افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (50)

عماد علي
2019 / 3 / 12

احد الكتب الاسماعيلية القديمة الذي يمكن ان يُحتسب على انه في قمة ربط المباديء الامامية بالسياسة من الجانب الديني وفق ذلك النهج الباطني، هو الكتاب( الهمة في آداب اتباع الائمة) لل(القاضي نعمان) كاتب هذا الكتاب هو احد المرشدين للحركة الاسماعيلية في القرن الرابع و كان هو القاضي الاكبر للدولة الفاطمة في مصر. في هذا الكتاب يربط الكاتب بوضوح الجانب السياسي للعلم الالهي بالامام و تقديس مقامه الالهي بالدنيا، و بشكل ان يحلل على ان كل خروج و اعتراض و حتى عتاب او انتقاد للامام و الذين يمثلونه وهم السلطات الفاطمية على انه كفر و خروج من امر الله بذاته، جزء مهم من هذا التصور لسلطة الامام على الناس في هذا المؤلف له العلاقة مع الشخصية ذاتها التي كانت صاحب اكبر سلطة قضائية في حدود الدولة الفاطمية الاسماعيلية لمدة طويلة. الكاتب و منذ البداية و بعد ان يضع هذه الآية كدليل على وجوب الطاعة للامام (اطيعوا الله و اطيعوا الرسول او اولي الامر منكم) و في الكثير من الجوانب يطرح ذلك على انه يحتاج للطاعة و الايمان بالائمة.، و حتى عن الشخص الذي لم يعرف هذه الحقيقة و لم يعمل بها ، يقول، عليه ان يتوب من هذه الخطيئة الكبرى و يندم عن هذا الجرم، و لا تُقبل توبته الى ان يمتنع عن هذا الفعل و ان يرضى عن ما يرضون به و ان لا يغضب عن ما يغضبون به، وان لا يحب الذين يحبونه و لا يكره الذين يكرهونه و ان يؤمن بالكلام والفعل و النية، و ان ادّى ذلك الى هلاكه هو و اولاده و اهله و اقرباءه (18).
و ان كان يعترف بان الانبياء فوق الائمة الا انه يؤمن بان لا فرق بينهم في مسالة الطاعة. من هذا الجانب انه يعتقد اذا كان شخص يعبد الله و يطيع الله و النبي، ان لم يفعل بامر الامام، لا تُقبل عبادته ( 19) و في المؤلف ذاته يقول مرات و باشكال متعددة ان المسلمين كما يطيعون الله و يهابون منه، يجب ان يكونوا كذلك مع الائمة ( 20)، و بهذا الشكل، فان الامام و الذي بسبب تبعيتهم للامام اصبحوا سلطة، اي الامراء و الذين يسميهم ب( الحجة)، ليس لاحد الحق عليهم، و بعكسه هو لديه كل الحقوق على الناس، هؤلاء نعمة و ارسلهم الله و ليس شيء اخر (21). يفعلون اي شيء فهو الصحيح و يجب على المسلمين ان يقبلونهم بالقلب و الروح (22).
