الشرق و الغرب

محمد حسن البشاري
2019 / 2 / 19

في السبعينيات قرأت قصيدة " إذا " في مجلة العربي الكويتية وفي الثمانينات قرأتها في أصلها الإنجليزي “IF” للشاعر الانجليزي روديارد كيبلنغ Rudyard Kipling فأعجبت بها ايما اعجاب حتى انني عندما وجدتها في بوستر في بريطانيا عام 1995 لم اتردد في شراءه وتعليقه فوق المنضدة التي أدرس عليها لأستمتع بقراءتها بين حين واخر محاولا حفظها وصرت ابحث عن هذا الشاعر فوجدت التحامل عليه من قبل النخبة العربية المثقفة بل لم اجد أحدا من العرب يثني عليه وكلهم يتهمونه بالعدائية للشرق عموما لقوله "الشرق شرق والغرب غرب" ومنذ ذلك الوقت لم استطع استيعاب هذا الاتهام لمجرد قوله هذا فانا اؤيده تماما في مقالته وكلما ازددت تعمقا في فهم الشرق والغرب اجدهما في أحيان كثيرة على طرفي نقيض وليس ادل على هذا من بعض الشواهد التي تراكمت عندي عن النخب العربية (وليس العامة) والتي ساسرد بعضا منها فيما يلي :

• في قضية السيد / كارلوس غصن الرئيس السابق لتحالف نيسان رينو والمستمر احتجازه في اليابان منذ 19/ نوفمبر (تشرين الثاني)/2018 لاتهامه باخفاء جزء من دخله عن السلطات الضريبية في اليابان بطريقة لا تتم إلا في دولة متخلفة ديكتاتورية من دول العالم الثالث التي لا تقيم لمعايير العدالة القانونية اي وزن ومن أهمها عدم إحتجاز أي إنسان دون توجيه تهمة اليه لمدة تتجاوز عدد معقول من الساعات وليس 23 يوم التي يجيزها القانون الياباني بل الأنكى من ذلك أن 99.9% من حالات الاحتجاز هذه يتم توجيه الاتهام فيها الى المحتجز. وبذلك برهنت اليابان بانها شرقية وليست غربية.

• هناك مشاهد لا حصر لها أسترعت انتباه الكثير من العرب سواء كانوا مثقفين نخبويين أو أشخاص عاديين من رفاعة الطهطاوي الى وقتنا الحالي مرورا بزكى نجب محمود وغيره وأذكر هنا بعض الأمثلة التي قرأتها حديثا في مذكرات السيد/ عمرو موسي الموسوم بـ (كتابيه) والذي ذكر أنه في بداية عمله كديبلوماسي في سويسرا وتحديدا في الصفحة 74 منه ما يلي بالنص: "كنت في سويسرا عندما أركب الأتوبيس العام في أيام الثلج بالشتاء أحيانا أجد رئيس الاتحاد السويسري يقف في الأتوبيس ولا يقف له أحد من الجالسين وفي إحدى المرات وقفت لأجلسه وبعد الحاح مني جلس وهو ممتن لكنه مستغرب أن أحدا وقف لإجلاسه. في مرة أخرى دخل رئيس سويسري آخر وأنا عند الحلاق وكانت الكراسي الخمسة الموجودة في المحل مشغولة فجلس مع المنتظرين ، جاء دوري كي أحلق ، فقررت أن أعطيه للرئيس ودارت مناقشات من عينة هل يصح هذا أم لا يصح ؟ وانتهى الأمر بأن أخذ دوري وهو سعيد بذلك لكنه كان يخشى ردة فعل مواطنيه ونظرتهم اليه."

• بتاريخ 19/مايو/2018 كتب السيد/ حسن العطار في موقع ايلاف الالكتروني مقالا بعنوان "وزراء عاقبوا أنفسهم بتقديم استقالاتهم" أورد فيه عددا من الوزراء في بعض الدول الغربية الذين وجدوا انفسهم مضطرين الى الاستقالة خاتما مقالته بالتأسف على عدم وجود هذه الظاهرة في الدول العربية ، ونحن اذ نتفق في اسفه الا ان عنوان المقال خاطئ من الأساس فالوزراء في الغرب لا يعاقبون أنفسهم بتقديم استقالاتهم هم بالعكس تماما يشعرون بالثقة البالغة ويحترمون انفسهم ويريدون فرض هذا الاحترام على الاخرين بتقديمهم لهذه الاستقالات التي تنبع من احترام الذات وهي اجراء عادي في المجتمعات الغربية ولا تتم بعد ارتكاب احدهم لخطاء جسيم او بسيط بل في أحيان كثيرة تتم فقط لانه لا يكون سعيدا في منصبه مثلما فعلت إستيل موريس Estelle Morris والتي اختارها توني بلير كوزيرة للتعليم في يونيو 2001 فما لبثت ان قدمت استقالتها في أكتوبر 2002 قائلة ببساطة أنها لا تستمتع بهذا المنصب (ص 445 من مذكرات توني بلير (A Journey) ويروي فيها الكثير من الاستقالات التي تمت في عهده بل يروي استقالته الشخصية التي لم يكن مضطرا اليها ولم يجد مبررا يقنع بها ليس الاخرين بل حتى نفسه وزوجته. ففي النهاية الشرق شرق والغرب غرب .

