نقابة المحامين العراقيين بين قانون السلطة وخيار التنظيم

عباس علي العلي
2019 / 3 / 4

نقابة المحامين العراقيين بين قانون السلطة وخيار التنظيم


التنظيم النقابي بكل أشكاله وتاريخه هو خيار جماهيري شعبي ينطلق من حماية مصالح فئة أو مجموعة من الناس تؤطرهم عناوين مشتركة أو مصالح تتضامن فيما بينها على أساس رؤية مشتركة وموحدة لتحقيق هدف مشترك، لذلك كانت النقابات في غالب تاريخها تشكل جزء من الوعي المدني الشعبي في مواجهة السلطة أو أصحاب العمل الذين يحاولون أستغلال الإنسان لمصالحهم الشخصية في صراع طبقي أو تنظيمي داخل مؤسسة المجتمع (الدولة)، لذا فالعمل النقابي وحق التنظيم ظل لسنوات عديدة جزء من النضال الجماهيري الذي يعيد للمجتمع توازنه الطبيعي ويؤكد مدنيته، فلا غرابة أن هذا النضال العالمي والمحلي أثمر عن مبادئ أممية صارت جزء من القانون الدولي ومظهر من مظاهره، فقد اكد الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ديسمبر / كانون الاول / 1948 في البند (4) من المادة (23) ان (لكل شخص الحق في ان ينشئ وينظم الى نقابات حماية لمصلحته)، وتصاعد هذا الاهتمام الاممي بالحرية النقابية حيث نصت المادة (8) في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي اعتمدته الجمعية العامة للامم المتحدة في 16 / كانون الاول / 1966 على تعهد الدول الاطراف في هذا العهد (بكفالة حق كل شخص في تكوين النقابات وفي الانضمام الى النقابة التي يختارها لتعزيز مصالحه الاقتصادية وحمايتها).
من هنا يمكن فهم دور النقابات على أنها الجزء المنظم ذاتيا من قبل الأفراد المنتمين لها في تأطير مشروعية وجودها من خلال النظم الداخلية وقرارات الهيئات العامة المؤسسة أو التي تستطيع أن تنشيء من خلال خياراتها المحدده ما تراه مناسبا لتحقيق أهدافها وغايتها، ودائما هذا الحق مرتبط بما لا يخالف النظام العام وقوة الدستور خاصة في الدول الموقعة على الأعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدة الدولية أنفة الذكر، إلتزاما بتعهداتها المعلنة ومسؤولية التوقيع عليها، في بعض البلدان المنظمة للأمم المتحدة والموقعه على ميثاقها وعلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدة الدولية، تحاول بشتى الصور وتناور عل تحريف هذا الحق وأحيانا تتجاوز عليها من خلال تدخلها في عمل النقابات أو من خلال مسخها بتشريع قوانين سلطوية لها تبرر فيه الحاجة إلى أن يكون التنظيم النقالبي جزء من المنظومة التشريعة، وهناك أساليب لا تمت للنقابية المهنية تفتعلها السلطة لتجنب المواجهة المباشرة معها.
نقابة المحاميين العراقيين واحدة من أقدم النقابات في المنطقة وأقدم نقابة مهنية عرفها التنظيم النقابي في العراق، ولعبت دورا سياسيا وأجتماعيا ومهنيا في فترات التأسيس الأولى، حتى أضحت واحدة من أقوى المؤسسات الأجتماعية التي واجهت السلطة وأثرت في القرار السياسي والأجتماعي في العراق، فبعد تأسيس الدولة العراقية صدرت مع بداية الحكم الملكي، واستناداً لقوانين عثمانية سابقة او تقاليد دستورية متبعة في الدول الاخرى قرارات من الحكومة بتأسيس مجموعة من النقابات والجمعيات والنوادي منها نقابة المحامين 1918، الجمعية الطبية العراقية 1921، جمعية العمال 1928، جمعية تعاون الحلاقين 1929، جمعية اصحاب الصنائع 1929، وغيرها من المؤسسات رغبة منها في مسايرة حالة التطور والتمدن التي فرضتها سلطات الأحتلال البريطاني للعراق ولأسباب أخرى.
في العهد الملكي كان لنقابة المحامين حضورا سياسيا وأجتماعيا بالغ القوة والتأثير لما كان للمحامي العراقي من دور سياسي وأساسي في صنع العراق والتأثير عليه، حتى كان أسترضاء النقابة من قبل الحكومات شرط أساسي لأستمراها في الحكم، في الجانب الوطني والمحلي فأن نقابة المحامين لها الدور المحوري والأساس في تحريك كافة النشاطات الوطنية والقومية، بل كانت تقود المظاهرات التي تؤدي الى اسقاط الحكومة وأن أغلب الحكومات في العهد الملكي لا تخلو ممن يتبوأون المناصب الوزارية من المحامين، بل ان نقابة المحامين كان لها اليد الطولى في كتابة بيان ثورة 14 تموز 1958 كذلك كتابة الدستور المؤقت لتلك الثورة من قبل المرحوم المحامي حسين جميل، ووصل الأمر ان وزارة الداخلية سابقا” في العهد الملكي لاتمنح رئاسة تحرير لصحيفة مالم يكن رئيس التحرير محاميا مهنيا ضمن تنظيم النقابة.
