روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربية

أشرف إبراهيم زيدان
2019 / 3 / 14

روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربية
(تأليف: Timothy Weiss/ترجمة/د. أشرف إبراهيم محمد زيدان/كلية الآداب/جامعة بور سعيد)
قال أحد الكتاب اللاجئين الذين ينتمون إلى منطقة الكاريبي (أنت تعلم أنك تكبر لترحل.) (Philip 230)، وهو قول يصدق على سائر الكتاب الكاريبين الذين لجؤوا إلي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا العظمي. ولقد ظلت لندن زمنا طويلا بمثابة عاصمة ثقافية حقيقية للكاريبيين الأنجلوفونيين. ففى أعقاب الحرب العالمية الثانية زاد عدد المهاجرين الكاريبيين المهاجرين إلي المملكة المتحدة زيادة ملحوظة. ففي عام (1960) كان عددهم (172,000)، وفي عام (1981) كان عددهم (500,000). وعندئذ ظهر أدب الشتات الذي سُمِّى (أدب المهجر)، ثم (الأدب المهاجر)، هذا الأدب الذي كان يعبر باستمرار عن الإحساس بالمكان والهوية، إذ يشعر المهاجر شعورا دائما بالحنين إلي الوطن فيتخذ من ذلك مادة للكتابة (Conde & Lonsdale 1999). ففي بداياته بقي أدب الشتات على هوامش الآداب القومية سواء البريطانية أو الأمريكية أو الكندية؛ وبما أنه يتطور من جيل من الكتاب إلي الجيل التالي، فإنه يعيد تعريف الفضاءات القومية، ويتخيل فضاءات أخرى فيما وراء الحدود القومية.
بدأ أدب المهاجرين الكاريبين على يد (جيمز) الذي انتقل إلي إنجلترا سنة (1931)، وأخذ يكتب فيها وينشر مؤلفاته. وتعد روايته (زقاق مزروع بالنعناع) (1936) أول رواية كاريبية تصدر في إنجلترا، وهى رواية تسلط الضوء على القضايا الكاريبية، ومما تميزت به هذه الرواية أنها عملت على دمج اللهجات الكاريبية. وتصور الرواية أحد الموانئ الإسبانية من وجهة نظر (هانز) وهو شاب ينتمى إلي الطبقة المتوسطة، ويقيم فى ذلك الميناء إقامة مؤقتة، ويتعرف بطل الرواية على العالم من خلال الكتب، وكان فى البداية يستمتع بمتابعة جيرانه وهو فى غرفته، ثم زاد تداخله معهم حتى سقطت براءته، ودخل فى صراع ونزاع مع أفراد من طبقات ترنيداد الفقيرة التي تدرك جيدا لون بشرته. وقد اتهم فى نهاية القصة بارتكاب أعمال جنسية غير مشروعة. كان (جيمز) يعدّ رائداً، وكذلك كان (بريثوايت) الذى هاجر إلي إنجلترا عام (1930) ، وله رواية حققت شعبية متميزة هى (إلى سيدي، مع كل الحب) (1959)، وقد تحولت إلي فيلم عام (1967). ولم يكن أدب المهجر الكاريبي قد دخل مرحلته الأولى الهامة حتى نهاية الأربعينيات قبل أن تصل سفينة (وندروش).
ويقصد بقولهم (جيل ويندرَش الرسمي) تلك الهجرة التي بدأت بعد الحرب من الكاريبي والمستعمرات الأخرى، و(ويندرش) هو اسم السفينة التى شرعت في نقل المهاجرين من تلك المناطق إلي انجلترا فى يونيو عام (1948)؛ إنه حدث يرمز إلي بدايات بريطانيا المعاصرة ذات الأعراق المتعددة، وإعادة صياغة الهوية القومية. في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات هاجر إلي انجلترا (جورج لمنج، وصامويل سيلفون، وفي. إس. نايبول، وويلسون هاريسون)، بالإضافة إلي كتاب مغمورين مثل (إدجر ميتلهولزر، وأندرو سالكي، وروجر ميس، وروي هيث، ومايكل أنتوني). وقد واجهتهم تحديات شاقة منها أنهم لم يجدوا من ينشر أعمالهم بل لم يجدوا من يقرأ لهم، ولكنهم تجاوزا هذه الأزمة عندما تولت نشر أعمالهم بعضُ المؤسسات ودور النشر، مثل: هيئة الإذاعة البريطانية وأندريه ديوتش وهاينمان ولونجمان وفايبر & فايبر. وقد ساهم البرنامج الإذاعي (أصوات كاريبية) فى بث قبسات من هذه النار الجديدة في سائر أنحاء العالم، وبذلك صارت تلك الإذاعة المحفز الأكبر بل الأوحد لإبداع الكاريبيين باللغة الإنجليزية (Wambu 2000).
