تاريخ العمارة وتخطيط المنازل في مدينة النصر

سلمان رشيد محمد الهلالي
2019 / 2 / 26


مدينة النصر: هى احدى المدن التابعه الى محافظة ذي قار او الناصرية .وكانت في البدء قرية صغيرة تقع على الضفة الشرقية (اليسرى) من نهر الغراف تسمى(سويج شكبان) نسبة الى شيخ عشيرة القره غول في الناصرية (شكبان بن روضان) المتوفي في نهاية القرن التاسع عشر . والسويج (بالتصغيير) مفردة شعبية تدل على السوق , لان تلك القرى كانت في الاصل عبارة عن اسواق صغيرة ومحلية للتبادل التجاري الذي كان يجري ضمن اسلوب المقايضة بين اهل الريف الذين يجلبون الحنطة والشعير والصوف والدهن وغيرها من المنتجات النباتية والحيوانية مقابل التبغ والشاي والسكر والقماش وغيرها , والتي تصاعدت وتيرتها في جنوب العراق بعد حدثين مهمين ومفصلين : الاول , ولاية مدحت باشا بين عامي (1869-1872) التي ساهمت قراراته واصلاحاته باستيطان العشائر العراقية واستقرارها من خلال تمليك الاراضي الزراعية لهم بسندات الطابو . والثاني , افتتاح قناة السويس عام 1869 بين البحر المتوسط والبحر الاحمر التي قربت المسافة بين الشرق والغرب والتي ساهمت بتصاعد وتيرة التبادل التجاري بين الاسواق العراقية والاوربية وادراج البلاد ضمن العجلة الراسمالية وتحوله من اقتصاد الكفاف الى اقتصاد السوق .
في عام 1937 حصل تحول جذري في النمط الاجتماعي والاقتصادي لهذه القرية تمثل بقيام اربعة من كبار التجار في سويج شكبان وهم (الحاج ارزيج المحيسن والحاج هويدي الكعبي والحاج عبدالحسن العيسى والحاج طاهراليوسف)(اسميتهم جماعة الاربعة) بالعبور من الضفة الشرقية (اليسرى) لنهر الغراف الى الضفة الغربية (اليمنى) وتاسيس مدينة جديده وعصريه اطلق عليها (الغازيه) (نسبة الى ملك العراق انذاك غازي بن فيصل الاول) على اعتبار ان العبور والتاسيس قد حصل خلال فترة ملوكيته المنحصرة بين عامي (1933 – 1939 ) واكتملت اجراءات التاسيس الادارية بمساعدة الوزير والنائب في البرلمان الملكي السيد عبدالمهدي السيد حسن ال شبر المنتفكي ودعمه السياسي والحكومي .وقد تحولت المدينه الى (ناحية) عام 1953 وعين السيد علي نهاد مصطفى اول مدير ناحية فيها .وبعد ثورة تموز 1958 تحول اسمها من (الغازيه) الى (النصر) . وتميزت هذه المدينة الفتية بالثقافة وتصاعد الحركة الادبية والفنية وظهورعدد من الكتاب والفنانين فيها ابرزهم المنظر الماركسي المعروف الشهيد عزيز السيد جاسم والملحن طالب القره غولي والدكتور محسن الموسوي رئيس تحرير مجلة افاق عربية ورئيس اتحاد الكتاب والادباء العراقيين وعالم الذرة المعروف الدكتور رحيم عبد كتل وغيرهم .
