الجزائر إلى أين؟

جلبير الأشقر
2019 / 3 / 13



كثُر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن «الربيع العربي» وقد كان من الطبيعي جدّاً أن يرى معظم المراقبين في الهبّتين الشعبيتين اللتين خضّتا ولا زالتا تخضّان السودان والجزائر مواصلةً لما بدأ في تونس وانتقل إلى مصر ومنهما إلى كافة أرجاء المنطقة العربية قبل ثمانية أعوام. والحال أن أوجه الشبه بين الحالتين المصرية والجزائرية على وجه الخصوص عديدة، ليس في السمات البنيوية المشتركة بين البلدين فحسب بل أيضاً في «سيناريو» الأحداث.
فلنبدأ بالتشابه البنيوي، ونقصد هنا سمةً مميِّزة للبلدين تكمن في أن نظاميهما يختلفان عن معظم الأنظمة العربية الحالية، ولاسيما الميراثية منها، في كون القوات المسلحة النظامية (وليس القوات الخاصة العسكرية والأمنية الخاضعة مباشرة للعائلة الحاكمة في النظم الميراثية) تشكّل عمودهما الفقري. فالجيش بكافة مكوِّناته هو مؤسسة الحكم المركزية في مصر كما في الجزائر، ولا تتحكّم بالسلطة أي عائلة بعينها (حتى لو شارك أقارب الرئيس في اغتنام الحكم). وتتعدّى وظائف الجيش بكثير نطاق «الدفاع» المعهود لدى الجيوش في الأنظمة المدنية إلى دور الإشراف المباشر على السلطة السياسية.
وقد تجلّت هذه السمة الأساسية في قيام المجلس الأعلى للقوات المسلّحة المصرية بإقالة الرئيس السابق حسني مبارك في اليوم الثامن عشر من انتفاضة الشعب المصري في عام 2011، وبعد أيام قليلة من بدء انتشار الإضرابات العمّالية في البلاد. بالطبع، تضمّن السيناريو إظهار الإقالة وكأنّها استقالة، لكنّ المسرحية لم تنطلِ على أحد. أما في الجزائر، فبات سيناريو مشابهٌ يدور أمام أعيننا. وبعد بضعة أسابيع من انتفاضة شعبية تميّزت عن الانتفاضة المصرية بأنّها قامت على التظاهرات بصورة طاغية بينما تمحورت السابقة حول التجمّع في الميادين، ها إن القوات المسلّحة الجزائرية ألغت مشروع التجديد الخامس لعهدة الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، وقرّرت التمديد لعهدته الراهنة لمرحلة انتقالية.


وقد اتّعظ قادة الجيش الجزائري بتجربة زملائهم المصريين كما بالتجربة التي مرّوا بها هم أنفسهم في مطلع عام 1992. في ذلك العام، أقالوا زميلهم السابق ورئيس البلاد، الشاذلي بن جديد، وتولّوا الحكم بصورة مباشرة (جرى تمويهها لوهلة بالاستعانة بوجه مدنيّ هو محمد بوضياف). وكذلك أقال قادة القوات المسلّحة المصرية في عام 2011 زميلهم السابق ورئيس البلاد، حسني مبارك، وتولّوا الحكم بصورة مباشرة. وكانت النتيجة في الجزائر أن انفجرت الأوضاع وغرقت البلاد في حرب داخلية ذات كثافة منخفضة لسنوات طوال، وفي مصر أن واجه المجلس الأعلى للقوات المسلّحة حالة اضطراب سياسي واجتماعي وهو مضطرٌّ لفسح المجال أمام تنفيس الحقد السياسي الذي تراكم طوال عقود، فكانت المحصّلة أن جماعة الإخوان المسلمين تمكّنت من إيصال أحد أعضائها إلى سدّة الرئاسة.
لذا فإن السيناريو الذي أخذ قادة القوات المسلّحة الجزائرية ينفّذونه حالياً يحرص على تفادي المطبّين الجزائري لعام 1992 والمصري لعام 2011. فيحاولون الحؤول دون فلتان زمام الأمور من أيديهم، ويعلنون عن مرحلة انتقالية يبغون خلالها رسم خارطة طريق جديدة لمواصلة تحكّمهم بمصير البلد. والحقيقة أن الإعلان عن تخلّي بوتفليقة عن الترشّح لعهدة خامسة وقرار تمديد عهدته الحالية حتى الانتهاء من الإعداد للمرحلة الجديدة، هذا الإعلان الذي هلّل له قسمٌ كبير من الجمهور وكأنّه نصرٌ ثوري عظيم، إنمّا لا يتعدّى ذرّ الرماد في العيون. والحال أنه سبق الإعلان قبل بضعة أيام عن أن بوتفليقة لن يستمر في الرئاسة سوى لعام واحد حتى يُستكمل تجهيز المرحلة اللاحقة. والفرق الوحيد هو أن الحكم ألغى الآن الانتخابات الرئاسية التي كان مُزمعاً عقدُها في الشهر القادم، ومدّد رئاسة بوتفليقة لوهلة محدودة وبصورة غير دستورية عوضاً عن «انتخابه» مرّة أخرى، الأمر الذي بات مستعصياً إزاء ضخامة السخط الشعبي.
أما السؤال الآن فهو: هل يلحق رئيس أركان الجيش «الشعبي»، أحمد قايد صالح، بمصير محمد حسين الطنطاوي، القائد العام السابق للقوات المسلّحة المصرية، فيعتبره سائر أعضاء القيادة العسكرية مسؤولاً عن النهاية الوخيمة التي وصلت إليها رئاسة بوتفليقة الصوَرية ويستبدلونه بعسكريّ آخر يكون رديفاً لعبد الفتّاح السيسي، سواءً تولّى الرئاسة مباشرة أو بواسطة دمية مدنية أخرى (مثلما فعل السيسي لمدّة سنة بعد الإطاحة بمحمد مرسي)، أو أن قايد صالح نفسه سوف يقوم مقام السيسي في السيناريو الجزائري؟
بالطبع، نأمل أن تتعدّى الجزائر دوّامة الحكم العسكري وتسلك طريق الديمقراطية على خطى تونس، جارتها. إلّا أن تونس لم يكن لديها قط نظامٌ عسكري، بينما كانت ولا تزال لديها حركة اجتماعية سياسية منظّمة مستقلّة عن الحكم شكّلت حجر الزاوية في المسار الديمقراطي، ألا وهي الاتحاد العام التونسي للشغل. وللأسف ليس لدى الجزائر ولا لدى أي دولة أخرى في منطقتنا رديفٌ اجتماعي (نقابي) أو سياسي (حزبي) للاتحاد العمّالي التونسي.
إن وجود مثل هذا الرديف وحده كفيلٌ بخلق ظروف سياسية يستطيع فيها الشعب كسب معظم رجال القوات المسلّحة إلى صفوف الثورة بحيث يمنعون تصدّي قيادتهم العليا للإرادة الشعبية، ويتيحون وضع البلاد على سكّة الخروج من الحكم العسكري إلى حكم مدني ديمقراطي. طبعاً، لن يتمّ ذلك بين ليلة وضحاها، لكن من قال إن التغييرات الثورية الكبرى في التاريخ تتمّ بين ليلة وضحاها؟