصالحها الاستراتيجية، حتى ولو اعاد النظام من خلاله تجديد نفسه بصورة أقل محافظة، على الأقل في المدى المنظور. فيما يخص أمريكا فهي منذ البداية لم يكن همها ابدا الانتقال الديمقراطي الحقيقي، بل تدمير سورية ككيان سياسي، ومجتمعي، والقضاء على دورها الاقليمي، خدمة لإسرائيل، وهذا قد تحقق للأسف. إنه نمط الحروب الرابعة في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، الذي من متطلباته خلق شروخ مجتمعية عميقة متعادية، يصعب التوليف بينها على قاعدة وطنية، وليس أفضل من ديمقراطية المكونات الأهلية، والدينية لتحقيق ذلك. فهي تدرك جيدا ان الحدود الدينية والمذهبية يصعب تجاوزها إلى الفضاء الوطني، إلى نظام الدولة الديمقراطية التمثيلية على أساس مبدأ المواطنة.
ب-النظام السوري يكاد يكون فريد من نوعه، في عدم تقبله للخيار الديمقراطي، ولا يزال يحسب نفسه الأفضل لسورية. وللأسف تعززت لديه هذه القناعة بعد الانتصارات الميدانية التي حققها بمساعدة حلفائه. إنه فاقد الحس لآلام ومعاناة السوريين، التي يتحمل المسؤولية الرئيسة عنها.
ت- من جهتها المعارضة مختلفة، ومتباينة في رؤيتها للخيار الديمقراطي، ولعملية الانتقال، بل إن القوى الرئيسة فيها لا تؤمن أصلا بالخيار الديمقراطي. إن اغلب قوى المعارضة السورية ( إذا جاز تسميتها معارضة) بنت كل سياساتها على أساس كره النظام ومؤيديه، ولذلك استسهلت كثيرا لجوئها إلى العنف، وإلى الخيارات الاستبدادية تحت الراية الدينية المذهبية، التي لا تقل عداء للشعب عن النظام.
ث- وإذا كان النظام ومعارضته من طينة واحدة، بالقياس إلى مصالح الشعب السوري، والدولة السورية، وإن الكتلة الرئيسة من الشعب السوري هي التي تدفع الثمن، فإن واقع الحال يقول ان جميع اطراف الانقسام الوطني قد انهكت، وصار لها مصلحة في وضع نهاية للأزمة. أضف إلى ذلك فإن الأطراف الدولية المتدخلة في الأزمة السورية صار لها مصلحة حقيقية بوضع حد لها لأنها بدأت تحصد نتائج مختلفة عن تلك التي كانت تستهدفها من تدخلها. فتركيا حصدت بروز القضية الكردية، وأروبا حصدت اللاجئين، والدول العربية خسرت المليارات ولم تنجح في اسقاط النظام، وروسيا وإيران ليستا في وضع افضل، نتيجة التكاليف الباهظة للأزمة.
في ضوء ما ذهبنا إليه اعلاه، يمكن المساعدة في اقتراح معالم لخارطة طريق للخروج من الأزمة، والبدء في اعادة اعمار البلد من جديد من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. علامات هذا الطريق تتوزع في ثلاث مستويات:
في المستوى الأول تتوزع ما يمكن تسميتها بعلامات المبادئ العامة التي لا بد لأي تسوية سياسية للأزمة من مراعاتها.
بداية لا بد من الاقرار بوحدة الوطن السوري، وسيادة الدولة على كامل جغرافيتها الاقليمية المعترف بها دولياً.
وثانيا؛ لا بد من الاقرار الدستوري بوجود مكونات قومية عربية، وكردية، وسريانية آشورية، وتركمانية، وغيرها ضمن النسيج الاجتماعي للشعب السوري، وأن لها حقوقاً وعليها واجبات متساوية، على أساس مبدأ المواطنة، وشرعة حقوق الانسان، والمبادئ العامة للديمقراطية ضمن إطار وحدة الشعب والوطن السوريين.