كان نمط العمارة وتخطيط المنازل في ناحية النصر سواء اكان البناء من الطين او الطابوق (الاجر) يعتمد نمطا تاريخيا يسمى عند المعمارين ب (نمط الحوش)(Court yard)(او البيت ذي الفناء) .... ونمط(الحوش) يقصد به تنظيم وتخطيط المنازل بحسب الطريقه العراقيه القديمه المعتمده منذ تشكيل القرى والمستوطنات الزراعية الاولى قبل اكثر من عشرة الاف سنه وعلى مدى جميع الحقب التاريخيه اللاحقة (السومريه والاكديه والبابليه والكلدانيه والاراميه والاسلاميه وغيرها) وحتى عقد الستينات من القرن العشرين الماضي.(وطبعا هذا في مدينة النصر وفي بعض المدن الكبرى مثل بغداد والبصره والناصريه وغيرها قبل ذلك بعقود متباينه ومختلفه) ويكون تخطيط المنازل بحسب نمط (الحوش) من خلال ترك ساحة مكشوفه مربعة الشكل او مستطيلة (وربما في الريف دائرة او شبة دائرة) مفتوحة نحو السماء تحيط بها الغرف والمرافق الاخرى الى الداخل . ويكون الدخول الى هذا المنزل من خلال باب رئيسي الى ساحه صغيره ومسقوفه تسمى انذاك (المجاز) وهو الدهليز او الممر الذي يؤدي الى الصحن اوالفناء او الحوش , وعلى يمينها او يسارها غرفة الاستقبال التي تسمى (الديوانيه) ثم باب اخر (او في بعض الحلات لايوجد باب) الى الساحه الرئيسيه التي سبق ان ذكرناها ....ونمط (الحوش) الذي مازال معتمدا في ريف العراق كان يوفر نقطة ايجابية تتعلق بالخصوصية والحميمية بين افراد الاسرة او الحماية والامن من اللصوص والاعداء , او الوقاية والستر من الفضوليين والمتربصين العاشقين , اذ ان ابواب الغرف المفتوحة والشبابيك تكون الى الداخل(عدا شباك غرفة الاستقبال يكون للخارج عادة), وهو نظام شبيه بتصميم القلاع في العصور الوسطى والقديمه , وبخاصة اذا بنيت اسيجه فوق اسطح الغرف فيها فتحات صغيره للنظر تكون بمثابة رصد واعلان وحمايه مضاعفه للمنزل تسمى محليا (الستارة), واعتمد هذا التصميم ليس في بناء المنازل فقط , وانما امتد ليشمل المعابد والقصور والمساجد والخانات والمدارس والربط والتكايا وغيرها ........
بعد حادثة العبور وتاسيس مدينة (الغازيه) النصرعام 1937 لم يخرج التجار او الوجهاء العابرين ومن بعدهم الباعة والموظفين عن نمط (الحوش) في تخطيط منازلهم , رغم البناء الحديث والمتميز لقصورهم امثال قصر المرحوم الحاج ارزيج المحسن ومنزل المرحوم الحاج هويدي الكعبي ومنزل المرحوم الحاج عبد الحسن العيسى ومنزل الحاج المرحوم طاهر اليوسف, اذ كان تصميم منازلهم اشبه بالقلعه الحصينه , والغرف مشرعة ابوابها الى الداخل نحو الساحه المكشوفه , الا ان الديوانيات والمرافق الملحقه بها كانت منعزله عن المنزل ولها باب منفصل او مستقل شبيه ب (البراني) عند النجفيين. كماحصل تحولا ايجابي في عقد الستينات وما بعدها وهوتسقيف الساحه او الحوش بالخشب مع ترك بعض النوافذ فيه للانارة والتهوية كما حصل في منازل (الحاج جهيد العكيلي وعكموش القره غولي والحاج طاهراليوسف والحاج نصار الكعبي وحتى جامع النصر الكبير قبل التطوير والتحديث في نهاية التسعينات), علما ان جميع بيوت المدينة قد بنيت ضمن هذا النمط من البناء سواء اكان من الطابوق او الطين او المختلط (اي غرف من الطابوق واخرى من الطين) , الا ان اغلبية البيوت كانت تفتقد الى مانطلق عليه مجازا تسمية (السطح) اي انعدام وجود الدرج الذي يؤدي الى سطح الدار واستخدامه للمبيت والجلوس صيفا , فضلا عن السياج فوق الغرف الذي يعرف – كما قلنا محليا – بالستارة , لذا كان الاهالي ينامون في الصيف في الحوش او باحة الدار والقليل كانوا ينامون على اسطح المنازل .
