عن الرؤساء الخالدين والجنود المجهولين

ملهم الملائكة
2019 / 3 / 4

يصنع الرئيس مجداً لنفسه في كل حرب ثم يبيع الموضوع لشعبه على أنه مجد قومي، وللعالم على أنه حق وطني، وهكذا تدور عجلة اعلام الدول المحاربة. الرئيس يوزع الأوسمة والمكاسب ويعيش ترفه المطلق، والجنود يموتون بلا هوادة في حروب لا يفهمون سببها.

الحروب غالباً يطلقها رؤساء لم يعانوا أهوال الحرب في حياتهم، وهكذا يكون دم الناس ومشقات حياتهم وأهوال الحروب عليهم شيئا غير مذكور في أجندات الرئيس. الرئيس غالباً، يشعل الحرب وينهيها وهو في مكتبه الأنيق، تأخذه سيارة ليموزين وموكب طويل عريض من سيارات المرسيدس إلى بيته وإلى المناطق الآمنة في جبهات القتال وإلى مكتبه وإلى فنادق النجوم الخمس لشرح وجهة نظره عن الأمن القومي، وللقاء الصحفيين من مختلف وسائل الإعلام المحلية والدولية ليبرر لهم أسباب إعلانه الحرب، وأسباب استمرارها، وليرد على أعدائه في الجبهة المقابلة حججهم في نحورهم !
*الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التقى بالرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ. بحث الرئيسان قضية الترسانة النووية الكورية، ولم يسأل أحد عن الترسانة النووية الأمريكية الوحيدة المجربة في العالم على رؤوس سكان هيروشيما وناكازاكي الذين ساقهم إمبراطور الشمس هيرو هيتو مرغمين بقوة السيوف إلى ميادين القتال الملتهبة . دونالد ترامب لم يشارك في حروب بلاده، رغم أدائه الخدمة العسكرية إبان الحرب الفيتنامية الأمريكية، وبقي مترفاً مدللاً وقد ورث الملايين عن أبيه. كيم جونغ هو الرئيس الضرورة الأوحد الشيوعي الذي ورث الكرسي الرئاسي أباً عن جد، وقد درس في سويسرا رغم أنف شعبه الجائع، وطريقته المفضّلة في الإعدام هي الرمي بالرشاشة 14,5 ديمتروف وهي فخر صناعة كوريا الشمالية، وهو مستعد اليوم، أن يبيد ثلثي شعب بلاده في حرب نووية قد تخرب الكرة الارضية إلى أبد لكي يظهر للعالم أنّ الكلمة له في النهاية!
*ولعل من أشد الحروب عبثية وسفاهة حرب ليبيا وتشاد، التي قادها معمر القذافي - الثوري الذي لم يطلق رصاصة واحدة في ميدان حرب - من خيمته الخضراء الصحراوية، وخاضها في الجانب التشادي مسلمون ومسيحيون قادهم بالتناوب الجنرال حسين حبري والجنرال گوكوني واداي. استمرت الحرب من عام 1978 وحتى عام 1987. وهي مليئة بالمضحكات المبكيات، وقصة معبّرة عن الفساد. فالقذافي غني عن التعريف، صناعة عبد الناصر التي أراد بها هداية شمال أفريقيا إلى مشروع الوحدة العربية والفكر القومي، وحبري وواداي، هما مثالان على جنرالات أفريقيا الفاسدين، الذين يبدلون ولاءاتهم مثلما يغيرون ثيابهم، ويوزعون الموت والدمار أينما ساروا في بلدانهم.
لا أحد يعرف حجم الخسائر في السنوات التسع، لكنّ الجندي الأفريقي الجائع العاري الحافي المسكين لم يكن يعرف قط أنّه يموت لأنّ القذافي اشترى الجنرال واداي، وعليه أن يشارك في دفع الثمن بدمه وبخراب بيته وتشرد أسرته وأسرِ بناته واستعبادهن سبايا لدى الجنرالات أو لدى امبراطور ليبيا غير المتوج.
