أزمة قيم

زكرياء لهلالي
2019 / 3 / 14

لا أعتقد أننا في مجتمع يسعى للبحث عن تثمين وتطوير القيم والمبادئ التي يحيا عليها كل مجتمع ... لا أعتقد أن أفراد المجتمع الواحد لا يبالون بما ينخر مجتمعاتنا من انسلاخ وتدمير ووأد للقيم المتعددة والمتنوعة ...


إن المعضلة الحقيقية التي تواجه مجتمعنا المغربي والعربي تكمن في الهروب المعلن عنه صراحة من قيمنا المشتركة ؛ لا حديث اليوم يعلو ويصدح صوته في المشترك بين أفراد المجتمع سوى اللاتقدير للأنا مع الآخر ؛ علاقات أصبحت شبه ميتة جافة جحيمية على حد تعبير جان بول سارتر ...
نظرة واحدة في المشترك بين الناس تنبأك عن الواقع الصفري في مختلف نقاط الاشتراك ...

أينما وليت وجهك تجد الكل إلا من رحم الله يعيت في الأرض فسادا ، لا احترام للأماكن العامة و المشتركة ولا تقدير لعمل الاخرين ولا مراعاة لخصوصيات الأفراد والجماعات...
بالتالي لا يمكن النفي ولا الإثبات على أن هناك من يسعى لتكسير عماد القيم الذي يشد الناس بعضهم بعضا وذلك لغاية معينة قوامها الحط من فتات ما تبقى من مبادئ عامة وأساسيات أخلاقية ...
أن يحيا الإنسان حياته بدون سؤال الجدوى نحصد مجتمعا معوجا وما تحدثنا عنه سالفا ونقع في ظواهر شاذة ومختلفة ويصبح إذاك الإنسان عدوا لأخيه الإنسان -هذا مع التحفظ الكامل لكلمة الإنسان - ، كما تخلق العداوة البينية بين البشر التي تؤدي لا محالة لخلق حلبة صراع مفتوحة لا تنتهي إلا بالقتل الرمزي للآخر والسندانية الملعوبة في السر والعلن ، من هنا تنعدم روح تقدير المشترك وإحياء وتجسيد القيم ...
السؤال الجوهري في هذه القضية يتلخص في كون الكثيرين لهم وعي وإدراك مسبق بأهمية الآخر ووجوده بل أهمية القيم المشتركة وضرورة التشبث بها وعيش الحياة من خلالها ، لكن التغافل وخبث النفس البشرية يجعلها تنأى بعيدا عن ما هو فاضل ...

يتساءل العديد من المثقفين العرب اليوم عن أسباب التخلف التي يرتع فيها الوطن العربي وتوالي الأزمات والنكبات التي أرهقت كاهله وجعلت منه بؤرة للصراعات والخلافات التي لا تنتهي ؛ والتي ببساطة تعزى إلى الإنسان والفرد والجماعة اللذان يعيشان في هذا الوطن ؛ تغافلنا عن بناء إنسانية الإنسان وتعليمه بالطريقة العلمية المحكمة عن كيف يكون الإنسان إنسانا .

الأزمة وسوء التفكير المعقلن في بناء الإنسان ليس لحظية بل مخرجاتها بعدية يقول الدكتور محمد عابد الجابري في هذا الصدد متحدثا عن بعض الأسباب الحقيقية لما نعانيه اليوم ؟؟
"نحن هنا في الوطن العربي مازلنا متخلفين عن ركب الفكر العلمي، تقنية وتفكيرا، وما زالت الدراسات الفلسفية عندنا منشغلة بالآراء الميتافزيقية أكثر من اهتمامها بقضايا العلم والمعرفة والتكنولوجيا، الشيء الذي انعكست آثاره على جامعاتنا ومناخها الثقافي العام. هذا في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى تحديث العقل العربي وتجديد الذهنية العربية. وغني عن البيان القول بأن وسيلتنا إلى ذلك يجب أن تكون مزدوجة متكاملة: الدفع بمدارسنا وجامعاتنا إلى مسايرة تطور الفكر العلمي وملاحقة خطاه والمساهمة في إغنائه وإثرائه من جهة، والعمل على نشر المعرفة العلمية على أوسع نطاق من جهة ثانية. إن توجيه اهتمام الطلبة و المثقفين إلى الفلسفات العلمية التي تعمل جاهدة على ملاحقة الفكر العلمي في تطوره وتقدمه تحلل مناهجه وتدرس نتائجه محاولة استخلاص ما يمكن استخلاصه منه من رؤى فلسفية جديدة وآفاق فكرية رحبة، ضرورة أكيدة، إذا ما نحن أردنا الارتفاع بطلابنا ومثقفينا إلى المستوى الذي يمكنهم من أن يعيشوا عصرهم، عصر العلم و التكنولوجيا، بكل ما يطرحه من مشاكل نظرية وعملية ويساهموا في تشييد حضارة عربية في مستوى حضارة العصر علما وعملا.
لعل ما يخفيه هذا النص المكتنز بالرؤى والأفكار هو الضرورة التي أصبحنا اليوم في مسيس الحاجة لها ألا وهي تحقيق النقلة الابستيمية في مختلف المجالات بدءا من تطوير المناهج ومواكبة التطورات وتشجيع مختلف المتدخلين في هذه العملية البالغة الأهمية وتحسيس العامة من الناس والخاصة بأهمية هذا التغيير الذي وجب اليوم أكثر من أي وقت مضى من نهجه واتباعه ولا سبيل لنا من التخلص من ربطة العنق الخانقة التي شدت ذهنية الإنسان العربي ومنعته من الإقلاع نحو الأفضل محتفظا كما أسلفنا الذكر بقيمه الفاضلة وجعلها كرافعة أساس لتحقيق ما نصبو إليه وتجاوز نقطة الوقوف التي عمرت طويلا ...
#رأي