واذا اردنا اعطاء صورة تقريبية لنمط (الحوش) في تخطيط المنازل وطريقة بنائها يمكن الاستعانة بذاكرتي لوصف منزلنا القديم في مدينة النصر بين عامي 1960 - 1992الذي يشكل الانعكاس الحقيقي لهذا النمط من تخطيط المنازل والعمارة في المجتمع العراقي ,وكما هو سائدا عند الطبقة الوسطى . فالمنزل له بابين من الخشب : الباب الاول – وعلى اليسار ويؤدي الى غرفة الاستقبال المخصصة للضيوف والتي تعرف – كما قلنا – بالديوانية , وهى عبارة عن مفردة اشتقت من (الديوان) المخصص لجلوس شيخ العشيرة واقاربه واهله واتباعه والضيوف المسافرين وغيرهم والمعروف في الريف وعند العشائر العراقية , بمعنى ان هذه الكلمة هى من بقايا القيم الريفية ومفرداتها التي انتقلت الى المدن , تحولت لاحقا في المدن الكبرى الى مفردة الاستقبال , الا ان هذا الباب لايؤدي مباشرة الى غرفة الاستقبال , وانما الى غرفة مسقفة يطلق عليها تسمية (المجاز) وقد يكون المجاز في بعض المنازل عبارة عن ممر وليس غرفة . وعلى يمين المجاز هناك مرافق صحية وعلى اليسار مغسلة من الفرفوري الصيني الابيض فيها حنفيتين . وارضية المجاز وغرفة الاستقبال مغلفتين بالكاشي (نسبة الى مدينة كاشان في ايران) الصغير الحجم الاصفر . وغرفة الاستقبال اكبر من المجاز بطول يقارب الستة امتار وعرض اربعة وفيها نافذتين خشبيتين : نافذة تطل على الشارع ونافذة على الداخل . وفيها (قنفات) (او كرويتات) خشبية عددها خمسة , وطاولات مخصصة لوضع الشاي من الخشب ايضا عددها سبعة , كانت تسمى محليا (طبلات) . وفي السقف ثريات زجاجية زرقاء اللون عدد اثنين توضع فيها مصابيح للانارة عدد اربعة , ومروحة سقفية هندية من شركة (يوشا) وصورة او رسم يجسد الامام العباس وهو على صهوة حصان قرب النهر باطار وزجاج – قيل انها من ايران .
واما الباب الخشبي الثاني فانه يؤدي الى ساحة مسقفة تعرف ايضا بالمجاز , مغلفة بالكاشي الاخضر المنقش والاكبر حجما من الكاشي السابق لغرفة الاستقبال الاصفر السادة . وعلى يسار الداخل هناك حوض فيه خنفية ماء للغسل , وبقربه عداد الماء الذي كان مستعملا للقياس وتحديد الصرف من المياه , الغى في نهاية السبعينات واصبح الدفع موحدا لجميع المنازل في الناحية بغض النظر عن الكمية . وعلى يمين الداخل للمنزل هناك الدرج الذي يؤدي الى غرفة تسمى محليا (البيتونة) وهى عبارة عن مكان مسقوف يشكل وسطا او ممرا بين الدرج وسطح المنزل , او هى غرفة صغيرة فوق السطح تكون فائدتها خزن المواد المنزلية او الغذائية او وضع الفرش ايام الصيف . واما اهلنا فقد كانوا يضعون فيها بالات (التبغ) الكبيرة قبل تحويلها الى (تتن)(كلمة تركية تعني الدخان) يباع بالكيلو غرامات للتدخين من خلال الغربلة بالمنخل تقوم به بعض البنات والنساء بالاجرة , ومن ثم بيعها في محل السيد الوالد في سوق النصر . والسطح يفصله عن الجيران سياج او حائط من الطابوق تكون في اعلاه فتحات للرؤية تشترى جاهزة بنقوش هندسية ومصنوعة من الاسمنت . واسطح المنازل بحسب نمط الحوش هى ملاصقة لاسطح الجيران , وبالتالي يمكن للاطفال الصغار الانتقال بينها بسهولة عند اللعب او لقاء ابناء الجيران الاخرين , وهى ظاهرة سنجدها قد انعدمت لاحقا بحسب نمط البناء الحديث . وبعد الدرج نجد المرافق الصحية تحت الدرج ثم الحمام وهو عبارة عن قسمين : القسم الاول ونطلق عليه تسمية (المنزع) اي المكان الذي ينزع فيه الانسان ملابسه قبل الدخول للحمام ويضعها فيه من خلال تعليقها في الحائط , والثاني هو الحمام الخاص بالاستحمام وفيه حوض صغير من الطابوق والاسمنت فيه حنفيتين واحدة للماء البارد والاخرى للماء الحار والماء البارد ياتي من الاسالة مباشرة قبل الشحة التي اخذت تتبلور في منتصف الثمانينات بسبب تشكيل الاحياء العصرية (العسكري والشهداء والاسرى والمفقودين) وتزايد الطلب على الاستهلاك اليومي والبناء بعد الهجرة الكبيرة من الريف للمدينة , ومن ثم الاضطرار لاستخدام الخزان فوق اسطح المنازل والمعروف محليا بالتانكي ورفع المياه اليه بواسطة الماطور .