سوسيولوجيا الدين عن الدكتور حاتم الكعبي

محمد لفته محل
2019 / 2 / 19

انا من المهتمين بعلم الاجتماع الديني وشغف لكل ما يكتب بالموضوع، وللأسف فإن الكتابات العربية والعراقية الرصينة بهذه الموضوع قليلة، وهذا يعود للطبيعة الاجتماعية المحافظة للمجتمع العربي الذي يرفض معاملة مقدساته بوسائل دنيوية، وتخلف البحث العلمي في المجتمع العراقي بصورة عامة نتيجة الاوضاع السياسية المضطربة التي عاشها خلال ثلاثة عقود، ولم اجد من رواد علم الاجتماع بالعراق من اهتم بالموضوع سوى الدكتور (حاتم عبد الصاحب الكعبي) دون سائر غيره من الرواد (الوردي، الطاهر، سليم) ولم تخلوا معظم كتبه من اشارات وسطور هذا عدا دراستين مخصصتين لعلم الاجتماع الديني مثل (الحركات الاجتماعية التي تدور حول منقذ منتظر) و(دراسة حال زعامة) وهذا المقال هو عرض موجز لعلم الاجتماع الديني عند الدكتور (حاتم الكعبي) من خلال مراجعة اعماله المنشورة التي تطرقت للدين، وليعذرني القارئ على الاقتباسات المطولة الكثيرة وذلك لعرض وجهة نظر (الكعبي)، والمقال هو اعداد اكثر منه تأليف.
علم اجتماع الدين: يهتم بدراسة تأثير الدين في حياة كل من الفرد والجماعة وما يترتب على ذلك من اعتقادات وأنماط سلوكية مختلفة.(الكعبي، المشاط،1983: 20)
نظريات نشأة الدين:
ان النظريات التي تشيع في زمن ما، هي رهينة الجو الفكري السائد في تلك المرحلة من الزمن. ولما كان السواح الاوربيون الاوائل هم الرواد من علماء الانسان من مسيحيين ولم يجدوا الشعوب البدائية تدين بالمسيحية، فقد ذهبوا الى ان هذه الشعوب بلا دين. غير ان توسع تعريف الدين حيث اصبح يشمل عبادة الاجداد والطقوس والمراسيم التي تقوم بها الشعوب البدائية نحو الطوطم والسحر بضروبه المختلفة. غير نظرة علماء الانسان نحوهم وصار يعترف بوجود دين عندهم. غير ان تأثرهم بآراء (كونت) التي تضع الدين كمرحلة بدائية، اعتقد ان الدين هو ضروب من التفكير يميز الناس في مراحلهم التاريخية الاولى، لهذا يسيطر الدين على حياتها سيطرة كاملة. ولما كان التحيز يفعل مفعوله في اراء علماء الانسان رأينا كثيرا من الرواد ينكرون على هذه الشعوب البدائية ان تكون تدينت بدين موحد او ان تكون ادركت فكرة الله كما يدعي "تايلر" وسيطرت هذه الافكار على معظم المفكرين بحيث لم يجرؤ احد لان ينصت الى رأي "لانج" و "شميدت" الذين اعلنا بان الشعوب البدائية المعاصرة موحدة. يقول عالم الانسان "ايفانز برجارد" ان غلبة التطور قد اعمت الكثير عن ان ينتبهوا الى البراهين الواقعية بهذا الصدد. فقد انهمك الكثير من علماء الانسان في اواخر القرن التاسع عشر في البحث عن الاصول الاولى التي تطورت منها المؤسسات الاجتماعية المختلفة، والتقاليد والمعتقدات مفترضين ان تلك الاصول التاريخية هي الاشكال البدائية الاولى لما يشيع في المجتمع من عقائد ومؤسسات اجتماعية وتقاليد. ومن امثلة ذلك محاولة "سميث" عندما ادعى ان الضحية عند اليهود قائمة على الاعتقاد بان تقديم الضحية واكلها ما هو الا عشاء رباني التي هي ضرب من الاله الطوطمي. لقد كان لهذه النظرية تأثير كبير في المحاولات التي تبتغي معرفة الاصول الاولى للمعتقدات في منظور تطوري وهي محاولات يشيع فيها الوهم والتخيل ويعوزها الدليل الواقعي. وكان من شيوع هذه النظرية ان انهمك الباحثون عما يسمى (الاصول النفسية) بطريقة الاستبطان في القرن التاسع عشر وذلك بتقمص حياة البدائي وردود فعله تجاه هذه الاوضاع. ان المحاولات الاولى التي تمخضت عنها التفاسير للظاهرة الدينية كانت قائمة على اساس افتراض العقل ف"تالير" يذهب الى ان الدين بدأ عندما حاول الانسان ان يفسر حوادث من قبيل الموت والنوم والاحلام على اساس الزعم بان للانسان روحا من خواصها الانفصال عن الجسم، وراح يسبغ الروح على الحيوانات والنبات والاشياء الجامدة مدعياً ان لهذه ارواحاً. وانتهى به الى الاعتقاد بكائنات عظمى لها ارواح من قبيل الالهة والجن. وقد ذهب "فريزر" نفس الاتجاه حينما زعم ان الانسان الاول ذا ثقة عمياء بالسحر ولكن الاذكياء رأوا ان السحر لايحقق الاهداف المبتغاة ولذا