ومن كبار الكتاب الذين ساعدهم البرنامج على الانطلاق حتى وصلوا إلى العالمية (جورج لمنج)، ومن أهم رواياته: (فى قلعة جلدي) (1953) و(المهاجرون) (1954). تستلهم رواية (في قلعة جسدي) حياة مؤلفها عند نشأته فى ريف (باربادوس) في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فقد نشأ بطل القصة في قرية يكاد أهلها لا يعرفون شيئا عن تاريخهم؛ فالرواية تقص كيف يدرك الفرد والمجتمع (في إحدى المستعمرات) أنَّ مصير العلاقات الإقطاعية بين أصحاب الأراضي البيض والعمال السود إلي زوال. وتبدأ رواية (المهاجرون) من حيث انتهت رواية (فى قلعة جلدي)، إذ تروي كيف رحل الشاب مع أصدقائه الكاريبين من جزيرتهم الأصلية إلي انجلترا، وكيف وقفت فى طريقهم عقبات كثيرة، ومنها: صعوبة الحصول على مسكن ووظيفة، وما كانوا يتعرضون له من إيذاءات الشرطة، وجهلهم بطبيعة الحياة هناك في بريطانيا.
وقد سافر (سام سيلفون) إلي لندن على السفينة نفسها التى أقلت (لمنج)، وكانت هذه الرحلة مادة لـروايته (شمس أكثر إشراقاً). وتعد روايته (أهالي لندن المنعزلون) (1956) أفضل أعماله، ولقد كتبت على شكل سلسلة من المقالات الوصفية القصيرة، وتتحدث بصيغة الغائب عن (موسى) الذي هاجر من ترنيداد إلي لندن منذ عشرة أعوام، وكان يساعد القادمين من الكاريبي وأفريقيا على المعيشة المستقرة؛ والرواية تبدو كوميدية لكن ظاهرها الكوميدي يضمر حقيقة قاسية، حقيقة التفرقة والعزل العنصري؛ وفي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ظل (سيلفون) يلقى الضوء على معاناة المهاجرين الذين لقوا مصيرا كمصير بطل روايتي (صعود موسى ) (1975) و(هجرة موسى) (1983).
وأكثر كتاب الجيل الأول من اللاجئيين الكاريبيين انتاجا: (في. إس. نايبول) و(ويلسون هاريس)، وتضم روايات (نايبول) عناصر من السيرة الذاتية والتاريخ، وتعكس هذه الروايات كثيرا من القضايا والمشكلات المعاصرة في منطقة الكاريبي وبريطانيا العظمى، وفي سائر الدول النامية. وروايته (شارع ميغيل)—وهى أول رواية كتبها وإن كانت الثالثة في النشر—تصور المشاكل الاجتماعية الموجودة في منطقة مجاورة لوسط مدينة (ميناء أسبانيا) من وجهة نظر شاب نشأ وترعرع هناك، وقد رسم هذه الصورة من خلال حديثه الساخر عن خبرات المراهقين وأسئلتهم وخيباتهم حتى رحليهم النهائي من الجزيرة. أما روايته (الملك الصوفي) (1957) فترصد السيرة الذاتية لـ طبيب يدعى (جانش) انتقل من قريته الصغيرة فى شرق الكاريبي ليصبح مؤلفاً ومفكراً وسياسياً ورجل دولة من الطراز الأول. وتلقى رواية (حق الاقتراع) (1958) الضوء على الأوضاع السياسة فى ريف ترينيداد حيث تؤدي الولاءات العرقية (الضيقة) والغيرة وكراهية الفن إلي إفشال الديمقراطية. وتعالج رواية (منزل خاص بـالسيد بِسْوَس) (1961) أحوال ترينيداد في إبّان الحقبة الاستعمارية التى عاشها أجداد المؤلف وآباؤه، وتصور أيضا انتقال المستعمرة من الحياة الريفية إلي المجتمع المدني الحديث. وبطل الرواية يشبه والد المؤلف ومع ذلك فهو يشبه المؤلف في الشعور بعدم الانتماء. وفي روايات له لاحقة تظهر بوضوح صور