واما الماء الحار فياتي من خلال تسخين المياه الموجودة في الخزان المعدني المحشور داحل الحائط والمعروف محليا بالصفرية . ويسخن من غرفة المطبخ بوضع الفحم او الخشب او فضلات الحيوانات الصلبة التي تجلب من الريف تحته , واما الدخان المنبعث من عملية الحرق هذه فيخرج من خلال فتحة في الحائط ترتفع للاعلى وتخرج من اعلى (البيتونة) في نهايتها تصميم هندسي من الطابوق يبلغ طوله تقريبا المتر وظيفته منع مياه الامطار من الدخول الى هذه الفتحة . وفي نهاية السبعينات استخدمنا السخان الغازي المعروف محليا (الكيزر) , وكنا من البيوت المعدودة التي استخدمت هذا الكيزر في المدينة اجمع واسسه الميكانيكي والحداد المعروف علي حسين ثجيل السراي المشهور ب (ابو زكي) . ثم ياتي بعد ذلك على اليمين ايضا المطبخ , وفيه المكان المخصص للصفرية او الخزان المغلف بالطابوق ضمن تصميم متناسق الذي يسخن فيه ماء الاستحمام والذي ذكرناه سابقا . ثم بجانبه ميز خشبي وفيه بابين من (السيم) يعرف محليا بالمحمل والمخصص لوضع المواد الغذائية الجافة قبل استعمال (الكاونتر) , ثم الطباخ النفطي بثلاث عيون الذي استعيض عنه لاحقا بالطباخ الغازي . وصوبة علاء الدين الخضراء المخصصة للتدفئة شتاء . وفي عام 1976 دخلت الثلاجة كاحدى اهم المحتويات المطبخ وبعدها (الكاونتر) الحديدي والسنك والكيزر الكهربائي والمجمدة والغسالة في الثمانينات وهكذا . ثم تاتي بعد ذلك غرفة النوم او (الحيرة) بحسب التسمية المحلية وفيها غرفة اخشاب الوالدة التي تتكون من سرير من الخشب (جرباية) وكنتور باربعة ابواب و(بوفيه) من الخشب باربعة خانات او ابواب فيها (جام خانة) توضع فيها الصحون والاواني الصينية المخصصة للعرض او للضيوف, فوقها افرشة وسجادات وبطانيات تسمى محليا بالنضيدة . وماكينة خياطة صينية تعمل في البدء من خلال حركة الارجل , وبعد ذلك ادخل الماطور الكهربائي , وهى سوداء اللون فيها اشكال طيور صغيرة . وفي عام 1977 تم شراء مبردة ايرانية تسمى (اورنيسال) اسسها كهربائيا لنا المهندس ألآستاذ (جميل عكموش القره غولي) ثم دخل علينا زائرا جديدا محببا وهو التلفزيون عام 1978 وبالابيض والاسود فقط , والذي صمم له النجار ميز خشبي خاص يتكون من ثلاث اقسام في الاعلى المكان المخصص للتلفزيون وفي الوسط (الجام خانة) وفي الاسفل بابين صغيرين توضع فيهما الاغراض والملابس . والمفارقة ان اول افتتاحه عندنا كانت حلقة من مسلسل الكوميدي السوري المعروف (صح النوم) بطولة الفنان دريد لحام والمعروف بالمسلسل بغوار الطوشي . وبعدها غرفة خاصة اخرى لعمتي (حليمة) التي توفت مبكرا بسبب الاصابة المزمنة والقاتلة بمرض البلهارزيا وفيها غرفة اخشابها التي تتكون من كنتور فيه ثلاث خانات وميز للمراة . وسبب تواجد غرفة اخشابها عندنا هو طلاقها المبكر الذي جاء على خلفية تداعيات مرضها المزمن ومراجعاتها الدائمة للاطباء . ثم بعد ذلك غرفة او حيرة اخرى قديمة مبنية بحسب النمط القديم للحائط الذي يكون عرضه مايقارب النصف متر وفيها اثنان من الشبابيك الخشبية , وكانت قد خصصت لجدتي الفاقدة للذاكرة والبصر (صفية الفياض) .
