افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 54)

عماد علي
2019 / 3 / 14

الفصل السادس
الترجمة كفعل فلسفي
ان السياسة العسكرية و الامنية للدولة العباسية في عهد المهدي ثالث خليفة العباسيين لم يكن قادرا على وضع حد للمناوئيين الفكريين للسلطة، وعلى الرغم من قوة و شدة سياسة الدولة في مواجهتهم فانها لم تتمكن من تراجعهم، على الرغم من انهم كانوا مناوئين من حيث المذهب و الدين الرسمي للدولة فكانوا خطرا جديا لمستقبلها ايضا، و عليه في الخطوة الثانية للدولة العباسية؛ فانها اعتمدت على الفكر المعاكس بدلا من السلاح من اجل احتلال المتاريس الفكرية للعدو السياسي. و كان الفكر المعاكس للغنوصية في ذلك العصر بدون شك هو المنهج المنطقي و العقلاني لارسطو، للتفكير. و عليه، كان الاهتمام الاول والرئيسي للخلفاء العباسيين و بالاخص المامون هو بالمؤلفات الخاصة بارسطو، او التي كانت معروفة به. فسخر امكانيات الخلافة العباسية للانتصار في هذه الحرب الفكرية و التي كانت في اساسها حرب سياسية. عندما ترجمت السلطة العباسية المؤلفات اليونانية، فانها صرفت كل امكانياتها و اسست لتلك العملية مؤسسات خاصة ، فلم تكن هناك اية سلطة اخرى على الارض تقوم بذلك في حينه. و بهذا الشكل اُحتفظت المئات من المخططات اليونانية و تُرجمت الالاف من الكتب الاجنبية. اصبحت بغداد مركزا مهما لتنمية العقل الانتقادي في صلب المجتمع الاسلامي. الكندي الذي كان شخصية مؤثرة و مشاركة في عملية انتعاش العقل و تشريع الترجمة، في الوقت نفسه عُرف بابي الفلسفة العربية و الاسلامية، في رسالة له الى المنصور ثاني خليفة عباسي، كان على راس السلطة ما بين سنوات (137 – 158 ه)، قال فيها: لقد حان الوقت كي نهتم و نمد ايدينا الى ( الحكمة) اي فلسفة الشعوب الاخرى، لكي نتعلم منهم ونثري و نرفع مستوى التفكير المحلي . يقول ( يجب ان لا نخجل من ان تكون فضيلة الخير و احتواءه في اي مكان كانت، و ان كانت من الاجناس البعيدة و الامم المختلفة ) (1)، ان كانت هذه الحقيقة قصيرة، و لكن ابو الفلسفة الاسلامية رسم خطا بدائيا بين الثقافة الكلتورية العقلانية التي مثلها اهل الكلام و المعتزلة مع بداية جديدة للعقلانية الاسلامية، و هي الفلسفة. في الاول كان الكندي هو احد الذين كان لهم الميول و الطاقة العقلانية بالشكل المعتزلي و كان جزءا من الخطاب اللاهوتي الذي اعتقد انه يستطيع ان يجيب عن جميع الاسئلة حول الله و ماهية الاشياء في اطار النص المقدس و تاويله. و بهذه الطريقة يمكن ان يتمكن من مقاومة المناوئين المحليين والخارجيين، و في الثاني و كأن الكندي قد وصل الى الاعتقاد بان اللاهوتية العقلانية لم تتمكن من ادراك اسرار تلك الاسئلة، و عليه فانه يؤمن بان العقلانية المؤطرة بالنصوص تتجه نحو العقلانية الحرة و المنفتحة في خارج اطار القالب الديني، هذه النقطة بذاتها هي التي تفرق بين العلم و الكلام و الجماعات الفلسفية الاخرى في الثقافة الاسلامية بكافة اتجاهاتها. الاطار العام لعلم الكلام و النص المقدس و المعطيات الدينية، و تسخير اعلى امكانية عقلية لاثبات المباديء الدينية، اما الفلسفة عبرت هذا الاطار، وان لم تتركه نهائيا، بمعنى اخر، ان علم الكلام تستند على معطيات اللغة العربية و العقل المحلي الداخلي للوصول الى معاني تحليل موازي للعقل نفسه، و لكن عمل الفلسفة هو استخدام المصادر المعرفية الاجنبية و بالوثائق و الحوارات و التراث المعرفي للشعوب الاخرى، و به تتبرعم العقل المحلي بما توصلت اليه عقول الناس في الاعراق الاخرى لفهم الحرية والابتعاد عن ضغوط العقائد الدينية. و بهذا الشكل، فان الفلسفة العربية المجردة هي التي جسدت الحرية و الابتعاد عن ضغوط العقائد الدينية في علم الكلام، و كما يقول رينان، عندما يبحث احد عن الفلسفة الاسلامية فعليه ان يبحث في الجماعات الكلامية( 2)، لان هذا العلم، علم محلي و نتاج اول لصدام الميل و الاتجاه السياسي المحلي، قبل تتطلع هذه الحضارة عن النتاجات العقلانية للحضارات الاخرى، و على راسهم اليونانية. و ان كان هذا التوجه لرينان محل للوقوف عنده كثيرا و لكن هنا يجب ان نقول تلك الحقيقة، انه بمجيء الفلسفة اليونانية الى بيئة العقل العربي، اختلط علم الكلام بذاته بتلك المؤلفات و الافكار. يشير الشهرستاني في هذا الجانب بوضوح الى هذه الحقيقة، عندما يقول ( قرا شيوخ المعتزلة هذه الكتب الفلسفية التي تُرجمت في عصر المامون، و لهذا اختلطت مناهجهم بمناهج اهل الكلام) ( 3). و يقول بعد ذلك، كان هذيل العلاف شيخهم الكبير في ذلك العصر، وكما كان هو معلم معتزلي معروف و صديق قريب للمأمون.