تتعلق بحياة الاغتراب والمهاجرين والمنفى؛ ففي رواية (المقلدون/المهرجون) (1967) يكتب بطل الرواية (رالف سينغ)، وهو رجل أعمال في منتصف العمر وسياسي كاريبي هجر وطنه، مذكراته معبّرا عن مشاعره الغاضبة والعنيفة في أثناء اغترابه من المجتمع الكاريبي واللندني. أما الرواية الفائزة بـ البوكر (دولة حرة) (1971) فتقوم برحلة إلي عالم الفوضى في دولة إفريقية. وتعالج الموضوع نفسه رواية (منحنى فى النهر) (1979) فالراوي فيها—وهو مهاجر وصاحب محل ومن أصول هندية مسلمة— يصور أفريقيا في مرحلة ما بعد الاستعمار وما تعانيه من مشكلات التنمية ومن التدهور والخراب. وتُقرأ رواية (لغز القدوم) (1987) على أنَّها محاولة للتوفيق بين ما ورثه المهاجر من المرحلة الاستعمارية والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي حدثت فى إنجلترا فى أثناء مرحلة ما بعد الاستعمار. كذلك تحاول أنْ تعيدَ تفسير مفهوم (القومية البريطانية) الآن، ويكمن أيضا أن تعد تعبيرا عن هوية عالمية جديدة؛ ويظهر ذلك بوضوح أكثر فى رواية (طريق نحو العالم) (1994).
يعد (ويلسون هاريس) روائيا متعدد الرؤى كما يعد مفكرا، وأعماله—قصصية كانت أو غير قصصية—مستقاة من مصادر كاريبيةٍ ومن أساطير أمريكا اللاتينية بالإضافة إلي الآداب الغربية. ومن أعماله غير القصصية (رحم الفضاء: الخيال عبر الثقافات) (1983)، والذي أثر بشكل ملحوظ على كتّاب الجيل الثاني من الأنجلو-كاريبيين. وتجمع رواياته في أسلوبها وأحداثها بين الأسطوري والواقعي على نحو رائع، وقد صنفت أعماله على أنها مجموعة من الثنائيات المتضادة الملتحمة: المعتدِي /المعتدَى عليه، العالم القديم/العالم الجديد، الأحياء/الأموات. وتتكون رواية (قصر الطاووس) (1960) من مزيج من الأحلام والأحداث الواقية الهادفة، وفي هذه الرواية، وكذلك في جزء من رواية (رباعية جويانا) (1960-3) إعادة صياغة لأسطورة (إلــــ دورَادو) التى تروي كيف قام بطلها (دن) وطاقم سفينته )الأسبانَ( باحتلال المكسيك وبيرو بالقوة في القرن السادس عشر، وتروي كذلك رحلة الجماعة في داخل غابة ممطرة، وهى في ذلك تستدعى روايةَ جوزيف كونراد (قلب الظلام) (1902)، ولكنها لا تنتهي نهاية مأساوية كما حدث في رواية كونراد، بل تنتهي بالاحتفالات المبتهجة، وهى في ذلك تشبه إلي حدّ بعيد (الكوميديا الإلهية) التى تأثر بها (هاريس) تأثرا كبيرا، كما تأثر بالأعمال الكلاسيكية في سائر أنحاء العالم بالإضافة إلي مصادر أصوله الكاريبية. وصور (هاريس) في رواياته التالية الهوية الإنسانية في أواخر القرن العشرين، ومنها: (عين الفَزّاعة) (1965)، و(الصعود إلي أوماي) (1970)، و(رفاق النهار والليل) (1975)، و(شجرة الشمس) (1978)، و(ثلاثية المهرجان) (1993)، وأخيراً (جونز تاون) (1996). هكذا، ومن خلال استدعاء أشباح العذاب من تاريخ العالم القديم والجديد، وتوظيف المأثورات الشعبية والأساطير باعتبارها مركبات انتقالية عبر الزمن، صارت روايات (هاريس)—فضلا عن كل ما سبق—فنَّ تجسيد الهوّة بين الثقافات المختلفة، ونقل الوعي، والتنقيب فى التاريخ، بل وافتداء الروح.