عمدوا الى الاعتقاد بكائنات حية جبارة تشبه الانسان تسير الكون. يمكن ان تستغل لمنفعة الانسان. ومن هذه المدرسة "ملر" الذي راح يفسر الدين على اساس تشخيص الظواهر الطبيعية من قبيل الشمس والسماء والمطر. غير أن هذا المنحى من التفسير لم يقنع الجيل اللاحق من المفكرين خاصة وان علماء النفس قد حطم الاعتقاد مسير بعقله وحل محله الاعتقاد بانه مسير بشهواته وعواطفه. ومن هنا تحولت وجهة تفسير الدين من كونه ظاهرة على اساس العقل والادراك الى كونه ظاهرة يجب تفسيرها على اساس العواطف والانفعالات. ان الاستبطان قد استمر في هذه الطريقة في البحث عن الاصول النفسية ولكن بدل ان يسال الباحث نفسه كيف كان يفكر لو كان رجلا بدائيا صار يسأل نفسه: كيف يشعر لو كان رجلا بدائياً. وعلى هذا الاساس رأينا اقطاب المفكرين يرون ان قوام الدين من حيث الاساس حالة شعورية من أهم خصائصها النفسية الشعور بالإجلال. ولكن "مالينوفسكي" كان هو الآخر قد ذهب الى أن الدين انما يظهر ويفعل مفعوله في أحوال الضيق العاطفي أو الشدة أو الأزمات العاطفية خاصة عند وقوع كارثة حياتية مثل الموت او طقوس العبور حيث يقوم الدين في هذه الاحوال بإعداد طريق وسبيل للتنفيس والهرب التصوري من الواقع المحض حيث تعز الطرق العملية امام الانسان. ان مثل هذه المذاهب من التفسير لم تقدم الدلائل على صحة نظرتها في تفسير الظاهرة الدينية على أساس المشاعر والأحاسيس. وهجرت مفاهيم الدهشة والاجلال والرهبة والنشوة حيث ظهرت نظرية "فرويد" بمفاهيمها الجديدة وانقلب علماء الانسان الى (الاسقاط) في تفسير الدين، لان فرويد يرى ان الدين وهم يلازم عدم نضج الانسان كفرد او كنوع. غير ان "دوركهايم" ومدرسته انكروا كل هذه المحاولات في تفسير الدين على اساس نفسي مدعين ان الحقائق الدينية ما هي الا حقائق اجتماعية. ذلك ان الدين ليس امرا فرديا ولكنه ظاهرة اجتماعية عامة تقليدية ومن خصائصها الجبر والاكراه والالزام. لذا راحوا يؤكدون على مهمة عالم الاجتماع ان يكشف عن علاقات المفاهيم الدينية بنسيج الحياة الاجتماعية اثرها في احداث هذه المفاهيم والطقوس والمراسيم التي يتميز بها الدين. ان مما يدعم واقعية هذه النظرة للظاهرة الدينية هو ان علماء الانسان قد وجدوا ان الدين تفكيرا وعملاً يتأثر تأثراً كبيراً بما يشيع في هذه الشعوب البدائية من ظروف واحوال سياسية واقتصادية ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يسود فيها من ظروف اجتماعية وانه يمارس ويظهر جلياً في حوادث الولادة والزواج والمرض والموت وما شاكل من مناسبات اجتماعية.(الكعبي، 1971: 79-85) وفي احوال الشدة والضيق والازمات والكوارث الحياتية.(الكعبي، 1973: 67) ان هذا القلق الاجتماعي هو عرض تمزق وانهيار العيش، ويغلب عليها عدم التنظيم، و يكون السلوك مرناً سيالاً فعالاً، من خصائصه النشاط والفعالية فقد انهارت الروتينيات المعتادة من النشاط والعمل، واصبح الافراد في حالة تسيب واستعداد مفرط للتأثر بالحوادث والمنبهات تأثراً عميقاً. فتنشأ عنها ضروب جديدة من النشاط المنظم والفعاليات المتبلورة كالحركات الاجتماعية الحركات الاصلاحية والحركات واليقظات الروحية.(الكعبي، 1973: 162) ان الافكار الدينية والشعائر تتولد عن الجو الاجتماعي الحماسي الهائج ومن ثم ينشأ دين المجتمع، او الطائفة الاجتماعية وينشأ المقدس أو الاله. كما يرى (دوركهايم)(الكعبي، 1973: 62) يحدثنا المؤرخون ان مدنا بكامل سكانها كانت تنهمك في هذه العصور بالرقص اياما طويلة بلياليها حيث يقضي بعضهم نحبه من الاجهاد، ويفقد آخرين وعيهم. وهكذا كانت تنتهي هذه الظواهر الجمعية بشهداء وقديسين وعقائد جديدة وهمهمات وترانيم دينية جديدة، وشعائر وطقوس وعبادات وطوائف وفرق دينية جديدة.(الكعبي، 1973: 433)
