قراءة فى كتاب القوة الناعمة

أمجد المصرى
2019 / 2 / 25

نسمع كثيرا من يؤكد أنّ الغربَ يحاول تدمير هوياتنا وقِيَمنا بما يصدّره لنا من "فجور و انحلال وفساد"، و نسمع أيضا مثقفين و عوام يتحدثون عن الغزو الثقافي الغربي بنظرية المؤامرة وما إلى ذلك ، إلا أننا نادرًا ما نجد من يحاول تحليل هذه الأطروحات وفق نموذج تفسيري أو إطار موضوعي واضح يشرح الأمر و يوصله في سياقه التاريخي والسياسي ، إلى أن ظهر لنا (جوزيف س. ناي ) Joseph Nye بمصطلح "القوة الناعمة" عام 1990. وفي كتابه الأخير " القوة الناعمة : وسيلة النجاح في السياسة الدولية " 2004 { ترجمـه للعربية محمد البجيرمي وصدر عن مكتبة العبيكان عام 2007.}
والمؤلف ( جوزيف ناى ) ليس مجرد مفكرٍ أو محلل سياسي ، بل شغل منصب عميد كلية كيندي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد ، كما شغل منصب رئيس مجلس المخابرات الوطني ومساعد وزير الدفاع الأمريكي

ولقد جاء الكتاب ليوضّح حقيقة مفهوم "القوة الناعمة " ويبلوره ويوضّحه بأمثلة لأنّ كثيرين قد أساؤوا فهمه واستخدامه ، وحصروه في نظرة سطحية لا تتجاوز تأثير الماكدونالدز والجينز و أفلام الكاوبوى وما إلى ذلك. أما التعريف الذي يضعه المؤلف للقوة الناعمة فهو { القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلا من الإرغام أو دفع الأموال } (ص12) ، وهكذا فإن القوة الناعمة تختلف عن القوة الصلبة المتمثلة فى العتاد العسكري والثراء الاقتصادي واستعمالهما بالتهديد بالعقوبات أو الاستمالة بالمساعدات. أن تمتلك قوة ناعمة يعني أن تجعل الآخرين يعجبون بك ويتطلعون إلى ما تقوم به فيتخذون موقفًا إيجابيًا من قيمك وأفكارك فتتوافق بالتبعية رغبتهم مع رغبتك.
--- -----
يبدأ الفصل الأول بتأصيل مفهوم القوة ، باعتبارها { القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للقيام بعملٍ ما يتفق مع ما نريد } ثم ينتقل الحديث إلى القوة السياسية الناعمة للدول ، فيوضح أن بلدًا ما قد يكون قويًا و ذا تأثيرٍ في السياسة الدولية { لأن هناك بلدانا أخرى معجبة بمُثُله العليا و القيم الأخلاقية لشعبه ، فتحذو حذوه ، وتتطلع إلى ما بلغه من ازدهار وانفتاح و رفاهة ، تريد أن تتبعه} (ص24). وهكذا نفهم أنّ القوة الناعمة تعتمد على قدرة الدولة في صياغة رغبات الآخرين بعد أن تكون بمثابة قدوةٍ لهم يتبنون قِيَمها وأسلوب حياتها. ومن أهم مزايا القوة الناعمة أنها تغني عن سياسات العصا و الجزرة ، وهناك دول لا تمتلك قوة عسكرية أو اقتصادية كبيرة بقدر ما تتمتع به من قوة ناعمة بسبب مشاركتها في قضايا عالمية جاذبة مثل الوساطة فى محادثات السلام واستضافة أطرافها ، ومبادرات الحفاظ على البيئة ومكافحة الأمراض والأوبئة. ولكن ذلك لا يعني بالطبع التقليل من أهمية القوة الصلبة.