أما الكاتبة الوحيدة التي حققت سمعة دولية بين الكتاب ذوى الأصل الكاريبي في خلال النصف الأول من القرن العشرين فهى (جين رايس) التي ولدت فى الدومنيكان، وكانت بداية سمعتها تلك (الضفة اليسرى وقصص أخري) (1927)، وأكثر أعمالها شهرة رواية (بحر سارجاسو الواسع) (1966)، أما قصتها الممتازة (أنطوينت كوزواى) فتروي قصة الزوجة الأولى لـ (روشستر) أحد أبطال رواية شارلوت برونتلي ( جين آير) (1847) (كانت بيرث مجنونة، ولذا ظلت حبيسة مهمشة في الروايةالأصلية، ولكن (رايس) تتيح لها فرصة الكلام، كما تتيح لـ (روشستر) فرصة الدفاع عن نفسه؛ وهذا مثل من أمثلة الاختلاف بين كتابات الغرب في أثناء الفترة الاستعمارية وكتابات الشرق في فترة ما بعد الاستعمار/المترجم). وبذلك سنّت (رايس) سنة إعادة كتابة النصوص الأدبية [وقد سميت بعد ذلك باسم (التهجين الأدبي)/المترجم]، وقد سار كثير من الأدب على هذا النهج وعملوا على تطويره.
منذ السبعينيات حتى التسعينيات من القرن الماضي ظهر طريق خطّه كل من (لمنج وسيلفون ونايبول وهاريس ورايس)، وسار فيه كتابُ الجيل الثاني (الذين ظهروا في المملكة المتحدة) من الكاريبيين أو أصحاب الخلفيات الكاريبية، ويمكن الحديث عن هؤلاء الكتاب من خلال ثلاث زوايا على الأقل: الأولى: أعمال عدد من الكاتبات الائي صورن تجارب النزوح وقدمن صياغتهن الخاصة للمادة التى قدمها كتاب الجيل الأول من الرجال؛ والثانية الظهور الغالب للكتاب الجويانيين: والثالثة الاهتمام المتزايد بإعادة كتابة التاريخ الكاريبي، واكتشاف هوية معاصرة تتميز بالتعددية الثقافية وبالعالمية. تطورت الروايات التى كتبتها مهاجرات من المنطقة الكاريبية، وكان التطور في أمريكا الشمالية أسرع من نظيره في المملكة المتحدة، وبخاصة بعد نشر رواية (البنت البنية براون ستون) (1959) للكاتبة البروكلينيّة المولد (باولا مارشال)، وهى رواية ترصد حياة المهاجرين الباربادوس في نيويورك. أما في المملكة المتحدة—من ناحية أخري—فلم تظهر الروايات المكتوبة عن قضايا المرأة بأقلام الكاتبات إلا مع السبيعنيات والثمانينيات من القرن؛ فرواية ميرل هودج (القرد العبقري المريض) (1970) مثلا تروى قصة نشأة فتاة في ترينداد، وانتقلت من القرية إلي المدينة، وخاضت صراعات ناتجة عن ذلك الانتقال، ثم رحلت إلى انجلترا في نهاية المطاف. وقد صورت هذه الرواية حياة الأطفال الكاريبيين تصويرا أكثر شمولا مما نجد في الأعمال الذكورية، مثل رواية لمنج (في قلعة جلدي)، ونايبول (شارع ميغل، وأنتوني ) وكذلك روايته (شيخوخة في سان فرناندو) (1965). وممن ولدوا فى جويانا الكاتبة (بيريل جيلروي) التى هاجرت إلي إنجلترا عام (1952)، وتنتمي إلي الجيل الذي يسبق (ميرل هودج). وقد نشرت (جيلروي) سيرتها الذاتية (المعلمة السوداء) (1976)، وتروي فيها تجربتها عندما كانت مديرة مدرسة ملونة في بلدة تابعة للندن. وأما رواياتها التى تلت ذلك، ومنها (منزل فرانجيباني) (1986) فتصور حياة امرأة مسنة تعيش في دار للمتقاعدين الكاريبيين، وهى بذلك تعالج بشكل غير مباشر أحد آثار الهجرة التى تظل عالقة في الذاكرة: التفكير فى مصير من يتركهم المهاجر في موطنه من أهل وأصدقاء.
