موحش طريق الحق

جعفر المظفر
2019 / 3 / 3

ومثل آخرين فإن ما أطمح إليه هو خلق مساحة فكرية واعدة تأخذ على مسؤوليتها نقد جميع التجارب السياسية والعهود السابقة دون تقديس لأحدهما على حساب الآخر وذلك حتى تثق الناس بنا وترغب في دخول المساحة التي نزعم أنها تستحق ان تكون المساحة الوطنية والأخلاقية الجديدة القائمة على نقد الذات أولا , إذ كيف يمكن لـ (بعثي) مثلا أن يقرأ نقدا لحزبه من (شيوعي) ما زال يؤمن أن الشيوعيين لم يخطئوا أبدا, وكيف يمكن أن يكون ل (شيعي) أن ينتقد "سنيا" ما لم يتكرم علينا أيضا بإنتفاد نواقص الفقه الشيعي ورؤاه السياسية.
والآن كيف تريدني أن أتحاور مع صديق عزيز يقول لي أن (المواطن لم يكن خائفا من صدام إلا حين مخالفته للقانون) في حين أن الكل يعلم أن عشرات من العراقيين كانوا قد أعدموا أو سجنوا لفترات طويلة لمجرد روايتهم لنكتة تسيء إلى رئيس الدولة في حين أن قانون العقوبات البغدادي يحدد العقوبة بالسجن ستة شهور في الأقصى كما كان يحدث مع عبدالكريم قاسم.
لقد تحولت دولة (البعث) إلى دولة أمنية ومخابراتية من الطراز الأول وحيث كان لمجموعة من أهل الحكم سجونهم الخاصة بهم مثل عدي وحسين كامل وغيرهم .. أم تريدني أن أطيل عليك بأمثلة تؤكد على أن شعب صدام وحتى حزبه كان في حالة خوف دائم وأن كثيرا من الناس كانت تخاف من الحيطان التي صارت لها آذانا تلتقط الحوار بين الزوج وزوجته, فأين هو حكم القانون في هذه الحالة ؟ ومن الذي كان يجب أن يُحكم بتهمة مخالفته للقانون الوضعي والقانون الأخلاقي : الناس أم الحاكم ؟؟؟
إن واجب البعثيين تجاه حزبهم قبل ان يكون تجاه شعبهم أن يراجعوا المسيرة السابقة وأن ينتقدوا ممارساتها القمعية واساليبها البوليسية, وإلا فإن قطار التاريخ لن يحمل أحدا أثقاله أكثر من المسموح بها.

إن المبدئية لا تتقسم ولا تتبع العواطف والأهواء.
ومساوئ وجرائم صدام لا تمسحها جرائم النظام الطائفي العميل الفاسد الحالي.
وإلا لكنا مثل الذي يُبيِّض الأموال التي جناها من تجارة المخدرات في سوق بيع الأدعية وحجاب النساء وسجادات الصلاة.

إن القول بتبعية هذا النظام وعمالَتِه وفساده يجب أن لا ينسينا ان صدام كان قد جلب لنا الكارثة وخاصة بدخوله للكويت وإصراره بعد ذلك على البقاء بالحكم رغم كل النصائح التي طلبت منه ذلك مما شجع إدارة بوش على إبقاء الحصار وشن الحرب المقيتة التي نتج عنها غزو العراق بكل نتائجه الكارثية.

ثم تعالوا أيها العقلاء نتحدث : صدام كان قد صاعد جرائمه الفعلية بقتله لقادة الحزب وكوادره بعد تنحيته للبكر قبل أن يلحقها بمسلسل جرائمي لغرض أن يضع العراق كله في جيبه وجيب عشيرته. فهل ننسى ذلك بإدعاء أن قولا كهذا سوف سيصب في صالح النظام الحالي.
إن هذا هو ما يتحدث به أصحاب النظام الفاسق الحالي إذ أن أصحابه غالبا ما يلجئون إلى الحديث عن جرائم صدام لغرض أن ينسى الناس جرائمهم الحالية.
وعندي أن هذا يشبه ذاك, إذ كلاهما وكأنه يعمل في سوق تبييض الأموال التي كسبها من تجارة المخدرات.
أعرف أن طريق الحق موحش لقلة ساكنيه, لكنني مع ذلك سأمشيه.
والمخلص منكم من يضع مصباحا على رصيف ذلك الطريق أو حتى أن يشعل شمعة.