إكليلُ غار للجميلة: سميحة أيوب

فاطمة ناعوت
2019 / 2 / 27


جاءتِ الجميلةُ في كامل بهائها، مُتوَّجةً بتاج ثقيل تُرصِّعُه آلافُ اللآليء. في قلبِ كلِّ لؤلؤة مشهدٌ وفكرةٌ وبيتُ شعرٍ وقلبُ شاعرٍ وروحُ أديبٍ وليالٍ طوالٌ من السَّهر والسفر والقراءة والتدريب الصوتي والحركي والروحي. وصلتِ الجميلةُ على عربة ملكية تجرُّها خيولٌ عربيةٌ قُدَّت من ماء الشِّعر والملاحم والأساطير. ارتقت مِنصّةَ صالوني الشهري في أُبَّهةِ الملكات، وتواضع الرسولات، وملاحة المُلهمات. جلستْ أمام الجمهور، فتعلّقتِ الأبصارُ بعينيها اللتين تحملان إرثًا هائلاً من فرائد رفيع الآداب العالمية الصعبة، التي لا يقوى على مطارحتها إلا ذوو البأس وذوو الموهبة من الحقيقيين الذين لا تُدثِّرُهم قشورُ الزَّيف وغُلالاتُ الادّعاء. تكلّمتْ، فتعلّقتِ الآذانُ بصوتها الذي لا يُشبهه صوتٌ. صوتٌ ذو رنين نُحاسيٍّ عميق، يليق بفارسةٍ تمتشقُ سيفَ ثقافتها من غِمْد قلبها، وتقفُ على خشبات المسارح في مصر والعالم، فتتزلزلُ الأركانُ وتتماوجُ الستائرُ من فرط الجلال والسَّطوة. جلستُ إلى جوارها أنكمشُ في ارتباكي. هل أجلسُ الآن جوارَ تلك السيدة التي يخفقُ قلبي حين أسمعُ صوتَها الهادرَ يستنطق أفكارَ هوميروس، وسوفوكل، وراسين، وبريخت، ويوسف السباعي، وسعد الدين وهبة، وغيرهم؟! أمرٌ مخيفٌ حقًّا! فرغم تواضعها معي إلى حدّ أن تدعوني صديقتها وابنتها، ورغم سفرنا معًا وتجوالنا على شاطئ البحر، وسهرنا وضحكنا، ورغم قبولها دعوتي لتكونَ ضيفةَ الشرف في صالوني، إلا أنها تظلُّ الفارسةَ المهيبةَ التي يُخشَى الاقترابُ منها، لا لنِزالها، بل لمجرد مصافتحها. فهل بوسعي الآن أن أجلس جوارها على مِنصّة ساعاتٍ ثلاثًا وأنا رابطةُ الجأش، دون تلعثمٍ وارتباك؟! كان هذا يجولُ بخاطري منذ صافحتُها في "نادي الشرق الأدنى للأرمن" بشبرا، حيث مكان الصالون، وحتى ارتقاء المنصّة. أحاولُ استجماعَ شجاعتي وتذكّر ما أعددتُه من كلماتٍ هربت من رأسي جميعُها، حتى أفقتُ على السلام الوطني يعلن بداية الصالون.
هذه السيدةُ الجميلة وقفت تُحاكم الآلهةَ بصوتها العميق في فُصحى رائقة أجّجتْ وتوّجت مشهدَ الختام في مسرحية "الإنسان الطيب من ستشوان" التي كتبها برتولد بريخت في منتصف القرن الماضي، وكأنه حين كتبها كان في مخيلته سميحة أيوب.
“لماذا يفوز الجُناة بحُسن العواقب، والخيّرون لهم كلُّ هذا الشقاء؟ هنالك شيءٌ أيها النيّرون بعالمكم غلط. مشيئتُكم أن أكون طيبة، وفي الوقت نفسه أظلُّ أعيش. مشيئتكم هذه شطرتني كما الصاعقة إلى نَفَرين. صُنعُ الجميلِ لغيري ونفسي معًا؛ لم يكن ممكنًا. ألا أن عالمَكم مستحيلٌ بكلِّ الذي فيه من ناقصاتٍ وكلِّ الذي فيه من تعجيز. ذراعٌ تُمدُّ للجائعين؛ تُعضُّ وتُنهشُ من فورها. ومَن يمنحُ العونَ للضائعين؛ يضيعُ بدورِه. ومَن ذا الذي يستطيعُ التروّي، وكبحَ جماحِ الغضبْ، وبالقربِ منه يموتُ الجياع؟ ومن أين كنتُ أدبّر ما ينقصُ الُمعوَزين سوى من كياني أنا؟ على أن ذلك كان السبيلَ إلى عثرتي. فثِقَلُ وصايا السمواتِ غطّسني في الوحول. فلو أنني دُستُ فوق التعاليمِ لاختلتُ في مِشيتي. وأكلتُ لحدِّ الشبع. هنالك شيءٌ بعالمِكم أيها النيّرون غلط. في البَدء كنتُ أحسُّ بغضبةِ ذئبٍ لمرأى التعاسة. ولكن رويدًا رويدًا شعرتُ بطبعي تحوّل. وصارت شفاهي حازمةً صارمة. وأصبحَ طعمُ الكلامِ الرحيمِ بحلقي مُرًّا كطعم الرماد. على رغم هذا فقد كنتُ أسعدُ لو أنني صِرتُ حقًّا ملاكَ العشش. فمازال لي بهجةٌ في العطاء. ومازلتُ ألمحُ وجهًا ضحوكًا. فأسبحُ بين السُّحُب. خُذوني بذنبي. فكلُّ جريمةٍ اقترفتها يدي كنتُ أبغي بها معونةَ جاري، وحبَّ حبيبي. وإنقاذَ طفلي من النومِ دون عشاء. أجل أيها الآلهة. لقد كنتُ شيئًا شديدَ الصغر. أنا الكائنُ البشريُّ الضعيف. أمام مشاريعِ حضراتِكم.”
ذلك هو السؤالُ الوجوديُّ الأبديُّ الذي حار الفلاسفةُ والحكماءُ في الإجابةُ عليه: كيف يستطيع الإنسانُ الحفاظَ على طيبته ونقائه وسط عالم ملئ بالقسوة والفساد؟ حين هبط ثلاثةٌ من الآلهة إلى كوكبنا المرزوء بالمحن والمعاصي يبحثون عن "إنسان طيب"، لم يجدوه إلا في فتاة مُستضعفة لا تجدُ قوتَ يومها. لكن لها قلبًا يحنو على التعساء. وكان عليها أن تستخرج من كيانها رجلًا يحميها من تغوّل الغُلاة. فاعتمرت قناعَ رجل وانشطرت شخصين: فتاة طيبة ورجل قاس. هذا ملخص الحياة التي لم تتعلم بعدُ احترامَ الطيبين وحماية الأنقياء.
أشكرُ سيدةَ المسرح العربي، العظيمة "سميحة أيوب" على إثراء صالوني ومنح جمهوره أمسيةً غنية لا تُنسى؛ نثرت فيها علينا من ثقافتها وخفة ظلها وملاحتها ما ندخره في خزائن أرواحنا آمادًا طوالا. تحية احترام لسيدة توَّجتْ هامتَها هالةٌ من المجد الذي يقف على تاريخ ثريٍّ من التفرّد. فالمسرحُ مدرسةٌ نتعلّم فيها ما فاتنا أن ندركه على مقاعد التعلّم.
“الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***