وتعالج رواية (جوان رايلي) الجامايكية المولد (عدم الانتماء) (1985) محنة بنات المهاجرين السود في إنجلترا؛ وتروى قصة (هياسنث)، بنت الحادية عشرة، التى تتعرض للمضايقة والضرب في المدرسة، بالإضافة إلي الإيذاء الجنسي في المنزل. وتعالج مجموعتها القصصية المشتركة بعنوان (ارحل لتبقي: قصص المنفى والانتماء) (Riley & Wood 1996) معاناة المهاجرين من خلال وجهات نظر متنوعة على نطاق واسع لتبرز تنوعها وزيادة ثرائها. ومن الجويانيات أيضا (جريس نيكولز) و(جانيس شاينبورن) و(بولين ميلفيل) الائي هاجرن إلي المملكة المتحدة أو اقاموا فيها إقامة مؤقتة. وتهتم في رواية نيكولز (سماء الصباح كاملة) (1986) وفى رواية شاينبورن (منبه) (1986) بتقديم وجهة نظر نسائية، إذ تصور انتقال البنت من القرية إلي المدينة في (جوانا) في أثناء الصراع من أجل الاستقلال فى (1960s). وأما الكاتبة والممثلة (بولين ميلفيل) فقد نشرت مجموعات قصصية ورواية واحدة، ومن مؤلفاتها: (محرك الفضاء) (1990)، و(هجرة الأشباح) (1999)، و(حكاية المتكلم من قاع بطنه) (1997)؛ وتجمع هذه الأعمال بين الأساطير الأمريكية الهندية وظواهر الحياة بعد الاستقلاال، وكذلك الرؤي الواقعية السحرية المتعلقة بالهوية والمكان. كذلك، تربط نزعةُ الزخرفة الأسلوبية وتيمةُ التحول من هيئة إلي أخرى هذه الأعمالَ الثلاثةَ؛ إذ يتحول كائنٌ—لديه القدرة على التشكُّل في صور مختلفة أو اسستحضار مخلوقات ذات هيئات مختلفة—إلي الأشباح الطوَّافة التي تتكلم من بطنها، مثل شخصية الرئيس الذي يعود إلي قريةٍ يضحك سكانها الهنود الحمر على جنازته المعروضة على شريط فيديو. وتستمتع ميليفل بالتقلبات المتطرفة والتنكيت والسخرية ؛ فهى كاتبة فكهة بعيدة عن الوقار.
وتصور أعمال الكاتب الترينيدادي (شيفا نايبول) والكاتب الجاياني (روي هيث) مدى الإحباط والفشل الذى وصل إليه الفرد في المجتمعات الكاريبية. درس شيفا (المتوفي حديثا والأخ الأصغر للكاتب في. إس. نايبول) أيضا في جامعة اكسفورد، حيث درس اللغة الصينية. وهو معروف بما كتبه في أدب الرحلات؛ تبدو رواياته أكثر سخرية وكآبة من روايات أخيه. وتدور أحداث رواية (ذباب سراج الليل) (1970)، ورواية (جامعوا الضرائب) (1973) في ترينيداد. وتدور أحداث رواية (دولة حارة) في مدينة جورج تاون الخيالية فى دولة جويانا، عندما يجد (مليون) من البشر أنفسهم محاصرين في فراغ شمسيّ مذهل، يفصل المحيط عن الغابة (5)—نشرت هذه الرواية في الولايات المتحدة تحت عنوان (الحب والموت في بلد حار) (1983). وأما روايات (هيث) فتتميز بالنظرة الواقعية-الطبيعية؛ لقد هاجر إلى إنجلترا فى (1951)، وامتهن مهنة التدريس والمحاماة، ولم ينشر أول كتبه إلا في عام (1974). وتظل رواية (ثلاثية أرمسترونج) أفضل أعماله، وهى تضم: (منذ حرارة ذلك اليوم) (1979) و(أمة واحدة) (1981)، و(جِينِثَا) (1981). بطل هذه الثلاثية، صاحب الطبع الخشن والخالي من العزيمة والخبرة، يجد نفسه دائما خارج السيطرة في مواقف تتجاوز قدراته. وتستدعي (هيث) حياة جيلين لعائلة جورج تاون؛ لذا تؤرخ رواياتها مدى التفاعل بين الطوائف والطبقات والسلوك والأخلاق والعواطف في جويانا فى أثناء القرن العشرين.
