افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 42)

عماد علي
2019 / 3 / 6

الزمخشري و هو اشهر مفسر معتزلي في القرن السادس، حول هذه الاية، وبعد ان يعرّف ( المحكم) ب( الآيات التي لها المعاني المحكمة و واضحة ومكشوفة) و ( المتشابه) الآيات التي لها احتمال اكثر من معنى، و من ثم يقول ( ام الكتاب، اي مبدا هذا الكتاب الذي يُنسب اليه الآيات المتاشبهة و يُعاد اليه) ( 74) لكي نعرف معنى المتشابه، مثال على تلك الآيات المحكمات التي هي ام القرآن و المصدر و اساس الآية ( لا تدركه الابصار) اي لا تصل الاعين الى الله، و مثال عن الآية المتشابهة آية اخرى للقرآن في الحديث عن يوم الاخرة يقول ( وجوه يومئذ لربها ناظرة) اي في ذلك اليوم تنظر بعض الوجوه الى الله. و السبب هو اذا قلنا ان الاله يُرى في يوم الاخرة، اي له معنى الجسد، ولا يُرى شيء ان لم يكن له مكان، و من له المكان يعني لا يوجد في كل مكان، وهذا مما حدا بالمعتزلة ان يؤمنوا بان الله لا يُرى لا في الدنيا و لا في الاخرة، و القرآن بذاته يقول لا يمكن ان تصل اليه عيون الانسان كي يرونه. هذه الآية محكمة، لانه متجانس مع العقل، لذا الآية الاخرى التي في ظاهرها تعني رؤيته، متاشبهة و يجب ان نعيد معناها الى الاخرى ونسميها او نعطي لها معناها في الفضاء المجازي اللغوي، و في النتيجة نصل الى ان يوم القيامة ينتظرون المكافئة و الهدايا الالهية.
بالعودة الى الاساس الفكري للفيومي لتاويل الآيات المتشابهة في التورات، نرى ان له التوجه ذاته لدى المعتزلة، و حتى القاضي عبدالجبار المعتزلي يقول ( من الضروروي ان تُعاد الايآت المتاشبهة الى المحكمات. ( تُفسر بشكل) ان تكون مناسبة مع العقل، و العقل يطلب الحقيقة، لذا ان كانت متجانسة و متوافقة (اي التفسيرات) مع الدلائل العقلية تُقرر صحتها، و من كانت مخالفة ، تٌقرر بشكل ان تكون متوافقة و متناسبة معه ( 75). و هذا ليس متناسب و متوافق مع توجه الفيومي فقط و انما هو التعبير و الشكل ذاته . فيومي سمى الآيات المحكمة للتورات ب( الاقوال الفصيحة)، اي قول مجرد و واضح، لذا بالشكل ذاته عند القاضي المعتزلي ( و كانه اخذه منه) يقول ( هذه الاقوال الفصيحة المعتمدة على المباديء، يجب ان يُعاد كل حديث متاشبه اليها بشكل يمكن ان يتناسب مع مجاز اللغة ( 76).
بعد ذلك، فان القاضي عبدالجبار المعتزلي ياتي بامثلة لآيات محكمة و التي تعتبرها كمركز لتاويل جميع الآيات المتشابهة و يقول : اية ( ليس كمثله شيء) محكم، و لكن الآية ( وجاء ربك) متاشبه، اي لمعرفة معنى الآية الثانية يمكن العودة الى الآية المحكمة، و هذا هو العقل، و بهذا فتعني الآية( جاء امر الله) و ليس الله بنفسه، ان سبب وجود هذين الشكلين للآيتين من اجل ان يستعمل الناس عقلهم و يفكروا في القرآن و يتعلموه فقط ( 77).
هذا الخوف لتشابه الله بالمخلوقات، ما جعل من العديد من الجماعات الاسلامية الكلامية و غير الكلامية في الثقافة الاسلامية ان يؤيدوا اللاهوتية السلبية، اي هؤلاء الذين عرفوا الله على رفض صفاته بدلا من اثباته، كما هو الجهمي و المعتزلة و الصوفية ايضا. و كمثال ابو الحسن الاشعري، يقول: المعتزلة متوافقون عن ان الله واحد و لا يشبهه شيء و يرى و يسمع، ليس بجسد و لاظل او شبح له و ليس بجسم و ليس بلحم و دم و لا صورة و ليس بشخص و لا جوهر و لا عرض, ليس له لون و لا طعم و لا رائحة و ليس له الحرارة و لا البرودة ... ولا .. و لا.. (78)، و هذا جوهر المباديء التوحيدية عند هذه الجماعة، و الذي بدلا من اثبات تلك الصفات التي تعطي معاني جسدية فانهم يرفضونها. و بالشكل ذاته، الفيومي يقوم بتاويل مجازي يرصف عدد من الآيات التوراتية باللغة العبرية، و كما يقول بنفسه انها دلائل على ان اهلي لا يشبه مخلوقاته من اية جهة كانت، وحتى في النتجية يصل الى ان يؤمن بان ما يمنح معاني لهذه النصوص والتي هي متشابهة يجب ان تُؤّل بالدلائل العقلية و الكتب و المنقول ( 79).
من الجانب العقلي، ان تلك الصفات هي التي( يقول لنا عقلنا انها تحتاج الى خالق، لذا راينا انه لم تبق لدينا شيء( اي من تلك الصفات) ان لم تخضع لما يجب ان يكون هو خالقه. و من جانب اخر انها نقلت متسلسلا ( علماء امتنا الذي حفظوا على ايدينا، ان رئوا تلك المتشابهات في اي مكان، لم يترجموها جسديا و انما اعادوها الى اصلها السابق، هؤلاء طلاب الانبياء و اكثر حكمة و معرفة بكلامهم.