----- ------
و فى الفصل الثاني يستعرض المؤلف العديد من العوامل التي يمكن اعتبارها مصادر ثرية للقوة الناعمة الأميركية. فمثلا تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية 62% من أهم العلامات التجارية في العالم ، وبها 28% من مجموع الطلاب الدارسين خارج بلادهم ، وهي الأولى عالميا فى استقطاب المهاجرين و فى نشر الكتب والمؤلفات الموسيقية وفى إنتاج البحوث العلمية، إضافة إلى كونها أهم مصدّر للأفلام والبرامج التلفزيونية. ولكن المؤلف لا يقف هنا بل يذكر أيضًا العوامل المنفرة من أميركا، ويوضّح أن وجود تلك المصادر الجاذبة لا يعني بالضرورة إنتاج قوة ناعمة متحققة، لأنها يجب أن تتناغم مع جاذبية السياسة العامة للبلد ، فرغم الإعجاب الجماهيري العالمي بعلوم أميركا وتقنياتها وأفلامها وموسيقاها إلا أنها خسرت كثيرًا من جاذبيتها في حرب فيتنام وعند غزو العراق عام 2003

ومن أهم ما تحدث عنه المؤلف دور الثقافة النخبوية في إنتاج القوة الناعمة ، فأشار إلى أهمية المبادلات الأكاديمية والعلمية وكيف أن الكثير من العلماء السوفييت الذين زاروا أميركا قد تأثروا بالأفكار الأميركية وأصبحوا لاحقًا ناشطين في حركات حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي( قبل سقوطه ) ، ثم تحدث عن دور الثقافة الشعبية المتمثلة في الأفلام والأغاني والرياضة وما إلى ذلك مما يبثّ القيم الأميركية حتى وإن بدت سطحية مبتذلة، { ولا يمكننا التقليل من تأثير هوليوود - فالصور كثيرًا ما تنقل القيم بصورة أقوى مما تفعل الكلمات - وهوليود هي أكبر مروّج ومصدّر للرموز البصرية } (ص82). ويشير المؤلف إلى أنّ هذه الثقافة الشعبية هي التي تغلبت بقيم الحرية والديمقراطية والليبرالية والشبابية على مدّ الفكر الشيوعي ، وهي التي اخترقت جدار برلين بزمن طويل قبل سقوطه. وفي الصين يذكر الكاتب مثالا إحدى المُعارِضات التي كانت تدندن بأغاني (بوب ديلان) في رأسها عندما تُجبر على الاستماع إلى الخطب الشيوعية ، وكذلك أفلام هوليود المهربة التي دغدغت رغبة الشباب الصيني في إحداث التغيير والانفتاح السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإعجاب بالقيم الأميركية لا يعني الرغبة في تقليد النموذج الأمريكى ، فهناك ملاحظات سلبية كثيرة على الممارسة الأميركية لهذه القيم خاصة لدى المجتمعات التي تهتم بالقيم الأسرية والاجتماعية.
----- ------
ويوضح فى الفصل الثالث أن الولايات المتحدة ليست الرائدة في كل نوعٍ من مصادر القوة الناعمة ، حيث كان الاتحاد السوفييتي ذا تأثير كبير تدعمه الأحزاب الشيوعية في مختلف أنحاء العالم ، وكان ينفق كثيرًا لنشر ثقافته وفنونه ويشارك بفاعلية في القضايا الإنسانية الجذابة ، إضافة إلى تقدمه العلمي الكبير ... أما المنافس الحالي الأقوى لأميركا فهي أوروبا ، حيث الفنون والآداب والأزياء والأطعمة الأوروبية تتمتع بجاذبية عالمية طاغية ، إضافة إلى أن الدول الأوروبية تحتل المراكز الخمسة الأولى في عدد جوائز نوبل في الأدب ، والمراكز العليا في مبيعات المؤلفات الموسيقية ونشر الكتب. هذا وتنفق الدول الأوروبية مجتمعة أكثر مما تنفقه الولايات المتحدة على مساعدات التنمية الدولية والدبلوماسية العامة، بالإضافة إلى جاذبية أوروبا كونها تميل للسلم وتدافع عن قضايا حقوق الإنسان وحفظ البيئة وغير ذلك ، كما أنها ذات خبرة أكبر وأفضل من الولايات المتحدة في إدارة المؤسسات متعددة الجنسيات
ثم يتحدث المؤلف عن آسيا وخاصة اليابان التي لها قوة ناعمة كبيرة بسبب كونها صاحبة أكثر براءات اختراع في العالم ، ورائدة الصور المتحركة وألعاب الفيديو ، واحتلالها المركز الثاني في بيع الكتب والموسيقى وصادرات التكنولوجيا المتقدمة واستضافة المواقع الإلكترونية ، مع الإشارة إلى المستقبل الباهر الذي ينتظر الصين والهند... ويختتم المؤلف هذا الفصل بالحديث عن المؤسسات غير الحكومية التي تتمتع بقوة ناعمة كبيرة مثل المنظمات الحقوقية والشركات عابرة القومية، خاصة وأنها تستفيد الآن من الثورة المعلوماتية والاتصالات.