بدأ الجيل الأول من المهاجرين واللاجئين الكاريبيين إلي بريطانيا فى (1950) و(1960) سلسلة من الحكايات والقضايا، ونحتوا الهويات الإبداعية التي طورها الجيل الثاني. وبحلول الثمانينيات والتسعينيات من القرن أصبحت ميزةً أن تعد كاتبا ذا خلفية ثقافية مختلطة أو متعددة. نرى تأثير (نايبول)—الذي سافر كثيرا وكتب عن مجموعة من القضايا المعاصرة، وكذلك (هاريس) الذى يقيم الجسور دائما بين القارات وبين التقاليد ويستجوب الماضي (باستمرار) كان له أثر في العديد من الكتاب الكاريبين، الذين حققوا شهرة في أثناء تلك الحقبة. وعلي غرار نايبول كتب (كاريل فيليبس) كتب الرحلات والمقالات والروايات—بالإضافة إلي ما كتبه من المسرحيات والسيناريوهات للإذاعة والتليفزيون والسينما. وتٌظهر أعمال الشاعر والروائي والمسرحي (فريد دي آغيار) مدى تأثره ب (هاريس)، بالإضافة إلي مواقفهما الواقعية جدا واهتمامهما بما يتعلق بـــــــ الزمن والذاكرة والعلاقات بين الأحياء والأموات. وتكتشف أعمال (آغيار) صدمات التاريخ التى ما زالت تطاردنا، بالإضافة إلي تعقيدات النفس البشرية. وتدور أحداث رواية (الذاكرة الطولى) (1993) في أمريكا في بدايات القرن التاسع عشر وتروي قصة عبد قبض عليه بعد أن شهرّ به والده بالتبني، وجُلد حتي الموت. وتبدأ رواية (الذاكرة الطولى) بالعبارة الآتية: (إنّ المستقبل جزء كبير من الماضي، ينتظر أنْ يحدث). وتستمر رواية (آغيار) الثانية (مستقبل عزيز) (1996) في التأمل في الزمن، وتعتمد على مصادر متباينة، مثلما فعلا (هاريس) و(اتش. جي. ويلز). وتقص رواية (إطعام الأشباح) (1997) تاريخ تجارة العبيد المشينة ، وتروى حادثة وقعت فى (1832-3) بسفينة أقدم ربانها على التخلص من (130) عبداً في أثناء رحلته إلي جزر الكاريبي. وقد تخيل (آغيار) أنَّ أمَةً تدعى (منتا) ألقيت من على ظهر السفينة، ولكنها استطاعت أن تتشبث بالسفينة، وأن تعود مرة أخرى إلي سطحها، وأن تتخفى عن العيون. وتحصل على ورق وأقلام من صندوق الربان—كانت على قدر من التعليم إذ درست فى إحدى مدارس الرهبان الهولندية—وتؤسس جريدة، وبذلك قام دليل ضد هذا القبطان وحوكم في إحدى المحاكم البريطانية. وتكتب منتا (وآغيار) ليطعموا الأشباح: إنها مسؤولية أخلاقية، تؤكد أنَّ الأموات جزء من الحياة الحالية، وأنّ التاريخ يبقى (غالبا) سراً ويظل دائما غير مكتملٍ. ويكتب الأكاديمي الشاعر الروائي الجوياني المولد (ديفيد دابديين) روايات فنية رائعة عن هوية المهاجرين. وفى رواية (الاختفاء) (1993) يذهب أحد المهندسين المهاجرين الأفرو-كاريبين إلي إنجلترا ليعمل في مشروع واسع من أجل ترميم ودعم جدار بحري في مدينة (دانزمير). ويسكن هناك مع امرأة مسنة، اسمها (روثرفورد)، كانت قد عاشت زمنا طويلا مع زوجها في إفريقيا الاستعمارية، وقد عملت على توثيق صلة البطل الذي أقام معها بالحياة فى انجلترا العريقة. وتستحضر