قال الرئيس: مسيحيو مصر ليسوا أقليّة!

فاطمة ناعوت
2019 / 2 / 24

أحسنَ اللهُ عزاءَ مصرَ في شهدائنا من الجنود والمدنيين في سيناء والقاهرة، وأحسنَ عزاءَ أمهاتهمء وآبائهم، وعوّضنا عنهم خيرًا. وبعدُ.
وأخيرًا قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر ميونيخ الأخير. "نرفض أن يُقال إن المسيحيين في مصر أقليةٌ.” وهنا تعود بي الذاكرةُ إلى بضعة أعوام خَلَتْ. كنتُ قد دُعيتُ للمشاركة في مؤتمر: “مستقبل الأقليات في مصر”، بواشنطن، يونيو 2016. وكانت ورقتي البحثية بعنوان: “هل المسيحيون في مصر أقلية؟". بدأتُ كلامي بقولي: “الأقليةُ الهندية في اليابان- الأقليةُ الكردية في الهند- الأقليةُ المصرية في أمريكا”. جميعها عباراتٌ سليمة يمكن للعقل قبولها، والتعامل معها ومناقشة قضاياها. ولكن عبارات مثل: “الأقليةُ الهندية في الهند- الأقليةُ الكردية في كردستان- الأقليةُ الإيطالية في إيطاليا”؛ جميعها عباراتٌ تمرُّ على العقل فيكتبُ العقلُ على شاشته باللون الأحمر: ERROR. لأنها عباراتٌ غيرُ منطقية تفصلُ الجزءَ عن الكلّ. شأنها شأنُ عبارة: “الأقليةُ القبطية/المسيحية في مصر.” عبارةٌ خاطئةٌ لا يدركها العقل، ولا يمكنه التعامل معها. وحين نترجم ما سبق للمعجم الفيزيائي؛ فبوسعنا أن نقول: "قليلٌ من السكر في الماء"، ولكن هل بوسعنا أن نقول: "قليلٌ من الماء في الماء"؟!
فمفردة: "الأقلية" مصطلحٌ سياسي، يُطلق على جالية وافدة (من غير المواطنين) في دولة ما. لكن (المواطنَ)، المختلف عَقَديًّا عن بقية المواطنين، لا يجوز أن نُطلق عليه مصطلح (أقلية)، ولو كان فردًا واحدًا. فلو كان هناك مواطنٌ ليبراليّ في مجتمع رجعيّ، لا يجوز أن نُطلق عليه (أقلية)؛ لأنه في وطنه. ولو كان هناك مواطن "سلفي متشدّد" في مجتمع علمانيّ، لا نُطلق عليه (أقلية)؛ مادام في وطنه. ولو كان هناك مواطنٌ يؤمن بالاشتراكية في مجتمع رأس مالي، لا نسميه "أقلية"؛ في وطنه. ولو أن مواطنًا إقطاعيًّا وُجِد في مجتمع اشتراكي، لا نطلق عليه (أقلية)، مادام في وطنه. ولو أن ضريرًا ولِد في مجتمع من المبصرين، أو مبصرًا وجِد في وطن من العميان، لا يصحُّ أن نطلق على أحدهما (أقلية) لأن كليهما مواطنٌ في وطنه. وينطبقُ كلُّ ما سبق من تباينات فكرية وسياسية واقتصادية وجسمانية، على اختلافات المعتنق العَقَدي، كذلك. فلو كان ثمة مسلمٌ شيعيّ مصري يعيش في مصر السُّنية، لا يجوز أن نسميه (أقلية) في وطنه مصر. والمسيحي الكاثوليكي أو الإنجيلي المصري؛ لا يُسمى (أقليةً) بين أكثرية مسيحية أرثوذوكسية، لأن جميعهم مواطنون مصريون. والبهائيُّ المصري، لا يصحُّ أن نطلق عليه (أقلية) في وطنه مصر. (الأقلية) مصطلحٌ لا علاقة له بالعقيدة أو الطائفة، مهما كان التعداد، بموجب “صكّ” المواطنة، وفق الدستور المصري 2014 الذي يُقرُّ بحقوق المواطنة الكاملة لجميع المواطنين. ذاك هو المنطق “الوحيد” الذي يجبُ أن ينظرَ من خلاله المواطنُ المسيحيُّ لنفسه، والمواطنُ المسلمُ لشقيقه المسيحي.
كان ما سبق ملخصًا لما قلته في "مؤتمر دعم الأقباط"، الذي عُقد يومي 9-10 يونيو عام 2016 في واشنطن. والعجيبُ أن أحد الحضور، من الجالية المصرية من أقباط المهجر الأمريكي، انزعج من كلامي، وهتف في وجهي غاضبًا: “بل نحنُ الأقباط أقلية في مصر!” فتحاورتُ معه قائلة: “هل تريدُ أن تنالَ حقك في وطنك (منقوصًا كأقلية وافدة ) ، وترفضُ أن تنال حقك (كاملا كمواطن)؟!” وضربتُ له مثلا بسلوك غير جميل يفعله بعضُ المصريين في أمريكا؛ حين يُعلّقون في سياراتهم بطاقة (معوّق) الزرقاء؛ حتى يحقُّ لهم صفّ السيارة في الأماكن المخصصة للمعوقين! وقلتُ له: "إن كلامك يشبه ذلك المنطق الشائه! لماذا تريد أن تأخذ حقَّ شخصٍ “مأزوم”، بينما بوسعك أن تتمتع بحقوقك كشخص “غير مأزوم”؟! لماذا ترى نفسك (أقليةً وافدةً) في حين أنك (مواطنٌ أصيل ) لك كامل حقوق المواطنة؟!” لكنه يقتنع بكلامي! وأغلبُ الظنّ أنه لم يفهم منطقي أبدًا. فتعرضتُ لحملة تشويه مُهينة وشرسة من ذلك الشخص ورفاقه، (مستمرة حتى اليوم )، ودشنوا صفحات لسبّي وشتمي وتخويني واتهامي بكراهية المسيحيين، لأنني لا أعتبرهم أقليةً ناقصة الحقوق!!
والشاهدُ أن ما قاله الرئيسُ عبد الفتاح السيسي بالأمس في مؤتمر ميونيخ، وما قلتُه أنا قبل سنوات في واشنطن، هو عين ما قاله قداسة البابا شنوده رحمه الله قبل رحيله عن عالمنا.
مسيحيو مصرَ مواطنون أصلاءُ كاملو الأهلية، يُعمّرون أرضَ مصرَ منذ أكثر من ألفي عام، (21 قرنًا)، قبل دخول الإسلام مع العرب في القرن السابع الميلادي، (14 قرنًا ) من عمر مصر المديد. وللحديث بقية. “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***