ان سلطان بعض الخرافات والاساطير وبعض الآراء وسلطان العاطفة الاجتماعية المشتركة والتقاليد والاذواق العامة، وسلطان الامر والنهي والعادات الاجتماعية وسلطان بعض الشعائر والطقوس والمراسيم والاعياد الاجتماعية والمهرجانات الشعبية والقومية والدينية، وسلطان الموتى والاجداد والطوطم عند المجتمعات الطوطمية، وسلطان التحريم والمحرمات كلها تمتد جذورها الى الجمهور.(الكعبي، 1973: 182) ان الجماهير المغلقة التي تمخض عنها الماضي كانت قد استحالت الى مؤسسات اجتماعية مألوفة. ان اعضاء هذه الجماهير كانوا يلتقون عادة لأغراض خاصة من قبيل الأغراض الدينية او العيد او لأغراض عسكرية، وهذه الاغراض كانت تكتسب تلك الجماعات مشروعية وتضفي عليها سلطانا. ان الشخص الذي يحضر حفلاً دينياً، يعتقد اعتقاداً جازماً بأن ما كان يهمه من هذا الحفل هو الوعظ الديني، وهو يستغرب ويندهش وربما يغضب اذا ما حاولت افهامه بأن العدد الغفير من المستمعين الحاضرين الذين معه هم من زوده بشعور الرضا والبهجة والطمأنينة أكثر مما فعل الوعظ الديني. ان كل الاحتفالات والقواعد العائدة لهذه المؤسسة تبتغي اقتناص الجمهور وحبسه، انها تفضل معبداً آمن على العالم غير الآمن. ان رتابة وانتظام الذهاب الى المعبد، ودقة الاعادة والتكرار المألوف لبعض الطقوس والشعائر من شانها ان تهيء وتحفظ للجمهور ما يشبه الخبرة البيتية العائلية. وهذه الافعال تقوم مقام حاجات ودواعي لما هو اقسى من الافعال واعنف واكثر وحشية وحماسا وهيجاناً، ومن هنا فهي أفعال جماهيرية مدجنّة.(الكعبي، 1973: 184،184)
درس "كناتي" عن تدجين الجماهير في الاديان العالمية حيث يؤكد على ان الاديان التي اعترف بأن دعوتها كانت عالمية، عامة شاملة، كانت قد غيرت لهجتها ونبرتها في الدعوة. فقد كان هدفها في البداية ان تكسب في صفوفها كل من يمكن ان تصل اليهم. جمهورا عاما شاملا. غير ان النضال الذي تخوضه هذه الاديان وجدت من الصعب انها تفتقر الى مؤسسات تزودهم بالتماسك والدوام، فيحفز الاتباع لأنشاء مؤسسات خاصة بهم تحت تأثير مؤسسات معارضيهم. وهكذا ابتنى الكنائس والمعابد لتضم المؤمنين مع الحذر من التوسع خوفا من تعدد المعابد الذي يقود لخطر الانحلال.
ان الحس بخيانة الجمهور، هو حس يجري في كل الاديان العالمية على مدى التاريخ ذلك ان تقاليد هذه الاديان تعطيها درسا: كيف انها نمت فجأة ومن دون توقع بقصص عن انقلاب الجماهير الغفيرة اليها بسرعة فائقة كمعجزة. غير ان هذه المعجزة تنقلب في حركات الزندقة والمروق عن الدين ضد هذه الاديان. وهو ماتخشاه هذه الاخيرة وتضطهده وتقاومه بعنف. ان هذا المروق عن الدين من شأنه ان يعرض جسم الدين الى اضرار مؤلمة. وهذين الوجهين للجماهير هو ما يجعل الاديان تشك بالجمهور. ان ما تبتغيه هذه الاديان هو القطيع الراضخ، المطيع، المنصاع كالشياه وان يمتدحوا لرضوخهم وطاعتهم وتسليمهم بالخضوع. كم ان الكنائس تقاوم المقاومة النزوع للنمو السريع وتنبذه وتتنكر له. اما الهدف الذي تضعه هذه الاديان بعيدا في المستقبل في العالم الآخر والذي لايحققه الشخص إلا بمساع ومجهودات وتنازلات وطاعات وخضوع. وكلما كان الهدف المتوخى بعيدا، كلما كان توقع ثبوته ودوامه افضل. ان المؤمنين يجتمعون سوية في أماكن معينة وفي اوقات معينة حيث يحولون عن طريق قيامهم بشعائر وافعال هي على نفس الشاكلة دوما، الى حالة مخففة من شعور الجمهور كافية لان تؤثر فيهم دون ان يصبحوا خطرين. وهكذا يعطى لهم شعورهم بالوحدة على شكل جرعات عن طريق استمرار الكنيسة. هذا وعندما يصبح الناس معتادين على هذه الخبرة المحدودة المتكررة بدقة في كنائسهم ومعابدهم فانهم يصبحون لا يستطيعون الحياة بدونها. ولا يبقى ما يعترض عبادتهم الى منع او مقاومة او اخماد او ما يحرمها بتشريع او قرار حكومي، من دون اثار وعواقب. ان اي ازعاج او اخلال باقتصادهم الجماهيري الموازن بعناية لابد ان يؤدي الى انفجار جمهور. فهو ينتشر بسرعة فائقة، ويحقق مساواة فعلية بين اعضائه، ويجد كثافات جديدة اكثر حماسا.(الكعبي، 1973: 323،326)