الرواية روايتي نايبول (لغز القدوم) وهاريس (السلم السرى) (1963)، وإن كانت تختلف (في كلتا الحالتين) في الموقف والنغمة؛ لذا تبدو كتابات ما بعد الاستعمار مختلفة تماما عن كتابات الجيل الأول، (وكأنها تناولت موضوعات بكرا لم تطرق من قبل). سردت رواية (رحلة عاهرة) (1999) بمهارة، وتنافس أعمال الكاتب (ويليام هوجارث) التى صدرت في القرن الثامن عشر، وتصور قصة حياة أحد العبيد الكاريبين الذين ظهروا فى (Plate 2)، وينتقل السرد عن طريق استعادة الماضي (فلاش باك)، من مسقط رأس (مانجو) في إفريقيا إلي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وإنجلترا، حيث يخدم، في المقابل، اليهودي (لورد مونتجيو) والعاهرة (مول هاكاباوت) (الشخصية الرئيسة في أعمال هوجارث). ولأن (مانجو) كان رجلا مسنا فقد سرد قصته على السيد (برينجل) الذى كان يعمل في لجنة تناهض العبودية.
لقد تشكلت الروايات التي كتبها مهاجرون من منطقة الكاريبي بعد المرحلة الاستعمارية نتيجة عاملين أساسيين: (الأول) التغيرات السياسية الدولية و(الثانى) الهجرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلي المملكة المتحدة وأمريكا. إنّ المحاكاة الساخرة ( التى تتسم بالروعة والوضوح) في أعمال (ميلفيل) و(آغار) و(دابيدين) تدل على قوة متطورة وبحث جاد عن اتجاهات جديدة. لقد تركت الموضوعات التي شغلت الجيل الأول، ومنها الوصول إلي مرحلة الوعي في المستعمرة والهجرة والهوية الجديدة فى المدينة العالمية، إلى موضوعات أخرى تركز على الأحداث المسكوت عنها وتنقيح التاريخ والتعددية الثقافية والظلم وعدم المساواة بين البشر، مع أنَّ هذه الموضوعات (بالتأكيد) غير مقيدة بالشتات. سيستمر كتاب الجيل الثاني والثالث للشتات الكاريبي في الاندماج مع الرواية المكتوبة باللغة الإنجليزية بالإضافة إلي تقديم آفاق جديدة لـــ المملكة المتحدة والعالم (ذى التعددية الثقافية)؛ حيث تتواصل مآسى التشرد والاختلافات الثقافية وتعدد الولاءات عبر الثقافات والهويات.
References and Suggested Readings
Arnold, A. J. (ed.) (2001). A History of Literature in the Caribbean, vol. 2: English-and-Dutch Speaking Regions. Amsterdam: John Benjamins.
Braithwaite, E. R. (1959). To Sir, with Love. Bath: Chivers.
Cond_e, M., & Lonsdale, T. (eds.) (1999). Caribbean Women Writers: Fiction in English. New York: St. Martin’s.
Cudjoe, S. R. (ed.) (1990). Caribbean Women Writers: Essays from the First International Conference. Amherst: University of Massachusetts Press.
Dabydeen, D. (1993). Disappearance. London: Secker and Warburg.
Dabydeen, D. (1999). A Harlot’s Progress. London: Vintage.
D’Aguiar, F. (1994). The Longest Memory. London: Vintage.
D’Aguiar, F. (1996). Dear Future. New York: Pantheon.