فبهذا الشكل يكون مقام الامام قريب من الله بذاته، الى ان هذا الكاتب و من زاوية اختلافات يربط لقاء الامام بلقاء الله بذاته في وقت الصلاة. لذا كما يجب الوضوء و تطهير النفس عند الصلاة، لانه حضور امام الله العظيم، فبالشكل ذاته يجب ان تغسّل نفسك و تمشّط شعرك و تجمّل نفسك و تلبس اجمل الملابس في لقاء الائمة. (23). في الوقت الذي يصل المسلم الى الامام يجب ان يقبّل يده و كذلك الارض الذي يسير عليها الامام و يقف عليها.(24). في النتيجة يكتسب الامام صفة الهية مقدسة و لعلمه طبيعة غيبية و سمائية. و يجب ان لا ننسى انه كانت في تلك العصور المباديء في المجتمع المؤمن الساذج و الاعتيادي الذي على سجيته و كان اميا كثيرا، و عليه كان له مؤيدين كثيرين و له تاثير كبير عى المجتمع الاسلامي، لذا عندما يتكلم الاسفراييني عن الباطنية في المجتمع الاسلامي، يقول ان هؤلاء و عن طريق ربط مبادئهم بالعديد من النصوص و الاسئلة الغريبة يخدعون الناس العوام و السذج، مثلا كسؤال ( لماذا يجب ان يُغسل الوجه عند الوضوء, في الوقت ان بطلان الوضوء هو مكان اخر؟ ما الحكمة و العقل الذي يحسن هذا؟ .. لماذا الصلاة المغرب ثلاث ركعات و الصبح ركعتين في الوقت ان احداهما في البداية و الاخر في نهاية اليوم. لماذا في الصلاة ركعة واحدة و سجدتان؟)(25). هذه الاسئلة السحرية و المعقدة و الانسان بطبعه يرغب فهمها، مما جعل يفتح الحظ امام الحركات و الاتجاهات الباطنية بشكل واسع ليكونوا حركات اجتماعية واسعة، لذا فان الاسماعيليين و من اجل اعطاء الحق لتلك التحليلات الفنطازية فانهم اعتمدوا على النصوص الدينية و التاويل الباطني لتلك النصوص، وانما بالشكل ذاته كثيرا و بالاستناد على الدلائل الدنيوية ارادوا ان يبيّنوا ان وجود الامام وطاعته و الالتزام به حاجة عقلية ايضاو. في هذا الجانب بدن شك فان كتاب ( احمد بن ابراهيم النيسابوري) الذي ولد في نهايات القرن الرابع الهجري و بعنوان( اثبات الامامة)، فهو ابرزهم و اشهرهم. انه وفي مقدمة الكتاب، يطرح المباديء الاسماعيلية حول الامامة و بهذا الشكل ف( تكون الامامة في قمة الدين و مبادئه, والتي يقف عليها كافة شؤون الدين و الدنيا، يرتبط بها خير البداية و النهاية و تنظيم شؤون العباد. اعمار البلاد و تثيب الافعال في يوم الاخرة، و نصل طريقه لفهم التوحيد و رسالة الله بالدلائل و الاثباتات. و هو رمز للشريعة و التوضيح ( 26). و بعد ذلك يقول؛ ان الانبياء مؤقتون و الائمة دائميون، لذا لا يوجد عصر لم يكن فيه امام، و عليه فان واجب الامام اكثر من واجب الانبياء، و عليه وبكلما لديه من القدرة العقلية و الكلامية و الفلسفية، يسخر كتابه لاثبات تلك المباديء وفق الدلائل العقلية، لانه وكما يقول هو بنفسه في البداية هناك نتاجات اخرى كثيرة حول برهان الامامة في الدين بالاعتماد على الدين بذات،, و ما بقى هو اثباته عن طريق العقل، هذا هو جوهر مؤلفه.
و بهذا الشكل فكما كان الاسماعيليون اقوى و اخطر حركة سياسية مناوئة لسلطة الخلافة الاسلامية السنية، و بالحد ذاته كانوا اكبر جماعة اسلامية مستفيدة من الفلسفة الدينية الغنوصية الباطنية في صناعة خطاب معارضتهم، الى جانبهم و في ذلك العصركان الخطاب الماني و الايراني المشابه، و عن طريق الشك و الانتقاد ضغطا دينيا و سياسيا على المجتمع و السلطة، بمعنى اخر ان الغنوصية كاتجاه ديني في المستويين الاول الداخلي الذي كان عبارة عن ضغوط الاسماعيليين على السلطة السنية، و الاخر خارجي، و كان عبارة عن ضغط ديني ماني على مؤلفات الاسلام السني المعروفين بتيار الزندقة، لفصله عن الاسلام بذاته، و الثاني التيار الباطني لفصله عن التيار و المدرسة الدينية الاسلامية الباطنية. و في المقابل كانت الزندقة اتهام و عندما نسبت هذه الكلمة الى احد، بالمعنى ذاته يُعتبرهذا الشخص خارج الاسلام و حلل دمه، و بالشكل ذاته الباطنيين ايضا.