وثالثا؛ على جميع اطراف الانقسام الوطني الاقرار بان وضعية العداء قد دمرتها جميعا، ودمرت معها البلد ومزقت الشعب، ولا بد من ثم من العمل الجاد للانتقال إلى وضعية الخصومة السياسية، على قاعدة الحرص على العيش المشترك، النساء فيه متساوون مع الرجال في الحقوق والواجبات أمام القانون، ولكل منهم الحق في شغل جميع المناصب في الدولة، بما فيها منصب رئيس الجمهورية.
ورابعا؛ ينبغي الاقرار بأن الشعب السوري حر وسيد على أراضيه، وفي إطار دولته، وهما وحدة سياسية لا تتجزأ، ولا يجوز التخلي عن أي شبر منها، ويحق له، بل من واجبه النضال لاستعادة جميع أراضيه المحتلة، بكل الوسائل المشروعة. وانه هو وحده مصدر الشرعية لجميع مستويات الحكم الديمقراطي في دولته ، يمارسها من خلال انتخابات دورية نزيهة ينظمها القانون.
وخامسا؛ ينبغي الاقرار بأن الإنسان بما هو حقيقة منفردة ومتميزة وقيمة عليا، هو غاية العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، تتأسس على الالتزام بالمواثيق، والعهود الدولية لحقوق الإنسان، أي الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والمدنية، والثقافية، والبيئية، التي كرستها البشريّة. وضمان التمتع بهذه الحقوق للمواطنين ومن في حكمهم على السواء.
وسادسا؛ ينبغي الاقرار بأنه لا بد من تغيير النظام الاستبدادي إلى نظام جديد يشيد على أساس مبادئ الديمقراطية، والتعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان وحرياته.
جميع المبادئ العامة السابقة يمكن الافتراض بأنها تحوز على رغبة غالبية الشعب السوري، بما في فيها جمهور الموالاة والمعارضة، ويبقى للنظام والاسلام السياسي قراءتهما الخاصة لها.
أما في مستوى الاجراءات فينبغي أولاً؛ التوافق على مرحلة انتقالية للخروج من الأزمة، ولا ضير ان تكون طويلة نسبيا. ففي ذلك مصلحة حقيقية للمعارضة وللنظام. من جهة المعارضة فهي بحاجة إليها لكي تعيد بناء نفسها، وتقدم نفسها للجمهور على أساس برامجها السياسية. أما من جهة النظام فهو أيضا بحاجة إليها لكي يعيد ترميم بناه، ويعيد روح الحزبية لحزبه وللأحزاب المتحالفة معه، بما ينقلها من وضعيتها كأجهزة سلطة إلى احزاب تتنافس للوصول إليها. خلال هذه المرحلة الانتقالية لا بأس من القبول بحكومة وحدة وطنية تقود المرحلة تكون الغلبة فيها للحكم الحالي.
وثانيا؛ يبدو ان النظام سوف يستمر حتى نهاية الولاية الثانية لرئيسه، هذا ما تشير إليه الظروف الدولية، وموازين القوى المحلية، ومصالح العديد من أطراف الأزمة السورية، خلال هذه المدة ينبغي العمل على اعداد دستور ديمقراطي حقيقي مع كل القوانين التنفيذية المكملة له،
ثالثاً؛ نظرا للسمعة السيئة للأجهزة الأمنية لدى المواطنين السوريين، ليس فقط بسبب قمعها لهم، بل أيضا بسبب تحميلها مسؤولية رعاية الفساد، وحماية الفاسدين، فإن اعادة بنائها على أسس جديدة تجعلها تؤدي وظيفتها للدولة، وليس للسلطة، في ظل القانون .
ورابعاً؛ ينبغي اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وإغلاق هذا الملف نهائياً، وعدم المساومة على هذه القضية.