Gilroy, B. (1976). Black Teacher. London: Cassell.
Gilroy, B. (1986). Frangipani House. London: Heinemann.
Gilroy, P. (1993). The Black Atlantic: Modernity and Double Consciousness. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Glissant,E ´ . (1997). Poetics of Relation (trans. B. Wing). Ann Arbor: University of Michigan Press.
Harris, W. (1960). Palace of the Peacock. London: Faber and Faber.
Harris, W. (1963). The Secret Ladder. London: Faber and Faber.
Harris, W. (1983). The Womb of Space: The Cross-Cultural Imagination. Westport, CT: Greenwood.
Harris, W., & Bundy, A. J. M. (eds.) (1999). Selected Essays of Wilson Harris: The Unfinished Genesis of the Imagination. London: Routledge.
Heath, R. A. K. (1979–81). The Armstrong Trilogy, comprising From the Heat of the Day, One Generation, Genetha. New York: Persea.
Hodge, M. (1970). Crick Crack, Monkey. Oxford: Heinemann.
James, C. L. R. (1936). Minty Alley. London: Secker and Warburg.
King, B. (2004). The Oxford English Literary History, vol. 13: 1948–2000: The Internationalization of English Literature. Oxford: Oxford University Press.
Lamming, G. (1953). In the Castle of My Skin. London: Michael Joseph.
Lamming, G. (1954). The Emigrants. London: Michael Joseph.
Maes-Jelinek, H. (2006). The Labyrinth of Universality: Wilson Harris’s Visionary Art of Fiction. Amsterdam: Rodopi.
Melville, P. (1990). Shape-Shifter. London: Women’s Press.
Melville, P. (1997). The Ventriloquist’s Tale. London: Bloomsbury.
Melville, P. (1999). The Migration of Ghosts. London: Bloomsbury.
Naipaul, S. (1970). Fireflies. Harlow: Longman.
Naipaul, S. (1973). The Chip-Chip Gatherers. Harlow: Longman.
Naipaul, S. (1983). A Hot Country. London: Hamish Hamilton. (Published in US as Love and Death in a Hot Country. New York: Penguin, 1985.)
Naipaul, V. S. (1961). A House for Mr. Biswas. New York: Penguin.
Naipaul, V. S. (1967). The Mimic Men. New York: Vintage.
Naipaul, V. S. (1971). In a Free State. New York: Vintage.
Naipaul, V. S. (1979). A Bend in the River. New York: Vintage.
Naipaul, V. S. (1987). The Enigma of Arrival. New York: Knopf.
Naipaul, V. S. (1994). A Way in the World. New York: Knopf.
Nair, S. (1996). Caliban’s Curse: George Lamming and the Revisioning of History. Ann Arbor: University of Michigan Press.
Nasta, S. (2002). Home Truths: Fiction of South Asian Diaspora in England. New York: Palgrave Macmillan.
Nichols, G. (1986). Whole of a Morning Sky. London: Virago.
Philip, M. N. (1993). Writing a Memory of That Place [interview]. In J. Williamson, Sounding Differences: Conversations with Seventeen Canadian Women. Toronto: University of Toronto Press.
Riley, J. (1985). The Unbelonging. London: Women’s Press.
Riley, J., & Wood, B. (eds.) (1996). Leave to Stay: Stories of Exile and Belonging. London: Virago.
Selvon, S. (1956). The Lonely Londoners. New York: Longman.
Selvon, S. (1975). Moses Ascending. New York: Heinemann.
Selvon, S. (1983). Moses Migrating. New York: Three Continents.
Shinebourne, J. (1986). Timepiece. Leeds: Peepal Tree.
Wambu, O. (ed.) (2000). Hurricane Hits England: An Anthology of Writing about Black Britain. New York: Continuum. (Originally published as Empire
Windrush: Fifty Years of Writing about Black Britain. London: Gollancz, 1998.)
Webb, B. J. (1992). Myth and History in Caribbean Fiction: Alejo Carpentier, Wilson Harris, and Edouard Glissant. Amherst: University of Massachusetts Press.
Weiss, T. F. (1992). On the Margins: The Art of Exile in V. S. Naipaul. Amherst: University of Massachusetts Press.