العقل الأعمى وضبابية القيم في الفكر الحداثي عند إدغار موران

عبد الكامل نينة
2019 / 3 / 14

يرى إدغار موران ان الإنسان اكتسب معارف هائلة حول العالم الفيزيائي والبيولوجي والبسيكولوجي والسيسيولوجي، أعطى العلم الغلبة شيئا فشيئا حتى وقع تحت سيطرته،(1) فهذا الأخير أصبح في مقابل زيادة معرفته العلمية، زيادة في الجهل والعمى، كما ان الجهل أدى به إلى توهم قدرته في فهم العالم وإدراكه، وهو لا يعي انه في حالة عمى لا يرى ما يسببه من فساد في الأرض وللإنسانية بالتحديد، أين أصبحت الإنسانية مهددة بسبب الاستخدام الغير عقلاني للعقل، الذي يتجل في الجهل بمخاطر التطور العلمي الذي يهدد الإنسان وما حوله، فهذه تطورات بيولوجية تمس كرامة الإنسان، وتلك صناعات تكنولوجية تحط من قيمة الإنسان وفعاليته، وهنا وهناك تنافس أعمى على حمل السلاح وتطويره بدون ضوابط مهدد امر الإنسان وخراب البيئة.
فالإنسان يعيش في حضرة سلطان مبادئ الإختزال والفصل والتجريد، والتي تشكل منظومة التبسيط، التي صاغها ديكارت، الذي وضع الأفكار الواضحة المميزة مبدأ للحقيقة. (2) هذه المنظومة قادت الفكر الغربي منذ القرن السابع عشر، في مغامرة ضحيتها الإنسانية، تطور فيها فكر وعلوم الإنسان في مختلف جوانبه، على غرار الطب والتكنولوجيا وغيرها، على حساب سلامة الجنس البشري، وعلى حساب أمنه المستقبلي، ويعود هذا إلى جهل الإنسان، وتوهمه بلوغ المثالية الفكرية، التي جعلته يعيش حياة الترف والرفاهية الراهنة، وأنسته ما قد يحدث من تداعيات في المستقبل على المدى البعيد، حيث أن أخطار هذه المنظومة التبسيطية، لم تظهر إلا في القرن العشرين، حينما ظهرت للواقع المشاكل البيئية، والاجتماعية، أيضا المشاكل العلمية والفلسفية كذلك، كل تلك المشاكل بإختلافها تمس الإنسان بالتحديد، هذا الأمر الذي أدى بالمفكرين إلى دق ناقوس الخطر، والبحث في ما يجب أن يكون، بإثارة مسألة القيم، في محاولة لمعالجة هذا الوضع المتأزم في الحضارة الأوروبية بالتحديد، والعالم الإنساني ككل.
يقول ادغار موران "الخطأ لا يكمن في مجرد الوقوع في الخطأ فقط، أو نحو ذلك، إنما الخطأ في قصور كيفنا في صياغة وتنظيم المعرفة في شكل نسق فكري يفيد الإنسان ويخدمه لا أن يؤذيه بأي شكل من الأشكال، خاصة على المدى البعيد."(3) فالفيلسوف الفرنس ادغار موران يؤكد انه ليس الخطأ في التطور العلمي أو التكنولوجي، ليس الخطأ في التحضر أو التقنية، ليس الخطأ في الزيادة المعرفة المتواصلة التي يحصلها الإنسان كل يوم، إنما الخطأ في كيفية الأخذ بهذه المعرفة، وكيفية التعامل معها، فالعلوم والتكنولوجيا والتقنية وغيرها، ما هي إلا أدوات في يد الإنسانية، هذه الأخيرة يجب عليها ان تحسن التصرف في إستخدامها أحسن التصرف، يجب عليها ان تستخدم تحصيل المعرفة فيما يخدم الإنسانية، هنا يؤكد موران إلى الحكمة في إدراك ما يجب ان يخدم الأنسان على المدى الطويل، أي يجب على أن يكون التحصيل العلمي من أجل الإنسان كونه كائن حضاري، حيث عليه التفطن لأبعاد إستخدامه للمعرفة في الحاضر والمستقبل، عكس ما هو واقع اليوم من جهل وعمى في تحصيل المعرفة المبنية على فائدة إنسان اليوم، بل إنها مبنية على فائدة فئة معينة من الإنسانية على حساب البقية، بل وعلى حساب البيئة أيضا، هذا الأمر الذي نتج على المركزية الأوروبية التي تقصي الآخر، هذا الآخر الذي يتمثل فيما ليس أوروبي عامة، وبالتحديد العالم الشرقي والإسلامي على وجه الخصوص، كما ان المركزية الأوروبية لها من الأنانية والجهل ان تكون مركزية أوروبية – إنسانية، مركزية أوروبية تقصي ما هو غير أوروبي، ومركزية إنسانية تقصي ولا تحترم ما هو غير إنساني، هنا كانت مشكلة البيئة، التي أصبحت مهددة بفعل جهل الإنسان في أخذه المعرفة واستخدامها.
حيث تقوم هذه المعرفة على القياس والحساب(4) ، فبدأ التجريد ينفصل عن الكائنات تدريجيا، فلم تصبح هذه الأخيرة سوى صيغ ومعادلات، هنا الإشارة إلى مسألة التشيء، حيث أصبح الكائن الحي، الإنسان على وجه التحديد، مجرد شيء يتم دراسته كباقي الأشياء، أي انه مجرد أرقام ومعادلات على ورق. هنا يتضح ان منظومة التبسيط، لا تعطي كل نوع من المعرفة أو الوقائع والأحداث أحقيته بالدراسة الحقة، إنما اختزلت كل الأنواع، بمختلف مجالاتها، في مبدأ أو إثنين، مع ادعاء بلوغ ما يجب ان يكون، وهذا ما يسميه ادغار موران بعيوب العقلية أحادية التفكير.
وهذا هو جهل العقل الأعمى كما جاء وصفه على لسان ادغار موران، فالتحول المعرفي أصبح غايته التخزين فقط والتلاعب به من طرف الدول خاصة، بدل ان يكون الهدف هو التفكير فيها ومناقشتها من طرف العقول البشرية، وهذا الجهل للأسف لا ينتبه له العلماء في ميادين عملهم وتطوير المعرفة، حيث لا يتحكمون في اكتشافاتهم وما قد تنتج من أخطار على الإنسان والبيئة، فهم لا يراقبون طبيعة بحثهم من الأساس، فأصبحت غايتهم الأولى التطور من اجل التطور والتلاعب والسيادة. (5) فالتطور المعرفي أصبح فقيرا للقيم التي تضبطه وتوجهه إلى الطريق الصواب، فالعالم أصبحت غايته تحصيل العلم والبحث عن الحقائق، متبعا في ذلك مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فعمله في المختبر يشغله عما سواه، فكان مختبره معيارا للقيمة، فالقيمة عند العالم تكمن في تحصيل معرفة جديدة، بغض النظر ان كانت هذه المعرفة تفيد الإنسانية أو تضرها، ويكفي حجة في ذلك اختراع الأسلحة النووية واكتشاف الهيروين، وغيرها الكثير من الكوارث العلمية التي هي بمثابة المرض العضال للإنسانية.

_________
المصادر
1 - إدغار موران: الفكر والمستقبل مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2004، ص13.
2 - نفسه، ص15.
3 - نفسه، ص 13.
4 - نفسه، ص16.
5 - إنفسه، ص16.