أنتِ

مختار سعد شحاته
2019 / 2 / 28

أنتِ
أنتِ مدى، وأنا ظلُ طائر يدوسه الناس دون انتباه،
أنت مدى، وأنا خيط السحاب البعيد بعد ليل من شتاء
أنت مدى، وأنا ورقة بيضاء يثقبها طفل، تطير إلى السماء،
أنت مدى، وأنا طيف ابتهج حين لامسكِ على جدار الماء...
أنت المدى، والمدى كل الحياة.
أنا لا أريدك ككل النساء في حياتي، علامة استفهام، أو علامة تعجب في نهاية جملة الوصف لما بيننا...
أنا أريدك نقطة في نهاية سطر مضى، بعدها آلاف من سطور بيضاء لم يخدش براءة صفوها حرف...
دعوتُ الله أن يخلقني بذرة، خفيفة، تحملها الريح إلى أرضك، يغمرها مطر استسقاه الناس على بركة اسمك، فأنبت للعالمين شجرة الخلد، وحبًا لا يزول، ثمرها يأكله المحبطون، التائهون، الخائفون، المرهقون، الحالمون، النادمون إذ زُرِعُوا عمرًا في البوار، ويحمدون الله على سر سقاية الاسم لجذري الجديد...
دعوت الله، لو أن أرضك لا تخاف!!
فالبذور المنقولة جوا عبر المطارات يفسدها تغيير المناخ، وهذا ظلم في شرع زراعة الأشجار...
للأرض روح، وللبذور روح، والخوف بور لا يُصلحه السحاب، فمن يمنحُكِ سرَّ إصلاح البَوار؟!
أنتِ طازجة جدًا كحبة فراولة اختارها مخرج إعلانات موهوب في إبراز الجمال، وفتح شهية الناس للحياة...
أنت صافية كحليب أم كلما أخرجت ثديها لرضيعها، هدهده دفء فريد، ثم نام...
أنت شمس ديسمبر الخجلى كلما رآها المحصورون في برد التجارب؛ اندفعوا نحوها رغبًا ولهفة للنور في مدن الضباب...
أنت عندي كمثل آدم، وعيسى، معجزتان للخلق، موجودة حتى في انعدام أسباب الحياة...
أنت لي كدعوة خديجة للرسول، فكيف يخزيني ربي، وأنت ملء الحياة؟!
أنت نورٌ مقدسٌ كاسمك، والنورُ لا يغلبه ظلامُ، فلا تلومي كفيفًا جاء يحبو كطفل، وكوني كأم كلما يخطو إليها، يرتمي في حضنِ ملاك...
أنت حلمٌ، لم يفسره يوسف، فقاسمك شطر الجمال، وقال لي؛ اجعلها على خزائن القلب، فإن لكَ في المحبة ألا تجوع أو تعرى، كل يوم لها في القلب شأن، وازدياد...
أنتِ الملاذ!!
أنتِ معلمةُ صفي الأول، تمحو الحروف من سبورتي السوداء، فتبدو بيضاء في معجزةٍ تلائم قلب الطفولي...
كلما يخط الزملاء شخبطات أو يرسمون خيوط العنكبوت، أجري إليها، وأصرخ؛ هذا جسدي هنيئًا، فاطعنوه، واشربوا دمي نبيذًا في العشاء...
اتركها واتركوني،
واتركوا لي حبيبتي الأولى بصدق، اتركوا لي معلمة صفي الأول، تمحو أخطاء الهجاء حين أخلط في المسافة بين الصديق والحبيب، دعوها تصوب الإملاء في عين قلبي، فأبني جدارًا بين المادتين المعجميتين؛ ص د ق، و مادة حبّ المضعفة...
يا الله!! لا يجتمعان!! وأنا الساذج في بحر الأمنيات، طفلٌ أحبّ...
أنتِ حكايةُ قبل نومي، وضحكةُ يمامةٍ جاءت مع شيخي تغني للغريب، وللوحيد، وأنا فتاتُ خبز فوق رأس الحكاية تسرقه الجوارح...
أنتِ بئر للمسافرين في رحلة اليعاقبة الأوائل، وأنا الظمآن مغدورٌ في رحلتي الشتاء والصيف، طفلٌ أنا، لم يلتقطه العزيز، ولم تراوده النساء...
بِكرٌ في جناية الحبّ، ومصلوبٌ كالمسيح ينادى؛
أنا الشيعي يا الزهراءُ، وذاك الذي باعني لليهود ليصلبوني، لولا أن المعلمة صوبت اسمي، لأعدموني...
والتين والزيتون يا أم الحسين، أنتِ أنتِ، وأنا على درب الجنون، ورأس ابنك لا تخوني!!

لوس أنجلوس، كاليفورنيا
26 فبراير 2019