الأكثرية والأقلية - تبادل أدوار بملابس دامية

ملهم الملائكة
2019 / 2 / 26

ما يبدو بديهياً هو أنّ الأكثرية هي القوة، والأقلية هي الضعف، والأكثرية هي الإرادة السائدة والأقلية هي الإرادة المتنحية، الأكثرية هي "الجماعة" والأقلية هي الفئة الباغية، لكنّ هذا ليس ثابتاً بل يتغير كل يوم، وتتبدل الحقائق بشكل نسبي.

بدءاً لا أحب وصف "أقلية"، فهو يدل على الهوان والضعف والضعة والهامشية والتحقير، وقد يحاججني الحقوقيون بأنّ وصف أقلية منصوص عليه في وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة، لكنّ هذا يبقى غير مؤكد، لأنّ التسمية هنا في هذه الوثيقة خاضعة لإرادة المترجم، وكم من مترجم لا يدرك الفرق الشاسع بين وصف أقلية، ووصف مكوّن أصغر.
لا أود هنا أن أتفلسف، بل سأمضي إلى الحقائق كما هي:
*الأمم الكبرى قهرتها دائما مكونات صغرى، وهذا حال كل دعاة ديانات التوحيد، فقد خرج أنبيائهم عن الإجماع، وجمعوا حولهم أمة ضعيفة لكنها صاعدة، فكبرت وقهرت الأمم الأقوى.
*النبي نوح كان واحداً، جمع حوله عصبة صغيرة وبضع حيوانات وملايين البكتريا والحشرات في جوف الكائنات الراكبة في فُلكه، ومن هذه الأقلية تناسل العالم حسب تاريخ ديانات التوحيد المروي في الكتب المقدسة.
*النبي موسى خرج عن الفرعون ومصر وقبائل بني إسرائيل القديمة، فصنع مكوّناً صغيراً قهر كلّ الأمم القديمة، حتى جرى ما جرى واختلفت قبائل بني إسرائيل فتاهت في سيناء وفي النهاية باتت أمة.
*خرج النبي عيسى على اليهود الأغلبية، فجمع حوله الرافضين للنظام القديم، وهم المنفيون والفقراء والمعدمون والبغايا التائبات والمجرمون التائبون (وما أشبه هذا بفكرة التوّابين التي تروجها الأحزاب الدينية عبر العالم اليوم بأبشع صورة)، ومنهم صنع عصبة قليلة، فغلب المكون الصغير المكونات الكبرى، وبات هو الأكبر.
*خرج النبي محمد عن اجماع قريش والقبائل الوثنية في الجزيرة العربية، ثم امتد الإسلام بالسيف، فقهر المكون الصغير الصغير القادم من جوف الصحراء على ظهور الخيول العربية الرشيقة أمم فارس وبيزنطة وجنوب أوروبا والأمم المسيحية والقبائل اليهودية والأمم الوثنية وسط آسيا واقصى شرقها في ماليزيا والفلبين، وأجبرها في المناطق العربية وغير العربية على "اعتناق" الإسلام رغنم أنّ القرآن ينصّ على أن "لا إكراه في الديان"، وهكذا دخلت تركيا وإيران وكل أمم "ستان" في الإسلام، رغما أو هداية، وبات المكوّن الصغير هو الأكثرية.
*وينطبق هذا أيضا إلى حد كبير على الديانات الوثنية، فالديانات كلها خرجت من مكوّن صغير يحمل عقيدة قدسية باهرة، تحشد حوله. فماغي وزرادشت وبوذا ورام وكريشنا وبوترا وبراهما ومئات الأنبياء وأنصاف الآلهة قد بدأوا مكونات صغرى وجمعوا حولهم أمما فباتوا أكثرية.
*تقول أغلب الكتب والمصادر أنّ المسيحية هي الأكثر انتشارا بين الشعوب، وهذا يعني أن العصبة الضعيفة التي تحلقت حول المسيح وأغلبهم من الطبقة المنبوذة في المجتمع باتت أمة كبرى اليوم.
*لو جمعنا الديانات الوثنية (غير التوحيدية) عبر العالم فإنّ عديد تلك الأمم سيفوق 3 مليار نسمة، وهذا يجعلها من أمم الأكثرية.
*تقول ويكبيديا أنّ اللادينيين يبلغ عددهم اليوم 1,2 مليار نسمة عبر العالم، ما يجعلهم مكوّناً أكبر قد يصنع أمته في زمنٍ ما.
*يُجمع العالم أنّ الإسلام من أسرع الديانات نمواً في العالم، وهكذا فلوعدنا إلى النبيّ الأميّ ومن حوله وهم بضع مئات من "أراذل قريش حسب الوصف السائد آنذاك" المهاجرين إلى المدينة، فسنشهد أننا إزاء معجزة أخرى، فعديد المسلمين يفوق 1,5 مليار نسمة اليوم.
*مثل ذلك قامت الدول، فماركس مفكر، تعلم منه لينين الذي صنع تجمّعاً سياسياً هو الحزب الشيوعي الذي كان مكوناً صغيراً مهملا، قاد الأكثرية العاملة "البروليتارية" وصنع الكتلة الشيوعية التي قسمت العالم قسمين، ثم فقدت موقعها ولكننا نرى آثارها في الصين وفيتنام وكوريا الشمالية وكوبا.
*وعلى طريقة المدرسة العقلية، لننقل الحديث إلى المايكرو كوزم "العالم الأصغر"، في الجيوش، الجنود هم الأكثرية، والمكوّن الأصغر هم الضباط، الضباط يقودون الجنود إلى حتوفهم، فيُسجل النصر مجداً للجنرالات، ويُدفن الجنود رمزياً في نُصُب الجندي المجهول المرمرية اللامعة الأنيقة.
*في المدارس يمثل التلاميذ والطلبة المكوّن الأكبر السائد، والمعلمون والمدرسون هم المكوّن الأصغر القائد، لكن التلامذة والطلبة هم مكوّن في مرحلة الصناعة، ولن يصل جميع أفراده إلى مستقبل مقارب لمستقبل المعلمين والمدرسين على الأقل، فإذا حسبنا الوضع نسبياً، فالمكون الأقوى هم الأساتذة، فهم صناع جيل المستقبل.
*في ممالك الحيوان، يقود النمل والنحل ملكات إناث، هنّ المكون الأصغر لكنه الأقوى، ويمثل الذكور جنودا وعمالا هم حشود الأكثرية التي تقودها الملكات.
*في حياتنا يوجد بيل غيتس واحد، لكنّه نجح في أن يشغّل ملايين الناس وفق كومبيوتراته وبرمجياته. ويوجد مارك زوكربيرغ واحد، لكنه يمتلك اليوم نحو ملياري متابع على اختراعه العجيب فيسبوك، إنّه رجل صنع أمة، ولعله مثل إبراهيم الذي تصفه ديانات التوحيد بأنه كان أمّة.
وهكذا سنخلص إلى أن ليس كل مكوّن كبير أو أغلبية هو السائد القائد، بل قد يصبح تابعاً لمكوّن أصغر صنعه شخص واحد فبات عابراً للتاريخ والجغرافية وقد يصل إلى الفضاء مع الصواريخ التي تحمل الأقمار وتطير كل يوم.
بون- ألمانيا