ان السلوك الجمعي لا يقتصر مفعوله على احداث تغييرات اجتماعية، بل انه في بعض الاحيان يكون عاملا من عوامل المحافظة والثبوت وتركيز النظام. فالأنماط السلوكية الحديثة العهد والقيم الحضارية الجديدة التي ماتزال يعوزها الرسوخ في المجتمع، فتعمل بعض ظواهر السلوك الجمعي على ترسيخها واكتسابها حرمة ونفوذ بين الناس. إن من قبيل هذا ما تلجأ اليه كل نظام جديد عادة من دعاية ومسيرات ومظاهرات ومواكب واحتفالات بيوم تكوينه او نصره او ولايته وما شاكل. إن مثل هذه الضروب من السلوك الجمعي تصبح مؤسسية بالتدريج. فتستمر تجري ضمن الحدود المتعارفة عرفيا في المجتمع. إن امثلة ذلك الاحتفال بيوم الهجرة النبوية، وذكرى الحسين، وثورة اكتوبر في الاتحاد السوفيتي، وميلاد المسيح، واحتفالات هياجية طقوسية لدى بعض الشعوب البدائية الخ. ان الغرض من كل هذا هو مساندة النظام الاجتماعي القائم. وتدعيمه وغلغلة ركائزه.(الكعبي، 1973: 40،41) اما فترات التغير الاجتماعي فان السلوك الجمعي يساعد على تزويد الناس بالحيوية والحماس والتعلق الديني تقريباً بالقيم التي تتميز بها فترات التغيرات الاجتماعي.(الكعبي، 1973: 46)
الزعامة/النبوة في منظور الكعبي
ان التراث الاجتماعي في كل مجتمع ينطوي على رواسب ومخلفات ومقدسات وشعائر ومراسيم وطوائف دينية ومشاعر ومؤسسات وقيم وآداب عامة ومحرمات وتقاليد وقواعد سلوكية، هي من خلق الجماهير في الأعم تكونت على مدى تاريخه. بل ان رجالاً مجهولين قد رفعتهم الجماهير الى مراكز السلطة والنفوذ حيث تمتع بعضهم بسلطان مطلق لم يتمتع به غيرهم على مدى التاريخ. فالحركات الدينية الكبرى او الصغيرة، وما تمخضت عنه من انبياء وزعماء ورجال ورؤساء طوائف وحروب مقدسة هي كلها حركات جماهيرية.(الكعبي، 1973: 178،179،180) ان الزعيم يكسب صفة الالهام عندما يكسب اتباعا متحمسين، اشداء، مندفعين، يخلقون لزعيمهم صورة هي فوق صورة الناس في الواقع. ثم يدعمونها تدعيما اجتماعيا مفرطاً. ويتفانون في سبيلها كل الاخلاص هما من اهم ما يدعم النظام الاجتماعي الذي هو محوره. وهذا ما يؤدي الى اسباغ سمة الالهام على مختلف دوائر السلطة. ان الملك يكتسب في نظر رعاياه، عن طريق الطقوس والمراسيم والخرافات، بعض الخصائص فوق البشرية. ومن ثم يصبح زعيماً ملهماً، له اتباع مخلصين ومتعلقين به، وهذه الطاعة والاخلاص للزعيم يمكن ان تنتقل للنظام الاجتماعي الجديد.(السلوك، 1973: 43،44)
نشأة الدين عند الكعبي
ان الانسان حين اصبح انسانا، اراد ان يكون اكثر عددا. والواقع ان كل معتقدات وخرافات وطقوس واحتفالات هذا الانسان مليئة، مفعمة بهذه الرغبة. ولذا كانت طقوس استسقاء المطر وطقوس التكاثر هي نفس الطقوس في عدد من بقاع العالم.(الكعبي، 1973: 244،245) وبعض الطقوس التي يتحول البشر الى حيوان/طوطم كانت ترتبط بأعدادهم الكثيرة التي يحاكونها اثناء التكاثر، لأنه يريد ان يضمن ويطمن لنفسه هذه الاعداد الهائلة. (الكعبي، 1973: 247،248،249)
ان الدراسات التي اجريت على مجتمع "جيفارو" في جنوب امريكا الشمالية تبرهن على ان الدين في هذا المجتمع، وكثير من الشعائر والطقوس والمراسيم والاعياد والتقاليد وبعض التراث الاجتماعي هي نتيجة التحول الى عصبة تكاثر من عصبة الحرب. وقبيلة "ليله" في الكونغو البلجيكية تبرهن على جذور الدين في هذه القبيلة تمتد الى تحول عصبة الصيد الى عصبة تكاثر. والدراسات التي اجريت على مملكة "داهومي" منذ القرن التاسع عشر تبرهن على ان السلطة الدينية والدنيوية في هذا المجتمع تمتد الى تحول عصبة الحرب الى عصبة تكاثر. ان تاريخ الامبراطورية الرومانية وتواريخ شعوب كثيرة اخرى ترينا جميعا آثار تحول عصبة الحرب فيها الى عصبة تكاثر في حضارتها وفي تراثها الاجتماعي. لقد كانت تنتهي في هذه الشعوب باحتفالات النصر واعياده، كما كانت تنتهي بحصول المنتصر على الغنائم والاسرى والنساء والكنوز وكلها من معالم عصبة التكاثر. فأعياد النصر هي من وجوه التراث الاجتماعي ومن آثار التحول بالذات. ويجمع الباحثون ان صلب المسيح وحزن الشيعة في شهر محرم وما شاكل من امثلة كثيرة في تاريخ البشرية تدور فيها العقيدة حول شهيد منقذ هي من آثار هذا التحول الى عصبة حزن أو اسى.(الكعبي، 1973: 279،280)
وظائف الدين وفوائده:
لاشك ان للدين وظائف وفوائد مهمة ومتعددة في المجتمع. ويمكن أن تقسم الوظائف التي يقدمها الدين الى نوعين: أ_وظائف تتعلق بالفرد، ب_وظائف اجتماعية: أي الوظائف التي تخدم الجماعة.