في دساتير العهود الجمهورية بقي فيها شعار الالتزام بحرية تكوين الجمعيات والنقابات بالوسائل المشروعة وعلى اسس وطنية مكفولة حددها القانون، وزاد بعضها بكفالة حرية الاجتماع والتظاهر وفق اغراض الدستور وفي حدود القانون (مادة 26 من دستور 16 تموز 1970) مثلا، لكن النصوص بقيت حبرا على ورق حين تدخلت الدولة بتشريع قانون لنقابة المحامين العراقيين وكأنه مفصل من مفاصل السلطة، وأخضعت النقابة لمفاهيم حزبيه وتحت سيطرة ما يعرف بمتب التنظيم المهني في الحزب وتحت إشرافه مما جرد النقابة من قوتها وتأثيرها على الشارع حتى في القضايا التي تتعلق في العضوية والإنتساب، وبذلك أفرغت معنى التنظيم النقابي الحر من محتواه، وقد بقي هذا التأثير لليوم طالما ما بقي قانون المحاماة النافذ ذي الرقم 173 لسنة 1965، الذي ما زال يشل حركة التنظبم النقابي الحر والحقيقي.
أعتنى دستور 2005 بكفالة الدولة لحق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية والانضمام اليها ، وان ينظم ذلك بقانون (مادة 22)، دون أن يشترط أن يكون للسلطة التشريعية أو غيرها سلطة أو تدخل في صياغة العمل النقابي وشكله، وكان على مجلس النقابة وبناء على الحقوق الواردة في لدستور وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدة الدولية أن تطعن بعدم دستورية قانون نقابة المحامين كونه يمثل السلطة وتوجهاتها وليس إرادة الجمعية العامة أو الهيئة العامة للنقابة، وأن تبادر من فورها بتشكيل لجان قانونية لوضع النظام الداخلي لها وصياغة قانونها الخاص ليعرض على الجهات المختصة ووفقا للقانون، بأعتبار أن النقابة تعتبر واحدة من منظمات المجتمع المدني ومن غير المنظمات الحكومية وهي المسئولة عن تنظيم أفرادها بما يعرف بالنظام الداخلي الذي هو جوهر وجودها.
يتكرر الخطأ الآن ومرة أخرى حين يتدخل البرلمان وهو السلطة التشريعية المسئولة عن إدارة مفاصل الدولة تنظيميا لتشرع قانون محاماة جديد حتى وإن أشتركت النقابة مع السلطة التنفيذيه في وضع أسسه وصياغته، هذا تعدي حقيقي ولا دستوري ولا يتوافق مع مفهوم الديمقراطية والعمل المدني، وكان على النقابة أن تعمل ومن خلال مؤسساتهاالتنظيمية على وضع قانونها الخاص ومن ثم إكسابه الشرعية القانونية من خلال موافقة الجمعية العامة عليه ليكون قانونا لها بضمن لها الإستقلالية وأهل مكة أدرى بشعابها، ما زالت العقلية السلطوية لليوم مع كل ما جاء في الدستور من ضمانات للحقوق السياسية والأجتماعية وأعلان صريح وواضح بعدم مخالفته للشرائع الأممية والقانون الدولي، إلا أن السلطة التنفيذية وحسب فهمها لموضوع سن القوانين هي التي أحلت نفسها محل الهيئة العامة لنقابة المحامين ومنسبيها لتسن مشروع قانون للنقابة وترسله إلى أدراج مجلس النواب الذي يرى بنفسه المسئول الأول والأخير عن التشريع في لبلد حتى في القضايا التي لا علاقة له بها.
إن إنقاذ العمل النقابي بشكل عام ونقابة المحامين العراقيين ومستقبلها ومستقبل أعضائها مرهون بموقف قانوني وسياسي شجاع يستعيد لها ولكل النقابات جوهر العمل التنظيمي المستقل، دون تدخل من الدولة ومؤسساتها إلا في حدود ما يخالف القانون والنظام العام، وأن تتبنى سعيا قضائيا وقانونيا و سياسيا هي أهلا له لأستعادة تاريخها المجيد ومساهمتها في حماية القانون والدستور والعمل القانوني والقضائي من عبث أجهزة الدولة وتدخلها اللا شرعي في ذلك، ونأمل من النقابة في ظل أنتخابات يوم 7-3-2019 وما سيرشح منها قيادة جديدة أن تترجم هذه المفاهيم وأن تأخذ بيدها بزمام الأمور أحتراما للمهنة وأحتراما لتاريخها الوطني المشرف.