هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟

شكيب كاظم
2019 / 2 / 26

شهد فن القص العربي ذيوعاً وانتشاراً في عقود خلت ومضت، سواء في العراق أم الوطن العربي، وكتب بعضهم المسرحية والرواية، لكن شهدت بداية الألفية الثالثة تراجعاً ملحوظاً لفن القصة القصيرة، وازدهارا لفن السرد الروائي، حتى أمسى من النادر أن تعثر على قصة قصيرة سواء في الدوريات أم الصفحات الثقافية ولعل في ذلك أمورا عدة منها: شغف القصاصين بحيازة صفة (روائي) وكأن صفة ( قاص) لا ترضي نرجسيته واناه المتعالية، وإذ ظل بعض أساطين القصة القصيرة، محمد خضير مثلا، يشهر شغفه بفن القصة القصيرة، غير شاعر بالحرج لأنه لم يكتب رواية، مع أنه كتب روايتين، قائلا (وهذا يفسر، لماذا أكرس جهدي لكتابة عمل قصير، اعلم حدوده وإمكاناته، قانعاً بمزاياه الخاصة جداً، فقناعتي ليست قناعة الطبع الشخصي، بل الإيمان بكفاءة النوع أو الأداة التي استوعبت هذا الطبع ومرنته، وتلك- لعمري-مأثرة عظمى من مآثر الفن ما كان مؤلف يدركها- وسنواته الباقية لم تعد تكفي لإنتاج قطع فنية عظيمة تستوعب مطامحه الطويلة-..حيث لا مطامح خارج حدودها)تراجع ص١٤٣من كتابي (في النقد القصصي والروائي. حرثاً في المعنى) دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد٢٠٠٦ وقد قرأت راياً قريبا من رأي الشاهق محمد خضير، أدلى به فتى القصة العراقية الراحل، عبد الستار ناصر، لابل إن القاص المصري يوسف الشاروني يرد على من سأله: لماذا ظللت تكتب القصة القصيرة ولم تغادرها إلى الرواية؟ وما الضير في هذا؟!
مع أن أكثر القصاصين الذين غادروها، ما نجحوا في كتابة رواية جيدة توازي إبداعهم القصصي، ظلوا يكتبون قصة قصيرة ممطوطة مطولة، يحسبونها رواية!
أمر ثان، ان الرواية بامتداداتها الزمنية والمكانية قد تخفي عيوب الكاتب الضعيف، أقول قد، بعكس القصة القصيرة، مكثفة اللغة والأجواء تكون تحت مجهر النقد ومبضعه، ونظر القارئ المدقق المتفحص، فالرواية تشبه المزرعة الشاسعة، والقصة تشبه حديقة المنزل. فضلاً عن أن الرواية قد تبقى في ذاكرة القراء مدة طولى، وقلة من يتذكر حوادث قصة قصيرة أو اسم كاتبها.
الأمر الثالث، هو دخول عالم الجوائز المالية المغرية، هو الدافع الأهم في هذا الكم الهائل من الروايات، التي تقدم للتنافس على الجوائز، وما يصاحب ذلك من دعاية وإضاءات صحفية وتلفازية، ونشر أسماء المرشحين للقائمة الطويلة، ومن ثم أسماء القائمة القصيرة، ثم أسماء الفائزين الثلاثة الأوائل، وترجمة الروايات الفائزة إلى اللغات الحية، تكسب الروائي مالا وشهرة.
أمر أخر، لقد أسهم النقد، ولاسيما المجامل، ولن أقول المرتزق المنافق في ذيوع الرواية، ولاسيما التي تكتبها النساء، وسيكون الأمر مدعاة لنفاق أشد لو كن جميلات أو ثريات، أو حزن الصفتين. جمال وغنى، وقلة من النقاد من تناول القصة القصيرة، فلقد طوى الزمن طقس (قرأت قصص العدد الماضي) الذي كانت تنشره مجلة (الآداب) اللبنانية الرائعة، وتكتبه صفوة النقاد.