أ_الوظائف الفردية: يقدم الدين للفرد خدمات جلى، اذ أنه يضفي على الشخص الطمأنينة والراحة في الحالات والمواقف التي يعجز فيها الانسان عن تدبير أموره مثال ذلك الازمات والمشاكل التي تواجهه بين حين وآخر. ففي الحالات المفزعة أو المفجعة أي في حالة المرض والحرب وغيرها يقوم الدين بمساعدة الفرد من ناحية أشعار الفرد بأن هناك من يساعده على الشعور بالطمأنينة أو من يعينه على حل بعض المشاكل ويساعده على الشعور بالطمأنينة والسلامة، فالتأثير النفسي الذي تتركه العبادة في المتعبد يساعد على اعادة ثقته بنفسه وخاصة في أحرج الازمات أو الاوقات. هذا بالاضافة الى أن الدين يبين للانسان بأنه جزء صغير من عالم كبير وعليه ان يقوم بدوره في الحياة متبعا بذلك القواعد القومية من السلوك، أي أن الدين لاينظم علاقة الانسان بأخيه الانسان فحسب بل أنه ينظم علاقة الانسان ببقية المخلوقات وبالخالق.
ب_الوظائف الاجتماعية: للدين وظائف اجتماعية حيوية اذ أنه يساعد على زيادة التماسك والترابط الاجتماعي بين الافراد، كما ان الدين يعتبر المصدر الرئيسي للقيم والمثل الاجتماعية، هذا بالاضافة الى أن الدين يعتبر اهم مصدر من مصادر الضبط الاجتماعي. فالقيم الخلقية التي يعززها الدين بالثواب والعقاب والتي يفرض على الانسان اتباعها تساعد الافراد على اتباع الطرق الصحيحة في اعمالهم وتصرفاتهم. فالوعد بالعقاب المؤجل او المعجل للفرد المخالف للتعاليم الدينية يعتبر عنصرا اساسيا من عناصر الضبط الاجتماعي اذ مثل هذا الضبط أي الدافع الداخلي لا القسر الخارجي، يعتبر اكثر فعالية وتأثيرا في كثير من الاحيان مع منع الفرد من الانحراف عن الطريق السوي.
هذا وان بعض الطقوس الدينية تستلزم العبادة الجماعية الامر الذي يقرب بين الافراد ويضفي عليهم شعور الوحدة والتماسك، كل ذلك يساعد على تقوية صلات الافراد بعضهم ببعض ويزيد من ترابطهم الاجتماعي. فالدين كما يظهر لنا استعراض تاريخ البشر منذ اقدم العصور الى اليوم، هو شيء اساسي في حياة البشر، فلذلك يجب ان نطرح جانبا ذلك الاستخفاف الرخيص بالدين الذي يظهر عند بعض السطحيين.(الكعبي، المشاط، 1983: 79،80،81(
للدين والعقائد دور مهم في ضبط سلوك الافراد، وفي ضبط تصرفاتهم ومنعهم من الانحراف عن القيم والقواعد القويمة. ان الدين بما يحمله من قيم وشعائر يؤثر في الفرد وفي مكونات نفسه ويحمله على اتباع الطرق والاعمال التي يقرها الدين والامتناع عن الطرق والاعمال التي يحرمها أو التي يشجبها، ان الدين يقوم بتمييز الخطأ عن الصواب ويقوم كذلك بتكوين وتخطيط نوع من السلوك للفرد مؤكدا على مساعدة الغير والايثار والنية الصافية. كل هذه القيم وطرق السلوك تأخذ قوتها من العقوبات التي ستحل بالفرد اذا لم يتبع تعاليم الدين وكذلك تأخذ قوتها من المكافأة التي ينالها الفرد من اتباعه هذه التعاليم سواء كان الخير الذي يصيبه في الحياة الدنيا أم في الآخرة. وكلما زاد تمسك الفرد بالدين وتعمق اعتقاده في مبادئه وفي القوى التي يمثلها، كان تصرفه وسلوكه مأخوذا من وحي الدين وتعاليمه. فشعور الفرد بأن اعماله مراقبة من الخالق أو من القوة الخفية التي يعتقد بها تثير في الفرد القلق الدائم الا اذا قام بالأعمال والتصرفات التي يقرها الخالق او القوة الخفية التي يؤمن بها. وفي كثير من الاحيان يعتبر الدافع الديني أقوى الدوافع لضبط سلوك الافراد وخاصة اذا كان الفرد يعتقد حقا ويتمسك فعلا بالدين.
تفرض العقائد سطوتها الدينية على الفرد_ذلك بجعله على اتباع تصرفات معينة والامتناع عن تصرفات معينة_بطرق عقابية مختلفة طبقا للعقيدة التي يؤمن بها الفرد. وقد تكون بشكل اعتقاد الفرد بأن هناك قوة خارقة تراقب تصرفاته وحركاته وسكناته وان هذه القوة تكافئ المحسن وتعاقب المسيء أو المنحرف طبقا لضخامة العمل السيء. وقد يكون الثواب أو العقاب الديني بشكل اعتقاد الفرد بأن روحه بعد الممات ستكون في جسم حيوان أو في جسم فرد من الافراد الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية واطئة اذا لم يتبع السلوك الذي يفرضه الدين. أما حالة تمسكه بالاصول الدينية فان روحه ستحل في اجسام ملوك أو امراء، ويلاحظ أن هذه المعتقدات سائدة عند (الهندوس) في الهند.