----- -------------
وأما الفصل الرابع فقد ركّز على إتقان استخدام القوة الناعمة ، كما فعلت فرنسا حين نشرت لغتها وآدابها في الخارج في القرن التاسع عشر
ومن الأمثلة الهامة والمثيرة مكتب الخدمات الإستراتيجية في أميركا الذي كان يعمل على { نشر معلومات مضللة ، تشكيل منتجات هوليود لتصبح أدوات دعاية فاعلة والتوصية بإضافات وحذف منها ، و حرمان أفلام أخرى من الترخيص بالعرض } (ص153) .. ثم أشار الكاتب إلى تراجع الاهتمام الأميركي باستثمار القوة الناعمة مع مرور السنين إلى أن جاءت أحداث 11 سبتمبر حين بدأ الأميركان بمراجعة أنفسهم ، و هنا يتوجه المؤلف بالنصح للإدارة الأمريكية بنشر صورة حسنة عن نفسها في العالم وعدم الاعتماد على أصدقائها من الحكّام ، فغالبية الدول الآن تنتهج الديمقراطية ولديها برلمانات وجماهير تؤثر في السياسات الدولية.
و لإنجاز ذلك يقترح استخدام ثلاثة أبعاد للدبلوماسية العامة وهي
(1)الاتصالات اليومية، أي توضيح السياسات المحلية والخارجية عبر الإعلام، (2) الاتصال الاستراتيجي، أي الحملات السياسية الدعائية المركزة لتوصيل رسائل بعينها
(3) العلاقات الدائمة مع الشخصيات، وذلك عبر المنح الدراسية والمبادلات الأكاديمية والتدريب والمؤتمرات ، على أن تتماشى هذه الأبعاد مع السياسة العامة للبلد لزرع صورة إيجابية
ويخصص المؤلف جزءًا للحديث عن الشرق الأوسط وصعوبة استخدام القوة الناعمة فيه لأسباب عديدة منها الفوارق الثقافية الكبيرة بين أميركا والشرق الأوسط ونزعة العداء لأميركا. رغم ذلك فهناك جوانب كثيرة من الثقافة الأميركية يحبها أهل الشرق الأوسط تُعدّ أساسًا جيدًا للقوة الناعمة إلا أنّ الولايات المتحدة أثبتت فشلها في استغلال هذه الفرص. لذلك فقد وضعت لجنة استشارية بعض التوجيهات لزيادة القوة الأمريكية الناعمة في البلاد العربية الإسلامية مثل إنشاء المكتبات وترجمة الكتب الغربية إلى العربية وزيادة المنح الدراسية والزيارات الأكاديمية، ويشدّد المؤلف على ذلك بقوله إن { إن الأهم هو تطوير استراتيجية بعيدة الأمد للمبادلات الثقافية والتعليمية التي تنمي مجتمعًا مدنيًا أغنى وأخصب وأكثر انفتاحا في بلدان الشرق الأوسط. إن أكثر الناطقين باسم أميركا فاعلية وتأثيرًا ليسوا هم الأميركيون، بل وكلاؤهم المحليون من أهل البلاد الأصليين الذين يفهمون فضائل أميركا وعيوبها كذلك } (ص181).
------ -------- -
وأما الفصل الأخير من الكتاب فمخصص لبحث العلاقة بين السياسة الخارجية الأميركية والقوة الناعمة ، وقد بيّن فيه المؤلف كيف أن هذه السـياسة " المكروهة " أدت إلى انحدار القوة الناعمة وتناقص أثر الثقافة الشعبية الأميركية في العالم في مقابل تزايد الإقبال على الثقافات الأخرى والفاعلين الآخرين، مثل تنظيم القاعدة الذي زادت أعداد مؤيديه و ا لمتعاطفين معه إثر معاداة أميركا. ويحذر المؤلف من تجاهل إهمية القوة الناعمة وفاعليتها ، ويستنكر أن ا لولايات المتحدة تنفق على القوة العسكرية أكثر من 17 ضعفًا لما تنفقه على { القوة الناعـمــة }
-- ---- ---
هو كتاب هام جدا سهل الصياغة مدعم بأمثلة واقعية معاصرة ، تسهل على القارئ فهم التأثير الذي تتركه المنتجات الفكرية و الحضارية فى السياسة الدولية و فى تقريـر مصائر الكثير من ساكنى هذا الكوكب.