جميع غرف المنزل هى مفروشة بالكاشي (عدا غرفة الجدة القديمة) , وكذا الامر المساحة المغطاة امام الغرف , الا ان الساحة الرئيسية او الحوش والمخصص للنوم والجلوس بالصيف مغطى بالطابوق العريض الذي يسمى تاريخيا بالطابوق الكلداني . وعلى يسار المنزل توجد الحديقة التيكانت نسميها (البستان) وهو عبارة عن حديقة منعزلة بسياج من الطابوق لااعرف لماذا اهلنا يسمونها البستان وليس الحديقة , وهى تحتوي على عدد من اشجار النخيل والرمان وزهرة عباد الشمس وغيرها . وبعدها في اقصى اليسار في الزاوية مكان خاص للانقاض والمواد المنزلية القديمة المتروكة والمهملة - او ترك استعمالها لاحقا - وتنور الطين ومواد الوقود الصلب والنفط وغيرها ونسميه (الخرابة) . وكانت الخرابة من اجزاء البيت الرئيسية في الكثير من المنازل في النصر انذاك .
لم يعتمد وجهاء مدينة النصر نمط البناء المعروف بالشناشيل الذي انتشر في جميع الاقضية ومراكز الحافظات والعاصمة بغداد والخاص بالطبقة الوسطى والبرجوازية في اواخر العهد العثماني وبدايات العهد الملكي . ولانعرف السبب تحديدا , لان هذا النمط وصل حتى الى المدن القريبة منها كالشطرة والرفاعي , فيما انعدم وجوده في مدينة النصر . ونمط الشناشيل مخصص للمناطق الحارة , هو عبارة عن بيت يتكون من طابقين : يكون الطابق الاول من الطابوق ومخصص للضيوف والملاحق الاخرى , فيما يكون الطابق الثاني من غرف النوم المخصصة للعائلة وفيها شبابيك من الخشب تكون للخارج وعلى هيئة الشنانشيل . ومازالت بقايا بيوت الشناشيل موجودة في الاحياء القديمة الضيقة في بغداد , وخاصة الفضل والميدان وباب الشيخ والكاظمية والاعظمية وغيرها , كما ان لها بقايا في الشطرة والناصرية واكثرها تمركزا في جنوب العراق في مدينة البصرة القديمة .
استمر نمط الحوش في مدينة النصر حتى اواخر عقد الستينات من القرن العشرين , حيث شهدنا– لاول مرة – بناء منازل بحسب التخطيط العصري الحديث الذي اصبح سائدا في بغداد ومراكز المحافظات الاخرى . وقد اعتمده في البدء الاستاذ المعلم المرحوم حسين عايز القره غولي ويسمى بالدراج عندنا (بيت مقبط) اي مغلق وليس فيه ساحه مكشوفه في الداخل (اي ليس فيه حوش) , فيما تكون امام البناء حديقه مع سياج خارجي , فضلا عن تجاوز نمط القلعه للسياج فوق السطح او فوق الغرف والاستعانه بدل ذلك بالتصاميم الجميله , وموقع المنزل قرب سوق النصر فقد جماليته بسبب تقادم السنيين وبناء بعض المحلات التجاريه من ساحته الخارجيه واصبح في ايدي المؤجرين بعد انتقال الاستاذ حسين عايز الى بغداد في نهاية السبعينات ,. وقد اعقب هذا المنزل في التخطيط العصري وبحسب الخرائط الحديثه منازل عده اهمها : منزل المرحوم الحاج كاظم الشمخي القره غولي في مطلع السبعينات (وهو اول منزل بطابقين في المدينة) ثم منزل اخيه الحاج المرحوم علي الشمخي القره غولي ومنزل المرحوم طاهر مريهج العكيلي ومنزل المرحوم علي الصاحي الرفيعي الجديد في حي المشروع . وجميع تلك المنازل بنيت بطابقين .علما ان هنالك مايقارب العشرين منزلا بنتها الدوله العراقية قرب المدارس ودوائر الدوله الاخرى للمعلمين والمدرسين والموظفين القادمين من محافظات واماكن بعيده للسكن والمبيت على النمط الحديث, وهى لاتحتسب من النمط السكاني والمحلي لمدينة النصر لانها تنظيم فوقي ورسمي ولا يعبر عن مراحل التطور التاريخي للعماره في ناحية النصرالغراء .....
