شارع الحرية 8

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 3 / 3

تختلف البدايات دوما فهي ذات نكهة ساحرة، هي نكهة الجديد. فأولى مغامرات التدخين خلسة وتـتبع تـسرب الدخان واقـتـفاء ما يثيره في الدماغ له نكهة لذيذة يفتـقدها الانسان حين يدمن التدخين، الذي يغدو عملا روتينيا فيغيب عنصر تأمل حركاته الجزئية.
إنه قد أدمن حضور آلهته في عالمه الباطني حتى أصبحت هي المحدد لجل تصرفاته. فمثلا، في تدوينه لمذكراته لا يمكن لك ان تـقـف على التواريخ الفعلية الواقعية الا من حيث السنة، أما تحديده للأيام وتواريخها فهو لا يسجل التاريخ الفعلي وانما ما يحلو له. بالنسبة للأشهر الاثنا عشر من السنة فإنه لا يؤرخ الا بشهر سبتمبر، اما اليوم فعادة ما لا يكون هو فعلا اليوم الفعلي، وكثيرا ما كان عدده في الشهر ليس بالعدد الفعلي. فمثلا حين يسجل الثلاثاء 11 سبتمبر 1994 فهو عادة ما لا يكون الثلاثاء بالفعل وعادة ما لا يكون 11 بالفعل، وهو لا يكون شهر سبتمبر.. ذاك ان هذا الشهر هو شهر العودة المدرسية التي كان ينـتـظرها بفارغ الصبر لثلاث سنوات من الثانوية. العودة المدرسية التي تعني عودة الروح بشكل من الأشكال. انها التي تعني عودة الإلتـقاء بوجهها كل يوم وان كانت لا تلاحظ آلهته (مثلما يسميها) تهافته لرؤيتها.. شهر سبتمبر هو شهر البدء الأبدي المتكرر او العود الابدي بمثل ما قال الفيلسوف الألماني "نيتشه". العود الذي تكتمل فيه الدائرة نحو نقطة البدء. هي البدء والمنـتهى اللانهائي. البدء منها والبلوغ اليها وهكذا دواليك. بهذا المعنى يـبـدو منـطـقـيا جـد ان يسـميها آلهـتـه..
قصته مع الآلهة ربما بمثل "غروب الآلهة" لـ «فاغنر". الغروب ليس بمعنى نهايتها باعتباره نهاية نهار اليوم، ولكن بمعنى انبثاقها في عالمه الباطني بشكل أصفى وقت الغروب وما بعده، بحيث يؤوب الى نفسه بهدوء بعد ضجيج النهار وحركته. فالغروب ليس رمزا لموت الآلهة فالآلهة زمنها مطلق، بل حياتها بشكل أصفى وأوضح اشراقا للقلب..
بما هي اللحظات كذلك تـنبثـق من الوجود كخيط فعال للرابطة الخـفية الغامضة، فإنه لا محالة لا ريب في نفس الوقت لأي داع جنوني يمكنه ان يتمخض عن لحظة مصيرية فاعلة بقدر ما هي صيرورة حياة في النهاية لا نعرفها أبـدا. لا نعرف حقيقـتها. نعيشها دون ان نعرف حقيقـتها. يا للريب الكبير. يا للمخاض العسير. يا للجوهر المستعـصي عن الانكـشاف.. او ربما بكل بساطة يا للعقل الإنساني الصغير.. بلا ريب أكثر وأكثر بل أكثر امتدادا من أي أكثر، فيا له من مسير تائه في طرقات وجدنا أنـفـسنا فيها. أنـفـسنا التي هي مهما كانت فهي ليست هي. انها محدودة في هذه الطرق. انها موضوعة. انها محاصرة بالجدران. انها مسجونة في بهتانـنا الذي هو من عالم البهتان المضلل.. يا للروح التائه.. يا للروح الشقي.. يا للسفن الغارقة في أعماق البحار.
ما أن تـتراءى البدايات حتى يضمحل بشكل نهائي كل وجود باعتباره منبثـق عنه، وبالتالي فهو هو برغم ما هو ليس هو. ما نكاد نصغي للنداء الداخلي حتى تـتراءى لنا تـفاهات وتـفاهات ما نعايشه في يومنا الآني الركيك الممل، فينعصف القلب في ذاته بدوره كنداء مطلق دائم الحضور للبدء المتجدد دوما بكل بهائه ونصاعته وشفافيته العظمى النورانية، فيضيء القلب سواد أيامنا او مختلف تلويناتها. فحتى الأيام الوردية هي بمثابة الرداءة بالنسبة للبياض النوراني الشفاف المضيء. الوردي لا يشع بذاك الضياء المبهر في القلب. ذاك الإشراق الروحي العظيم.. لأجل ذلك. فعلا لأجل ذلك. كم تصفع كل قول أجوف بنفي الروح. إن عدمنا الروح فماذا تـبقى لنا؟ خرقة بالية تعصف بها رياح الوجود الكوني المدمر. مجرد تراب تكون ويعود الى التراب. يعود ليتـناثر من جديد ترابا. يا للفظاعة دون روح، ولكن كذلك يا للفظاعة ان تسجن الروح في تـشكيل واحد. عادة بشرية عبثية لأن الروح دائم الانفلات..