• في احد اعداد مجلة العربي الكويتية في نهاية السبعينات كتب احد القامات الأدبية العرية وكنت ولا زلت احترمه وهو عمل كأستاذ في جامعة أكسفورد في بريطانيا انه في احدى الليالي هناك كان احد زملاءه في الجامعة يقوم بتوصيله بسيارته الى بيته وعند إشارة المرور الحمراء أوقف زميله السيارة وكانت الشوارع خالية من السيارات فسأله لماذا توقفت ولا توجد هناك سيارة أخرى لغيرنا فرد عليه بأنه لا يستطيع ان يخترق الإشارة الحمراء حتى ولو كانت الشوارع خالية. وعلى الرغم من انني لم ازر بريطانيا الا في عام 1992 الا انني لم استوعب معنى السؤال من الأساس فهو معيب أصلا من دكتور يعمل في بريطانيا بل ويكتبه في مجلة ليدلل على مدى خضوع الفرد البريطاني للقانون حتى ولو كان بمفرده فأدبيا لا يجوز مثلا أن يسأل أي شخص شخصا آخر لماذا لا يقتل او لا يسرق او لا يكذب. ولكن في النهاية الشرق شرق والغرب غرب.
• في أواخر شهر أغسطس من عام 2001 كنت في القاهرة في دورة تدريبية لمدة شهر في احد المع المراكز التدريبية للقيادات العربية وكان الدكتور مدير المركز يقوم بتوصيلنا بنفسه من والى مقر السكن وفي احدى المرات وجدنا دورية مرور تستوقف السيارات وتفتش عن شيء ما فسألت الدكتور لماذا هذه الدوريات فأجاب انها عن حزام الأمان فاستغربت لذلك فقال مستطردا ان مايقومون به خطاء وان حزام الأمان للسفر فقط فأجبته انني أتذكر أنه في بنغازي في بداية السبعينات كانت هناك بعض السيارات المرشيدس لا يمكن تشغيلها بدون ان يضع السائق حزام الأمان.

• ورد في المقدمة التي كتبها السيد/ الطاهر لبيب رئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع في الصفحة 19 و 20 من كتاب (صورة الاخر ، العربي ناظرا ومنظورا اليه) الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية في الطبعة الأولى ، بيروت 1999 الاتي : " إن الندوة الدولية التي عقدتها الجمعية العربية حول "صورة الآخر" من 29 الى 31 آذار/ مارس 1993 في مدينة الحمامات في تونس كانت ، من دون شك ، أول لقاء علمي متخصص في البلدان العربية يتناول هذا الموضوع ويتداول اشتقاق "الآخرية" ، عوضا من "الغيرية" وبما أن ندوة 1993 ضمت باحثين من أقطار عربية ، وآخرين من بلدان غربية ، فقد يكون مفيدا ، قبل عرض أعمالها ، لفت الأنتباه إلى بعض الظواهر ذات الدلالة ، من وجهة ثقافية مقارنة : إن أول ما يلاحظ أن الطرح الذي يتحول فيه مركز التركيز على الذات إلى الآخر لقي بعض العسر في الأستجابة له لدى أغلبية المشاركين من علماء الاجتماع العرب. إن ندوة 1993 الدولية قدمت بوضوح كاف الموضوع المتمثل في أن يعرض كل مشارك صورة الآخر في مجتمعه أو مجتمع عربي يختاره. ومع ذلك ، فإنه في الوقت الذي تقيدت فيه أغلبية المشاركين من غير العرب بالموضوع المطروح فضلت أغلبية المشاركين من العرب تناول صورة العربي لدى الآخر. ويمكن القول بأن هذا الإصرار العربي على متابعة الذات كان من المؤشرات الثقافية البارزة في الندوة." فاذا علمنا ان المشاركين العرب وهم كلهم قامات كبيرة في تخصص علم الاجتماع بلغ 29 عالما من إجمالي العدد الكلي للمشاركين وهم 56 عالما من جميع أنحاء العالم تقريبا أي اكثر من النصف قليلا ندرك حجم المأساة وما يضاعفها أيضا ان عددا كبيرا منهم يعيش في الغرب ، فلماذا التزم العلماء الغربيون بالموضوع المطروح ولم يلتزم به العلماء العرب؟ الجواب : الشرق شرق والغرب غرب.