وتنصب قوة وفعالية الاديان السماوية في ضبط سلوك الافراد المعتنقين لها نوعين هما الثواب والعقاب. فالفرد الذي يحيد عن تعاليم دينه وينحرف في سلوكه الاجتماعي ويرتكب ما حرمه الدين من أفعال يكون جزاؤه النار في الحياة الآخرة. والفرد الذي بعمل العمل الصالح ويتبع قواعد السلوك التي يحث عليها فأنه سيدخل الجنة في الحياة الآخرة. هذا بالاضافة الى أن الفرد الذي يحيد عن مقومات الدين لايحترم اجتماعيا ويبعد عنه الناس في الاوساط التي تتمسك بالدين تمسكا صحيحا أصيلا. والشخص الذي يتمسك بتعاليم الدين وقيمه الخلقية يكون الخير حليفه في هذه الحياة الدنيا. وهذا الامر بالطبع يوجه سلوك الافراد توجيها معينا ويضبط تصرفاتهم ويمنعهم من الخروج عن جادة الصواب.
والواقع أن قيام الفرد بالشعائر والعبادات والواجبات الدينية يفرض عليه نوعا من التصرف والسلوك الاجتماعي. أي ان قيامه بواجباته الدينية يستلزم قيامه ببعض التصرفات الاجتماعية المرغوبة لكي تكون هذه الواجبات مقبولة عند الخالق. فلكي تقبل صلاة المسلم، مثلا، عليه أن لايقيمها على ارض مغصوبة وعليه أن يمتنع عن شرب الخمر والمخدرات وعليه ان يمتنع عن الاستيلاء على اموال الغير او الاعتداء على الغير وعليه ان يمتنع عن الغش والخداع في معاملاته مع الناس، وعليه فوق ذلك أن يعمل المعروف وينهى عن المنكر. ولاشك أن الارتباط بين العقيدة والشعائر والعبادة وبين العلاقات الاجتماعية له الاثر الفعال في ضبط سلوك الافراد ضبطا يفوق بمفعوله الوسائل الضبطية الاخرى. أن مشاركة الاخرين في الشعائر الدينية يساعد على تقوية وترسيخ القيم والمثل والمبادئ التي تقام من اجلها. فالافراد المشتركون في هذه الشعائر يشعرون بقوة وسند الجماعة، ثم أن ترديد بعض العبارات أو القيام ببعض الطقوس يقوي في الافراد شعورهم باهمية المبادئ والقيم التي يحملونها في حياتهم العامة.(الكعبي، المشاط، 1983: 88،89،90)
علم اجتماع الاسلام في منظور الكعبي
ان علماء الاجتماع جميعا يؤكدون على ان الظواهر الاجتماعية كلها جملة وتفصيلا هي بنت الواقع الاجتماعي الذي يحياه الناس، ومن ثم فان تفسيرها يجب ان تمتد الى هذا الواقع فتكشه وتحلله. لقد انتبه الى ذلك حتى مؤرخونا ومفكرونا منذ قرون خلت، ففي مجال البحث في الدعوة الاسلامية في بداياتها نجد المؤرخين يمهدون لذلك بالإشارة الى التحلل الخلقي والى الظلم والتمايز الطبقي، والربا والعصبية القبلية وتفشي الخرافات والاباطيل والحروب المنهكة، والادمان على الخمر وتعاطي الميسر والازلام والكساد النفسي الذي كان طاغيا على سكان الجزيرة استدعت ظهور الدين الاسلامي للأخذ بيد الرشاد وانتشالها من هذا الشقاء والضلال. لقد اهتم المفكرون والباحثون بظهور الظاهرة الدينية فتتبعوها في مختلف المجتمعات وجمعوا كل ما يتصل بها مما هو معروف في المجتمعات البدائية وانشعبوا في تفسير ذلك كله الى مدارس فكرية متعددة.(الكعبي، 1973: 276،277) والى الحركات الجماهيرية التي اطلقها الاسلام بين العرب ترجع المدنية الاسلامية والفتوحات والثورات والادب الاسلامي ونحو العلوم القرآنية واللغوية وما طرأ على العرب والمسلمين فيما بعد من خير او شر بسبب الملابسات والظروف التي المت بهذا الجمهور من الداخل والخارج فشقته الى معسكرات متناحرة، والى طوائف متعددة تختلف في بعض رموزها ومقدساتها وفي بعض تفاصيل تواريخها عن التاريخ المشترك العام، والى بلورة جماهير مختلفة الضروب والانواع، والى عقائد بعضها بعيد عن صلب الاسلام وجوهره.(الكعبي، 1973: 180) ويشير "كناتي" الى الوقوف في عرفات في نهاية شعائر ومراسيم الحج ويخلص بعد الوصف لمراسيم الحج ان هذا الركود الذي يتحقق خلال هذا النوع من المناسك حيث تكون مئات الالاف من الناس في حالة هياج متصاعد يبقون خلاله في ذلك السهل. ان ذلك كله هو تجسيد للركود والتسليم.(الكعبي، 1973: 440،441،442) ان الحضارة العربية الاسلامية لم تزدهر في كل مظاهرها الا في عهود الاحتكاك الحضاري سواء كان مركزه الشام او بغداد او القاهرة او الاسكندرية او قرطبة. وهؤلاء الذين يبلورون مفاهيم مسمومة تنطوي على مرامي الايقاع بهذا المجتمع على الدعوى الى الانعزال هم دعاة سوء وجمود وجهل وبلادة وان تجلببوا بجلابيب الوطنية والاصلاح.(الكعبي، 1966_1967: 201،202)