الروح ينـفـلت دوما او بالأحرى عصي هو عن كل تـشكيل. التـشكيل نـقوم به لاستحضار الروح وهو قد يلبي النداء فينبثـق من أعماقـنا حين نغـوص اليه بوعينا ولكنه سريع الانـفلات، ما ان لم تـنـفـلت أحابـيل الوعي لملاحقـته في مناداته، وفي ذلك حركة لأجسامنا وجميع حواسنا ووعينا وبالتالي حركة للوعي فيشكل مفاهيمه من جديد، ولكن يأتيك أصحاب العقول الضعيفة وهم الأغلبية واللذين حصروا الروح في الشكل الذي انتهى اليه ولم ينتهي اليه، ولكن خيل لهم ان الامر قد انغلق وانـتهى وما انغلق الا هم، لأنهم بطبعهم ثـقيلي الحركة بعقولهم الصغيرة وغير قادرين على الوثوب. هؤلاء العاجزون يحكمون جل التاريخ. يحكمون الأصحاء ويقـتـلونهم أحيانا.. جل فترات التاريخ يحكمها العاجزون. لأجل ذلك فالإنسان بطيء التطور. انه سلحفاة..
ولكن روح العالم يهجم علينا ويحاول اقـتلاعنا من ذواتـنا. تسير دروبنا بنا. نلمح أنفسنا من وراء بلور شاحب. هكذا فالحياة ساحة حرب أو الحرب هي تركيز للحياة وتكثيف لها في زمنية محددة. ما الحياة الحقة الا موت حاضر دوما. في الحرب الموت حاضر بشكل مباشر، والجبن في الحرب تهمة عادة ما تستحق عقوبة الإعدام. شيء فظيع هو الامر في ظاهره، ولكنه في عمقه ذو معنى ان الجبن في النهاية هو عاطفة تعبر عن بلادة في الوعي او انحباس له وعجز عن تمثل عمق الحياة بما هي موت، وبالتالي فان المواجهة والقتال هو الحياموت بما هو التعبير العميق عن الوجود وأحقية استحقاقـه. وبالتالي فان إعدام الجبان في الحرب او الهارب من الجبهة هو بكل بساطة إخراج الدخلاء على الحياة منها.
روح العالم بما هو كلي فتعبيراته كلية، والحرب أكبر تجلي لعنفوان الوجود. لكن أشكال الحرب مختـلـفة. البشرية تسير نحو استهجان الأشكال التـقـليدية لها، وهي التي لا زلنا نعيشها الى الآن وهي المواجهة العدوانية المباشرة بين الأجساد الآدمية. تـتجه البشرية نحو الحرب الافـتراضية والحرب السياسية والاقـتصادية والفكرية أكثر فأكثر، وبعدها في سلسلة التطور سيعم شكل الحرب الروحية وهي التي تـذوب فيها الذات كليا في الذات الأخرى بحيث لا تكون الذوات ذوات أي ذرات مستـقـلة بل تـذوب في بعضها بعضا، وتـتجلى بوضوح في ان يكون الانسان نفسه وما ليس هو في نفس الوقت، بحيث يكون آخره وآخره الذي هو هو في نفس الوقت..
انها الحرب العظمى التي يرتعب منها كل انسان. كل انسان يرتعب من تضيـيع نفسه او فـقدانها. في الحرب القادمة التي يقدم فيها الانسان على اماتة ذاته في الآخر المميت لذاته فيه في نفس الوقت، ستـتحقـق الكلية الكونية بشفافية ووضوح في الانسان، وسيتمكن اذن من فهم العالم أكثر ومن تطوير معارفه بل من تحقيق ثورة معرفية وحضارية وفلسفية ستمكنه من السباحة في الكون الرحب..
" لكني أعرف ان ذاك الزمان لم يحن أوانه بعد، وانه من المحال على الانسان ان لا يعيش زمانه، وجل ما يمكنه ان يحقـقه من وثوب الى المستـقبل هو عزف منفرد متـقطع. يا لي من تـقطعات. يا لي من تـقطعات وتمزقات.. يا لي من تمزقات.."..
***
في النهاية هي انسان. هي أنـثى. هي فتاة. فتاة المعهد. من هي هذه الفتاة؟ ما هي احداثياتها؟ من هي هذه الفتاة؟ انها الظل المتحرك في خلفية مسرح حياته. هناك. في الأعلى. في أعلى مستـوى من الركح. هناك تـتحرك كالشبح لتغيب. لتغيب وتـظهر وتغيب.. انها الظل. انها ما لا يمكن ان يتجسد فالروح الثـقيل يقف حائلا أمام التجسد. لذلك لا يمكنه تـدميره والخلاص منه كما لا يمكنه الارتواء منه.
من هي هذه الفتاة؟ انها التي اقـتربت أكثر ما يمكن من مثال الجمال او ربما هي مثال الجمال. هذا المثال الذي يهفو اليه بمثل ما هو يهفو اليه في عدة وجوه.. لكن الظل العصي على التجسيد والتـدمير يغدو ظله وكأنه آخره الشبـيه المتـناقض المتـنافر معه..