الحمل خارج الرحم

جعفر المظفر
2019 / 2 / 21

بين الفينة والأخرى يكتب لنا أحدهم ان الزحف العسكري الأمريكي على المنطقة الخضراء قد أصبح قاب قوسين أو ادنى, وحتى أنه راح يحدد تاريخ الحدث ويكتبه. كذلك فقد راح ينبئنا أن العساكر الأمريكية صارت تمشي في شوارع الحيدرخانة وتتنزه في حدائق الزوراء, وإن جميع أطفال العراق صاروا يحومون حولها ويقدمون لها الورود ويأكلون معها الشيكولاتة .. ذلك أن موسم الآيس كريم لم يحن أوانه بعد.
ولغرض ان يكتمل المشهد يقوم بعض عراقي الخارج بعقد مؤتمر هنا والتخطيط لآخر هناك. ثم يأتي إليك من يخبرك أن عدد المقاعد محدود وأن التذاكر آيلة للنفاذ, وإنك إن لم تحجز مقعدك وتشتري بطاقتك فإن فرصتك ستضيع .. ذلك أن الحظ كما ساعي البريد لا يطرق الباب مرتين.
وهذه هي المرة الثانية التي نتمنى فيها التغييرخلال عقدين من الزمن.
في المرة الأولى رأينا كيف ان نظام صدام حسين كانت قد تسارعت خطى سقوطه, وكنا نتمنى أن يكون التغيير عراقيا, وحتى لو أنه جاء من داخل النظام نفسه, لا حبا في ذلك النظام وإنما لأننا كنا نخاف أن يضيع العراق خاصة ونحن نشهد كيف ان مؤتمرات (المعارضة) في الخارج كانت مؤتمرات تفريق لا توحيد, فخفنا أن تشتبك الحوافر فتسحقنا الأقدام وتقتلنا السيوف.
كان الذي يدعم ذلك النوع من التغيير ويستعجله يؤكد لنا أن سقوط نظام حسين بيد العراقيين هو أمر مستحيل وأن الأمريكان وحدهم الذين يقدرون.
أما نحن عراقيو الداخل فقد كنا نرى أن النظام كان تآكل نهائيا وإن صاحبه قد بانت عليه علائم الغيبوبة وما عاد يدري أَ رئيسٌ هو أم كاتب قصة.
إن بضعة سنوات قليلة كان يمكن أن تحمل بشرى السقوط. ولم نكن نراهن على الجيش مراهنة تقليدية, وإنما كنا نعتقد أن كثيرا من قياداته قد أدركت أن طريق العراق قد صار مسدودا وإن السبيل إلى خلاصهم من محرقة القائد او من محرقة جورج بوش لن يمر إلا من خلال خلاص العراق من المحرقتين. حتى أقربائه فقد باتوا يتمنون غيابه لأنهم يعلمون أنهم سيغيبون معه إن لم يغيبوه بصفقة تضمن لهم النجاة.
ولقد شئنا وشاءوا إلا أن بوش قدر شيئا آخرا ثم فعل. ثم صار الذي صار وترك الأمريكان العراق خرابة أنهكتها الإرهاب والطائفية, ولتصير مطية إيرانية يسوسها الجنرال المتجهم سليماني ويمتطيها مساعده الوسيم الحاج أبو حسن.

ومرة ثانية وصلنا إلى حد تمني التغيير بشدة, لكننا تعلمنا من التغيير الأول أن جلدك لن يحكه إلا ظفرك, وإن أية محاولة لإستباق نشوء وتطور بنية داخلية سياسية وجماهيرية تأخذ على عاتقها التغيير, وخاصة إذا جرت تلك المحاولة من خارج الساحة العراقية أو أنها جرت بالنيابة, سوف تجهض وتقتل الجنين الذي نأمل بولادته من الرحم العراقي وبفصاله على الهيئة التي يريدها ذلك الرحم.
وهو أمر سيحدث آن آجلا أو عاجلا, وإن لم يحصل فمن يريده حملا خارج الرحم ؟
وإنه لأفضل أن لا يحدث التغيير من أن يأتي ليستبدل فئة بأخرى أو طائفة بطائفة, أو على طريقة أن البارحة كانت لهم وأن اليوم صار لنا.
ولا أدري كيف سيفرق شكل الذي سيصعد في دبابة ترامب عن شكل الذي صعد في دبابة بوش اللهم إلا في تبادل الأسماء والطوائف. لكن الذي أدريه بشكل أكيد أن وطني الأمس سيصيرون عملاء اليوم وأن عملاء اليوم سيصيروا وطنيي الغد.
ومرة أخرى ستنجح العملية ولكن المريض سيموت. وقد تكون الميتتة الثانية أبشع من الأولى وبسببها قد لا نعثر على جثة الميت أبدا, وقد يختفي من الخارطة بلد إسمه العراق لتحل محله دول الطوائف والقوميات.
أما نحن "دينصورات" السياسة, وكل من يذرع الساحات الأجنبية ويفصل على مزاجه, فعلينا أن نقف على الرصيف حتى نجيب إذا سُألنا, ونشير إذا أستفيتنا, فلا نأخذ زمانا هو غير زماننا, ولا مقاما هو غير مقامنا, وحذارِ أن نسقط على عراقي الداخل تجاربنا, أو نستبدل مستقبلهم بماضينا.
لكن سيكون من حقنا أن ندعو إلى التغيير وان نمد يد المساعدة.
وأن نَحْذر ونُحّذِر من إعادة تجارب الماضي أو إسقاط تجاربنا على عراقي الداخل.
وأنه لأفضل أن تتأخر الولادة من أن يحدث الحمل خارج الرحم..