• بتاريخ 24/يونيو/2017 وفي موقع ليبيا المستقبل المتوقف نشرت مقالا بعنوان (غويتيسولو يفضح العرب) جاء فيه الاتي: بتاريخ 11/06/2017 قرأت خبرا مفجعا في هذا الموقع المميز يقول: (غيب الموت الأديب والمفكر الإسباني "خوان غويتيسولو"، صباح الرابع من يونيو بمحل إقامته في مدينة مراكش العتيقة، التي عاش فيها أواخر سنيه، وجعلها بديلاً لمدينة برشلونة التي ولد بها في الخامس من يناير 1931م). وبتاريخ 21/06/2017 نشر موقع إيلاف مقالا عنه بعنوان: "خوان غويتيسولو، نهاية مريرة لرحلة طويلة" بقلم/ يوسف يلدا ملخصه أن الأديب الكبير توفي بسبب عجزه عن توفير المصاريف الطبية وأنه كان يعيش في فاقه ويكافح من أجل توفير مصاريف دراسة أبناءه (المغاربة الثلاثة) بالتبني. وعلى الرغم من التغطية الممتازة في هذا الموقع لخبر الوفاة وربطه برفضه لجائزة القذافي عام 2009 والمقال الجيد في إيلاف إلا أنهما لم يشيرا الى حدث آخر لا يقل أهمية عن رفضه لها وهو قبول مفكر عربي لها، شغل منصب وزير الثقافة في مصر الدكتور/ جابر عصفور صاحب العديد من الكتابات وصاحب العديد من المواقف أو البروباجاندا الإعلامية عن الحريات وحقوق الأنسان وعلى الرغم من تنازله عنها في بداية الثورة الليبية عام 2011 الا أنه لم يرجع قيمة الجائزة وهي في حدود 200 الف دولار وهو ما يشير الى تدني المستوى الأخلاقي لديه وفي الحقيقة هي سمة غالبة لدى النخب المثقفة أو التي تدعي ذلك في العالم العربي دع عنك النخب السياسية. وبنظرة سريعة على الموقفين نجد هذا البون الشاسع بينهما فغويتيسولو يساري أسباني عاجز عن توفير لقمة عيشه يتبنى أطفالا أيتاما عربا ويرفض جائزة مالية كافية لتوفير الكثير له ولأبنائه وفي المقابل نجد ليس كاتبا ولكن قامة فكرية عربية كان يشار اليها بالبنان ووزيرا للثقافة واستاذا جامعيا يقبل أن يكون (أسكورطة أو عجلة إحتياطية) لجائزة مغموسة بالدم الليبي، وكان من حسن حظ الشاعر الفلسطيني المعروف محمود درويش أن القذافي لم يستجب للنداء الذي وجهته اليه جريدة القدس العربي عندما نشرت خبر رفض غويتيسولو للجائزة في 2009 بأن يمنحها اليه (أي للشاعر محمود درويش). أيضا فإن موته بهذا الشكل يفضحنا جميعا، فلماذا نسيناه وأكتفينا برسالة من بعض المعارضين في الخارج تشكره لموقفه في عام 2009 ولماذا لم نتذكره بعد ثورتنا (المباركة) حتى بتبرعات شخصية وخاصة ممن اغتنوا من المعارضين الذين كانوا في الخارج وتبوؤا مناصب تحصلوا بسببها على الأموال وجعلتهم من أصحاب الملايين في صورة مرتبات وغيرها مما نعلمه ولا نعلمه و تعويضات عن سنوات معارضتهم للقذافي.
• وقد صرحت بمن اعنيه في المقال السابق في منشور على الفيس بوك بتاريخ 26/04/2018 بعنوان (إبراهيم صهد وناتالي بورتمان) جاء فيه الاتي: منذ سماعي لخبر رفض الممثلة اليهودية ناتالي بورتمان المولودة في اسرائيل والتي تعمل حاليا في أمريكا استلام جائزة قيمتها مليون دولار من بلدها إسرائيل احتجاجا على ما تقوم به ضد الفلسطينيين العزل في غزة لم استطع الكف عن مقارنة موقفها مع موقف أحد رموز المعارضة الليبية في الخارج وهو المدعو إبراهيم صهد أمين الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وعضو المؤتمر الوطني العام السابق وعضو المجلس الأعلى للدولة الحالي والذي طالب الدولة الليبية بتعويضه عن فترة نضاله وتحصل على الملايين كتعويض عن هذا النضال الذي لم يطلبه منه احد ولم يكلفه به احد ويستمر في عضوية مؤتمر خان تطلعات وآمال الشعب الليبي ليس حتى النهاية بل الى ما بعدها بقبوله ان يكون عضوا في مجلس السويحلي سابقا ومجلس الاخوان حاليا بغرض الاستمرار في الحصول على الأموال والمزايا التي توفرها هذه الوظيفة والاستمرار في نهب ما يمكن نهبه من خزينة الشعب الليبي.