وخامساً؛ ينبغي السماح بحرية العمل السياسي، وحرية الوصول إلى الناس، وحرية الاعلام، بالتوافق على قوانين انتقالية، تحدد ضوابط هذه الحريات، مع مراعات حقوق الانسان، على ان تعمل خارج إطار مؤسسات الدولة واجهزتها. بخصوص هذه المسألة ينبغي الاصرار على خروج حزب البعث من جميع أجهزة الدولة، ومؤسساتها في بداية المرحلة الانتقالية.
وسادساً؛ ينبغي إصدار عفو عام شامل عن المعارضين السياسيين، وغير السياسيين، باستثناء قوى الارهاب، والسماح بعودتهم إلى البلد لممارسة دورهم الوطني بحرية ومسؤولية.
سابعاً؛ ينبغي العمل على عودة النازحين والمهجرين بالسرعة الممكنة، وبدون اي توظيف سياسي لهذا الملف.
ثامناً؛ تشكيل هيئة وطنية للمصالحة، تشارك فيها جميع الاحزاب الوطنية المؤثرة، وكذلك الشخصيات الاجتماعية، والدينية، والقبلية، وغيرها. إن إنجاز هذه المهمة مسألة حيوية لإنجاز بقية المهام.
تاسعاً؛ العمل مع المجتمع الدولي لإعادة اعمار البلد. ومن الأهمية بمكان في هذا المجال انفتاح سورية على جميع الدول وفق مصالحها الوطنية، والخروج من سياسة المحاور التي تعيق تعافي البلد . هذا لا يعني أن نضع جميع الدول التي تدخلت في الأزمة السورية في مرتبة واحدة، ولا نفرق بين من دعم قوى الارهاب، ومن حافظ على الدولة السورية.
أما فيما يخص بناء الدولة وسلطات الحكم، ينبغي الاعتراف في هذا المستوى اولاً؛ بأن سلطات الحكم المركزي قد تصدعت إلى حد بعيد، وما هو قائم منها لا يعمل بكفاءة، فقد نخره الفساد.
ثانياً؛ لذلك من الأهمية بمكان تفعيل السلطات المحلية، ونقل الصلاحيات التي لها علاقة مباشرة بحياة المواطنين إليها. بهذا الخصوص فغن القانون 107 ينبغي تعديله بحيث يتضمن إنشاء مجالس تشريعية محلية، وحكومة محلية، وحاكم محلي، منتخبين ديمقراطياً، على مستوى المحافظات القائمة، يحدد القانون صلاحياتها بالتفصيل. في هذا المجال ينبغي منح الاستقلالية المالية والادارية والتنظيمية لجميع المؤسسات ذات الطابع الوطني، مثل الجامعات، والبنوك والنقابات وغيرها. من الأهمية بمكان إنشاء جامعات، او كليات، او اقسام، تدرس بلغات المكونات القومية .
ثالثاً؛ تحتفظ السلطة المركزية بكل السلطات السيادية، مثل الجيش والأمن الوطني، والمالية والتمثيل الدبلوماسي، وغيرها.
رابعاً؛ ينبغي تحقيق استقلال السلطات الثلاث فعلا، وخصوصا استقلال القضاء، والتمييز بين القضاء الوطني، والقضاء المحلي، وبين الشرطة الوطنية والشرطة المحلية، وغيرها.
خامساً؛ من الأهمية بمكان اعتماد النظام النسبي في الانتخابات، واعتماد سوريا دائرة انتخابية واحدة، فيما يتعلق بانتخاب السلطات المركزية، والنظام النسبي المختلط(وطني ومحلي) على مستوى انتخاب سلطات المحافظات، ونظام النسبي المختلط، مع الدوائر الانتخابية الصغرى على مستوى انتخاب السلطات البلدية.
هذه ملامح طريق للخروج من الأزمة السورية، وهناك بالتأكيد علامات أخرى كثيرة، يمكن الاسترشاد بها في حال توافرت الارادة الصادقة لدي جميع الأطراف، وهو افراض للأسف غير متوافر حتى الآن.