وهكذا استمر هذا النمط الحديث بالانتشار, وتصاعد بقوه خلال عقد الثمانينات بتاسيس الاحياء العصرية والحديثة في ضواحي المدن العراقية والتي عرفت بالحي العسكري والشهداء والاسرى والمفقودين وغيرهم , وقد تبلورت تلك الاحياء بعد الدعم الدولي والمالي الذي حصل عليه العراق خلال الحرب العراقيه – الايرانيه , من قبل دول الخليج الغنية واعطاء السلف والهبات للجنود وعوائل الشهداء من ضحايا الحرب والمفقودين والجرحى– واغلبهم من اهالي الريف – من اجل بناء منازل واحياء جديده في النواحي والاقضيه, وقد حصل في المدينة تناشز اجتماعي وثقافي غريب وهو تاسيس احياء عصرية فيها اناس عشائريون من الريف , وهو الامر الذي ساهم بقوة في تعزيز ظاهرة التريف وترسيخها في المدن العراقية .
تميزت العمارة وتخطيط المنازل في مدينة النصر في عقد الثمانينات من القرن العشرين بخصائص عدة ابرزها :
1 . انها اعمتدت البناء ضمن خرائط حكومية وعصرية حديثة , وهو نمط لم يكن متواجدا عند عامة الناس وانما عند الوجهاء والاغنياء فقط .
2 . استعمال الشيش والخرسانة في البناء وخاصة عند السقف او مايطلق عليه عند الاهالي تسمية (الرباط) (اي استعمال الخرسانة فوق الابواب والشبابيك) .
3 . انها بنيت ضمن قروض المصرف العقاري ومنح الحكومة لعوائل الشهداء من ضحايا الحرب والجرحى والاسرى والمفقودين .
4 . ان اغلبها بنى من الطابوق المعمل الحكومي الذي يسمى محليا (طابوق معمل) ,فيما ان اغلب المنازل قبل ذلك بنيت بالطابوق المحلي الذي يسمى محليا (طابوق كورة) .
5 . انها استخدمت الابواب والشبابيك الحديدية بدل الخشبية المعتمدة سابقا .
6 . ان اغلبها – ان لم يكن جميعها – قد بنيت من قبل العمالة المصرية الوافدة للعراق في عقد الثمانينات وانشغال الشباب وسوقهم للحرب مع ايران , الامر الذي عرض تلك المنازل لنواقص واختلالات كبيرة جدا , ظهر تاثيرها بعد سنوات قليلة , لان اغلبية اولئك المصريين كانوا يفتقدون الخبرة في البناء , فضلا عن الغش والادعاء بالمعرفة .
ويكون تصميم المنازل خلال فترة الثمانينات والتسعينات وحتى التحول الاخير عام 2003 من خلال الاستعراض الاتي الذي اعتمده لوصف منزل اهلنا الجديد في مدينة النصر – حي المشروع الذي اكمل بنائه عام 1992 : المدخل من الباب الخارجي الذي اصبح من الحديد بعد ان كانت الابواب في نمط (الحوش) من الخشب ثم الحديقة الخارجية على جانبي الباب ثم المرافق الصحية على جهة اليمين . ثم المدخل للبيت الداخلي من خلال باب يسمى (الكليدور) وهو عبارة عن ممر مسقف مربع الشكل في داخله بابين : باب لغرفة الاستقبال التي تسمى محليا (الديوانية) وباب لغرفة الهول يؤدي ايضا لصالة كبيرة مستطيلة الشكل تتوزع منها ثلاث غرف نوم . وهناك مدخل اخر للبيت الداخلي من خلال المطبخ الذي يؤدي ايضا الى الصالة التي تحوي درجا يؤدي الى الطابق الثاني وتحته حماما . وفي الطابق الثاني نجد الصالة الكبيرة المستطيلة ثم بعد ذلك غرف النوم والمطبخ . ويحيط بالمنزل ممر يسمى محليا بالترك الذي يكون عازلا عن والجيران ووظيفته الاساسية التهوية وادخال ضوء الشمس ووضع الاغراض الاخرى كالمبردة او تنور الخبز بنوعيه (الطيني) سابقا والحديد لاحقا , وقد تلاشى هذا الترك في الخرائط الحديثة لبناء المنازل بعد 2003 واستعيض بدلا عنه بالمنور في التهوية والانارة . واما الباب الخارجي الثاني من جهة الشارع الاخرى - باعتبار ان المنزل كان ركنا على شارعين رئيسيين - فانه يؤدي الى المطبخ وعلى يساره المرافق الصحية الثانية وعلى يمينه ويساره محلين تجاريين . علما ان جميع غرف المنزل والهول والصالة مفروشة بالكاشي .
