قانون سجناء رفحاء وقانون أصدقاء صدام .. أيهما الأشد ضررا وإستهانة وإنحراف.

جعفر المظفر
2019 / 2 / 28

في عام 2002 والزمن حينها كان لا يزال زمن صدام حسين تخرجت إبنته الأصغر من الثانوية بمعدل تجاوز الثمانية وتسعين بالمائة ببضعة كسور, وكان بمقدور معدل كهذا في الأزمان التي سبقت زمن صدام أن يضمن دخولك في اية كلية تختارها وفي المقدمة منها كلية الطب.
كانت المفاجئة أن المعدل العالي, الذي حصلت عليه إبنته بجهدها وتفوقها سوف لن يؤهلها سوى لدخول كلية طب الأسنان في (الأنبار) كخيار أول, أو الدخول في كليات أدنى ليس بينها أية كلية من المجموعة الطبية, إن هي أرادت الدخول إلى جامعة بغداد أو جامعة المستنصرية التي تقع في بغداد أيضا, والسبب ان كليتي الطب في بغداد وكليتي طب الأسنان في الجامعتين ذاتهما قد تم ملئهما من قبل اصحاب المعدلات التي تجاوزت المائة !! نعم تجاوزت المائة وليس في الرقم أو الجملة التي تضمه اي خطأ.
ولأنه كان يسكن في بغداد فقد واجهت حياته إرباكات حقيقية. فبالإضافة إلى الحزن العميق والشعور بالحيف الذي إنتابه ومقدار التعب الذي كانت ستواجهه إبنته أثناء قضائها ما يقارب الأربعة ساعات يوميا على طريق الذهاب إلى (الأنبار) والعودة منها, إضافة إلى حساب مخاطر الطريق, فقد كان عليه أيضا أن يقدم ضريبة على حساب وقته وراحته وأعصابه, وأيضا على حساب عمله, لأنه قرر وقتها أن ينقلها بسيارته يوميا, بما معناه عمليا إنه سيكون في مواجهة أن يتخلى عن عمله في عيادته الخاصة في المنصور من بغداد, وعلى الأقل في السنة الأولى وحتى يحين موعد إنتقالها إلى بغداد إذا ماحصلت على معدل متفوق.
غير أن القدر جاء لكي يتدخل سريعا. لقد ذهب أحد المحيطين بالرئيس ليهمس في اذنه أن أمرا لم يكن قد تم توقعه قد حصل في ذلك العام. الأمر يقول أن الأول على العراق في إمتحانات إجتياز مرحلة الثانوية, والذي حصل على معدل مائة في المئة, لم يحصل على مقعد في جامعة بغداد وإنما كان نصيبه, وفقا لتسلسل الدرجات, مقعدا في طب الجامعة المستنصرية, التي تحتل الموقع الثاني في قائمة الأفضلية العلمية بين جامعات العراق, وكان هذا قد عنى أن جميع المقاعد المخصصة لكلية طب جامعة بغداد, التي تفوق الثلاثمائة مقعد على أقل تقدير, قد تم ملئها من قبل أصحاب الدرجات الخاصة, وفي المقدمة منهم أبناء (أصدقاء الرئيس) .
ما الذي كان قد أدى إلى تلك النتيجة المذهلة والمخجلة وغير العادلة في زمن (الفاروق صدام) ؟! .. إنه نظام الإمتيازات التي كان يسبغها صدام على أنصاره ومريديه, والذي أرسى دعائم الفساد وأسس ثقافته في عراق كان خاليا ونظيفا منه في كل عصور الدولة الحديثة التي سبقت عهده.
إن نظام الإمتيازات الخاص بدرجات النجاح التي تؤهل الطلبة للدخول في الجامعات العراقية والذي دخل على التعليم الجامعي كي يزعوع إحدى دعاماته الحقيقية كان قد حصل في زمن الحصار الذي فرضه مجلس الأمن ضد شعب العراق. وقد جاء نظام الإمتياز ذاك لكي يعوض عن قِصَر يد "القائد الضرورة" عن بلوغ مديات التكريم السابقة. إن الأموال المتبقية لدى الدولة من عائد بيع النفط عن طريق تهريبه ومن ثم بيعه بثمن بخس لم تعد تكفي لشراء ولاء عشرات الألوف من العساكر وقوى الأمن والمخابرات والحزبيين والمرافقين ومرافقي المرافقين. وهكذا إهتدى صدام إلى بئره النفطي الجديد والذي لم يكن يحتاج إلى اي جهد تنقيبي متعب أو مكلف : خمسة درجات لأبناء "صديق الرئيس .. وما أكثرهم !" وخمسة أخرى لرؤساء اللجان الإتحادية في المدارس الثانوية, وصولا إلى سبعة عشر درجة في إحدى السنوات.
وهكذا وجد الأول على العراق من خريجي الثانويات في ذلك العام والذي حصل على معدل مائة في المائة, وجد نفسه غير مؤهل للحصول على مقعد في طب بغداد وصارعليه أن يذهب إلى طب المستنصرية, غير أن الرئيس والحق يقال, وتحاشيا للفضيحة أكثر منها محاولة للإنصاف, سرعان ما وجد طريقة لحل هذه الإشكالية إذ سرعان ما قرر إضافة خمسة درجات على معدل كل طالب كان حصل بالأساس على معدل فوق الخمسة وتسعين بالمئة فاصبح معدل الأول على العراق يزيد على المائة بخمسة درجات كما وأصبح معدل إبنة صديقي مائة وإثنين ونصف في المائة.
إن عددا لا يستهان به من الطلبة من خريجي تلك الأعوام كانوا قد فقدوا حقوقهم لآخرين نتيجة ألعاب سياسية كان من بينها لعبة (أصدقاء الرئيس) الذين ظل عددهم مرشحا للزيادة كل عام.
أما تبرير التلاعب بقوانين الدولة العراقية, والتي ظل معمولا بها منذ تأسيسها وحتى إطلالة الرئيس الفاروق صدام حسين فقد تقيأ به أصحاب الأمر على الشكل التالي : لما كان أصدقاء الرئيس وقياديه نزولا إلى أصغر مرافق مشغولين في ساحات الوغى والنضال فإن غيابهم عن عائلاتهم كان تسبب بالقلق والإزعاج لدى أبنائهم من الطلبة الأمر الذي حرمهم من فرص العيش بأمان مقارنة بالطلبة من خارج منظومة أصدقاء الرئيس وقياديه الذين إفترض ذاك المتقيأ أنهم كانوا يعيشون بسعادة وأمان وكأنما هم ليسوا أبناء أولئك العراقيين الذين قضوا حياتهم بالإنتقال من حرب إلى أخرى, ومن معاناة إلى معاناة, ثم جاء من يسرق منهم مستقبلهم الذين تعبوا على تشييده على ضوء الشموع والفوانيس وآلام الحروب وجوع الحصار.
قديما كان أبو الأسود الدؤلي قد قال (لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله .. عار عليك ولو فعلت عظيم)
أما اليوم فأخال ان الشاعر لو كان حيا لأشار بكلتا يديه إلى أبناء أصدقاء صدام قائلا : كل العراقيين مسموح لهم بإدانة قانون (سجناء رفحاء..!!) إلا أنتم يا سراق المستقبل ولصوص التعب العراقي وفرصه المشروعة.