الحركات الاجتماعية التي تدور حول منقذ منتظر
اذا احتكت الامم والشعوب ذات الحضارات المختلفة واتصلت اجتماعيا وحضاريا فان هذا الاتصال يتمخض عن آثار ومشكلات تعرض الجماعات المختلفة الى ازمات تهدد التقاليد الراسخة والعادات المستحكمة والتنظيم الاجتماعي،(الكعبي،1965_1966: 200) ومن بين ما تتمخض عنه الاتصال والاحتكاك الاجتماعي والحضاري حركات اجتماعية مختلفة اسماها (رالف لنتون) الحركات الحضارية تشمل انواعا متعددة من الحركات الاجتماعية، ومن بينها الحركات التي تدور حول انتظار منقذ. والاسباب التي تهيء الناس لظهور هذه الحركات هي الأزمة أو كارثة تدفع الناس الى توقع عهد جديد يطمن حاجاتهم واستقرارهم. وهذه الحركات تنظم اتباعها بحضارتهم وهي من وجهة نظر اعضائها، تعبير عن أزمة أو خطر يتهدد الحضارة، ومن ثم تكون هذه الحركات عبارة عن محاولات منظمة لأحياء وبعث بعض الوجوه المنتقاة من الحضارة. ومن هنا تتميز هذه الحركات بجاذبية في اكتساب الاعضاء والمؤمنين في اعادة الفردوس المفقود. وذهب عدد من الباحثين الى تأكيد ان فترات التغير الاجتماعي في مناطق التحاضر تتمخض عن حركات اجتماعية يعرف عند علماء السلوك الجمعي بحركات المنزلة الشخصية. ومصدر هذه الحركات في الحياة الحضرية هو ما يتعرض له المهاجرون الريفيون في المدن من تغير في اساليبهم وقيمهم الريفية التقليدية، وما يشعرون بتمزق في روابطهم الاجتماعية التي اعتادوا عليها قبل هجرتهم للمدينة التي احلت الانعزال النفسي_الاجتماعي بدل العلاقات الشخصية المباشرة الدائمة في الريف، ان هذه الحالة يطلق عليها (هولت)(الصدمة الحضارية) التي تحفز هؤلاء الريفين الوافدين الى تنمية حركات الانبعاث الديني ونبذ الاتجاهات التحررية.. وقد تكون هذه الحركات بين الطبقات أو الأفراد الذين يشغلون مراكز مرموقة والذين يشعرون بأن تلك المراكز مهددة بالتغير الحضاري فتكون حركة حضارية من النوع البعثي.(الكعبي،1965_1966: 203_207)
ان الحركات الاجتماعية التي تظهر في مثل هذه الاوضاع تختلف باختلاف المجتمعات ومراحلها التاريخية وحضارتها وطبيعة الوضعيات التي يعانون آثارها وباختلاف العقائد الاساسية التي تقوم عليها تلك الحركات. كما ان اسلوب تهيؤ الناس المعتقدين بمثل هذه العقائد يختلف باختلاف الحالات الاصلاحية التي يرتجونها في العهد الجديد.(الكعبي، 1965_1966: 210) ان الحركات من هذا النوع، كلها تقريبا، تبشر بالعودة الى النظام الاجتماعي القديم أو بالأحرى بعثه في نظام جديد.(الكعبي، 1965_1966: 212) وتزود هذه الحركات البائسين بطوبائية تتحقق في المستقبل حيث يبدلون بالهوان رفعة وبالبؤس سعادة وبالحرمان اشباعا منقطع النظير. ومن مزايا هذه الحركات تمكين الفرد من الاستمرار في الحياة المليئة بالمصاعب، ومن شأن الأمل أن يمد العزائم بالدفع والحيوية والقوة.
ان الذين يسهمون في أية حركة اجتماعية مناهضة للأوضاع القائمة هم غير راضين عن النظام القائم عادة. وان هذه الحركات مشدودة بالواقع الاجتماعي للجماعة من حيث السببية والنشأة ومن حيث المحتوى والاسلوب ومن حيث الغرض والمهمة، وهي تعبير عن تكيف الانسان للواقع القاسي. وليس من الضروري ان تكون ازمة حضارية، بل ان الاضطهاد والظلم، والتمييز والتعصب ضد أية جماعة هي من العوامل الفعالة في دفع هذه الجماعة لان تتحرك باتجاه انتظار منقذ.(الكعبي،1965_1966: 214_216)
دراسة الكعبي الميدانية في علم الاجتماع الديني
في دراسته (دراسة حال زعامة) يجري الكعبي مقابلة مع زعيم امة الاسلام (الاجة محمد) يساله عن تاريخ الحركة ونشاتها ومؤسسها. وهي (دراسة حركة اجتماعية قادها احد الزنوج في أمريكا في بداية العقد الثالث من القرن العشرين شخص يدعى (فرد) الذي كان بائعا متجولا في الأحياء التي كان يسكنها الزنوج من مدينة (ديترويت) في الولايات المتحدة الأمريكية وقد بدت قصة (فرد) وتفاعله الاجتماعي مع الزنوج عندما كان يبث دعاية لبضاعته التي صنعت في الشرق وهم أخوانكم- كان قول فرد للترويج لبضاعته- فدهش هؤلاء الزنوج لأنهم لا يعرفون لهم أخوان، وكل ما يعلمونه إنهم قد جيء بهم من أفريقيا وإنهم ابتيعوا من قبل البيض في أمريكا لاستعمالهم في الزراعة لأول مرة .