بعد التحول السياسي والاقتصادي الجذري في العراق بعد سقوط النظام البعثي الحاكم عام 2003 والانفتاح الكبير الذي حصل بفضل تحسن مستوى المعيشة من جانب والاطلاع على اخر الموضات والتصاميم للمنازل وغيرها من الانترنت ظهر نمطا جديدا من البناء تميز ايضا بخصائص عدة اهمها :
1 , البناء يكون على الاعم الاغلب من طابقين وبحسب نمط يسمى (الدبل فاليوم) اي يكون البناء طارمة واحدة كبيرة فقط وهى طارمة الطابق الثاني التي تستند على ركائز من الخرسانة يتفاوت عددها بين الاثنين او الثلاث . واستعمل هذا النمط بكثرة بعد 2003 - كما قنا - الا انه لم يستمر طويلا , اذ سرعان مالغى بعد عام 2010 تقريبا , واستعيض بدلا عنه بالطابقين مع طلعات متوسطة الطول لاتتجاوز المتر او المترين فيها ترتيبات هندسية جميلة . علما ان اول بيت في مدينة النصر بنى ضمن نمط (الدبل فاليوم) هو منزل محمد الحاج طاهر مريهج العكيلي في سوق النصر عام 1998 لان هذا النمط من التصميم كانت له بدايات في نهاية التسعينات في منازل المسؤولين البعثيين والاغنياء في الناصرية والشطرة وغيرها. فيما يعد منزل الاستاذ ابو وائل عبد الكريم مكي العكيلي افضل نموذج لهذا النمط من المنازل التي اكتسحت العراق بعد 2003 من حيث التخطيط والتصميم والاثاث والحداثة وغيرها .
2 . الغاء مساحات الترك التي كانت تحيط بالمنازل الداخلية والاستعانة بدلا عنها للتهوية والانارة بمساحة صغيرة مكشوفة تترك بين الغرف يعرف محليا بالمنور .
3 . استعملت – ولاول مرة – السيراميك لتغليف الجدران والارضية ولجميع الغرف والملاحق , ثم تطور الامر لاستعمال مواد اخرى للارضية مثل حجر الغرانيت والمرمر والبروسلين وغيرها . كما استعملت ايضا – ولاول مرة – النقوش المغربية والعصرية والاصباغ للغرف والاستقبال مع تغليف المنازل بالسيراميك او الاحجار الملونة او الاصباغ المتعددة والجميلة .
4 . ان اغلبها بنيت ضمن قروض الاسكان والعقاري التي وهبتها الحكومة العراقية دون فوائد تذكر والتي تعطى على مراحل وبحسب درجات البناء وتصل الى مايقارب العشرين مليون دينار .
5 . انها احتوت ارقى الاجهزة الكهربائية التي كانت غير متواجدة اصلا عند العراقيين – او نادرة جدا - مثل اجهزة التكييف والاستقبال الفضائي التلفزيوني والهواتف النقالة والانترنت وغيرها . كما تميزت بوجود سيارات حديثة مكيفة عند ابواب المنازل والكراجات المنزلية للاستعمال الشخصي .
6 . ان هذا النمط من البناء امتد للريف والقرى القريبة والضواحي . فبعد ان كان النمط الحديث سابقا قد اقتصر على المدن امتد بعد 2003 الى الريف والقرى القريبة او البعيدة نسبيا , واصبحت شبيه بالمنازل المدنية من حيث التخطيط العصري واستعمال الخرسانة في الاسقف والسيراميك في التغليف والاثاث الحديث والاجهزة الكهربائية وغيرها .