*أما الحرب العراقية الإيرانية فقصة محزنة منسية أخرى، ففيما لم يعرف روح الله خميني غير سجاجيد الحوزات العلمية وصفوفها على مدى عمره المديد، فإنّ صدام حسين في الجانب العراقي كان هارباً من الخدمة العسكرية طبقاً لقانون الخدمة العسكرية رقم 65 لسنة 1969، الذي سنّ في الدولة العراقية حين كان صدام نائبا لرئيسها!
بقي خميني يحث المراهقين المساكين من شعبه المظلوم على الذهاب الى "ميادين الدفاع المقدس" للدفاع عن بيضة الإسلام، ودولة الموطئين للظهور، موزعاً عليهم مفاتيح الجنة، وكتيبات مفاتيح الجنان، والصحيفة السجادية، ليفتح بهم حقول الألغام التي يزرعها العراقيون مرغمين بوجه المساكين الذين يقودهم عادة فارس يمتطي حصانا أبيض ويرفع راية المهدي المنتظر،(شهدتُ هذه الواقعة شخصياً عدة مرات في 3 مناطق من جبهات حرب السنوات الثمان).
هل كان خميني يعرف هموم الجنود المساكين، وكيف يتنقلون إلى جبهات القتال؟ أم هل سمع بضعف التسليح الذي كان تعاني منه القوات الإيرانية "جيشا وتعبئة وحرس ثورة"، والذي كان يتم تعويضه بالزج بالحشود التائهة وقوداً لرشاشات العراقيين وحقول ألغامهم؟
خميني لم يستطع أن يذهب مرة واحدة إلى ميادين القتال، وحتى لو كان ذهب ما كان ليصل إلى مناطق تعرضه لنيران العراقيين. ومع ذلك ، ورغم أنه لا توجد إحصائيات رسمية، فقد خسرت إيران مئات ألوف القتلى، وعشرات ألوف الأسرى والمعاقين والجرحى، كما دُمرت عشرات القرى والمدن، ونزح ملايين الإيرانيين، وكان جواب خميني - بطل الحرب الإيراني- دائما عبارة واحدة يتندر منها الإيرانيون حتى اليوم" المؤمن مبتلى".
صدام حسين في الجانب الآخر، كان يقود جنرالات متمرسين ويفرض عليهم إرادته الجاهلة، وهو لم يعرف كيف يلبس الجندي حذاء الخدمة، وضاعت أعمار شباب العراق في حروب متعاقبة لأنّ أغلب الجيش العراقي كان جيش المكلفين والاحتياط. الضباط الدائميون كانوا يجنون النياشين والبيوت والسيارات، والضباط المجندون كانوا يقودون الجنود المكلفين إلى حتفوهم ويموتون معهم.
الجندي والضابط المكلف والاحتياط المسكين، كان عليه أن يحير بطعام أسرته، وأن يعيش مع أهله بعياله ومصاريفهم، وحين يعود من إجازته لا يزيد ما في جيشه عن أجرة الطريق، لأنّ الرئيس الضرورة قرر أن يرد على اعتداءات المدفعية التي شنها "الفرس المجوس" بقادسية اسماها "قادسية صدام"!
صدام حسين كان يتنقل على قيادات الفيالق- كلها في مدن العراق بعيدا عن مرمى الهاونات والأسلحة المتوسطة ومدفعيات الميدان- ومعه يتنقل مطبخه الجوال! فيما يأكل الجندي الرقي صيفا ليل نهار، وصمون الجيش اليابس والمرق العاري عن اللحمة على مدار السنين.
الجنرالات كانوا يحصدون السيارات والبيوت والمزارع والأوسمة وأنواع الامتيازات، لكن رقابهم كانت على شفار الحراب والمشانق لدى أيّ زلة.
أليست هي قسمة ضيزى؟ من يثيرون الحروب ويدمرون الحياة لا يذهبون ولا أبناؤهم إلى ميادين القتال.
بون- شتاء 2019