وهكذا بدا هؤلاء يلحوا بالتساؤلات مرة يعد أخرى وراح (فرد) يبشر الزنوج بالمساواة وان أجدادهم في الشرق ذو حضارة عريقة تفوق حضارتهم ومدينتهم أمريكا بكثير وان أجدادكم هم الذين بنو المدنيات في العالم واضطر (فرد) أن يجيب على كل هذه الأسئلة وأمثالها بما أملاه عليه خياله. وبدا الزنوج ينتظرون (فرد) بفارغ الصبر ,ويبحثون عليه ليمطرون عليه وابلا من الأسئلة عن إخوانهم في الشرق. ووجد (فرد) نفسه في وضعية لم يتوقعها من قبل إذ يتجمهر من حوله الزنوج أينما وجدوه فاضطر أن يجمعهم في بيت احدهم ليجيب على أسئلتهم.)(البلداوي، 2011: 97،98)
ويخلص على وجه الايجاز الى قصة زعامتين التي انشات طائفة، والاستنتاج ان التفاعل الاجتماعي خلاق: فقد خلق شعائر وطقوس ومراسيم وقيماً ورموزا وافكاراً وتنظيماً اجتماعيا معينا وخرافات واناشيد وعادات وتقاليد وفلسفة في الحياة وعقائد واساطير وادوار اجتماعية ومؤسسات اجتماعية وآملاً وتوقعات وزعامات وشخصيات زنجية جديدة. ثانيا: ان الزعامة دور يتكون في عملية التفاعل بين مجموع من الناس في وضعية مشتركة حيث يتمخض هذا التفاعل الاجتماعي عن تكوين دورين اجتماعيين يتسمان تدريجيا بالتخصص على أساس ما بين القائمين بهما من ترابط متبادل وحفز متقابل وتأثر وتاثير ضمن اطار الوضعية الاجتماعية العامة المشتركة. ثالثا: ان من طبيعة الوضعية الاجتماعية العامة ما يعانيه الناس من حرمان او تهديد لقيمهم التي يتمسكون بها او الطموح يعتلج في نفوسهم او شعور بان الحالة الراهنة لاتحتمل، ومن ثم ينزع الناس لو بصورة بدائية للتغيير. رابعا: ان جوهر الزعامة ومصدرها واساسها هو ما يعتلج في نفوس الناس ولو يشعرون به من حاجات اساسية. وهذا من شانه ان يقوي هذه المشاعر وان يضمها في أطار جمعي. خامسا: تبرهن هذه الدراسة ما قاله (ميد) ان رجع المشاركين الآخرين في الفعل الاجتماعي لايتوقف كثيرا على ما قيل او فُعل ولكنه يتوقف على طريقة وكيفية فهم هؤلاء المشاركين لما قِيل من قبل الآخرين. سادسا: ان لهذه الجماعة طقوسها ومقدساتها وهي نتاج التفاعل الاجتماعي فيما بينهم ولأنها تشبع كلها المشاعر المشتركة والعواطف العامة بين هؤلاء الاعضاء. سابعا: ان نشوء هذه الحركات يكمن في عملية تناقل المشاعر والعواطف والافكار وفي عمليات التفاعل الاجتماعي نفسها. ثامنا: ان حماس هؤلاء الاتباع للحركه يكشف لنا دور المشاعر والآمال والمطامح والخرافات والعواطف والاوهام في سلوك الانسان.(الكعبي، 1966_1967: 301_305)
ملاحظات ختامية
يتبين مما عرض ان الدكتور (الكعبي) طبق نظرية التفاعلية الرمزية على علم الاجتماع الديني وانه تأثر بوضوح بنظرية (دوركهايم) عن الاصل الاجتماعي للدين ودور الطقوس في خلق الجيشان والفوران الاجتماعي الذي يولد حالات جديد من الوعي الجمعي ومن المشاعر والاحاسيس الجديدة التي تؤسس لأساطير ومعتقدات وقيم وافكار اجتماعية جديدة. وجائت دراسته المهمة (دراسة حال الزعامة) لتثبت صدق هذه النظرية، لكن الكعبي عاش ازدواجية معظم المثقفين الذي يطبقون النظريات الاجتماعية على جميع الاديان إلا الإسلام يستثنى من ذلك، اما ايمانا شخصياً بالإسلام كرسالة سماوية، او تجنبا من تهمة الالحاد من المجتمع أو الحكومة في حال طبق النظريات الاجتماعية على الاسلام، وربما لذلك استبدل مصطلح النبوة بمصطلح الزعامة الاقل حساسية حيال الجمهور، ولهذا كانت اسهاماته بسيطة بعلم اجتماع الاسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_د. حاتم الكعبي، د. محمد المشاط، مبادئ علم الاجتماع، الجمهورية العراقية وزارة التربية، الطبعة العاشرة، 1983.
_د.حاتم الكعبي، حركات المودة، مطبعة الديوانية الحديثة_الديوانية، الطبعة الاولى 1971.
_د.حاتم الكعبي، السلوك الجمعي، الجزء الاول، ساعدت جامعة بغداد على نشره، الطبعة الاولى 1973، مطبعة الديوانية الحديثة_الديوانية.
_د.حاتم الكعبي، دراسة حال زعامة، الاستاذ، تصدرها كلية التربية جامعة بغداد، المجلد14، بعدديه الاول والثاني، 1966_1967، ص201،202.
_د.حاتم الكعبي، الحركات الاجتماعية التي تدور حول منقذ منتظر، الاستاذ، المجلد13،1965،1966.
_انس ناجي حسن البلداوي، منهجية البحث عند الدكتور حاتم الكعبي، دراسة اجتماعية تحليلية،2011، جامعة بغداد، كلية الاداب، قسم علم اجتماع. (رسالة ماجستير غير منشورة)
_د.الكعبي، دراسة حال زعامة، مصدر سابق.