شارع الحرية 5

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 2 / 18

" إذا عقـدنا حياتـنا، ستعـقـدنا الحياة".
هي الجملة الأثيرة لدى منية والتي ترددها كثيرا دون أن تعترف أنها ورثـتها من أمها مدرسة اللغة الفرنسية. أردفت قائـلة لسلمى:
ـ اذهبي إليه.. لماذا أنت معـقدة؟ ستأكلنا الديدان ذات يوم فلا تـترددي في طلب الحب.
هيا. اصعدي إليه. لا تـفصلك عنه سوى بضع أمتار. لا تضيعي سعادتك.
- لا. أشعر بالخوف. لا أقدر على تحريك ساقي. إني ارتعـش.
- سأربطك وأجرك كالمعزة إذن.
تقول سلمى باستسلام مرعوب:
- أوه. اصعدي معي. أرجوك.
كانت غادة قد أكملت اغتسالها والشقة دافئة بفعل المدفئة الكهربائية. عارية أمام المرآة تسرح شعرها الغـزير الطويل. كانت تغـني أغنية لـ «فيل كولينز" وعيناها تـشعان بنظرة عسلية راضية مرضية. هي أصغر أخواتها الذكور الأربع وهي الوحيدة من بين أخواتها التي لعبت دورا ما في الحياة السياسية في المعهد. كانت ذات ميول ماركسية ولأبيها في ذلك تأثير ما حيث انه كان يقول دوما:" لقد ناضلنا من اجل استقلال الوطن وهذا الوطن يجب أن يكون ملكا للجميع". إلا أنها لم تكن مندفعة وهي بطبعها تكره التهور والشطط في أي أمر من الأمور. وجدت نفسها في احمد. الصحفي المثـقـف ذو نفس الميول والهادئ. تعرف أن كلاهما يشد الآخر للعبور بهدوء في أجواء العاصفة التي أفـقدت العالم موازينه القـديمة. انتهت او هكذا يُخيل ان الحرب الباردة انتهت بتـفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار المعسكر الشيوعي برمته، وأجواء الانحطاط عن العقلانية تـنـتـشر في العالم الذي يتجه نحو عبادة الدولار.
رغم غيرتها الشديدة إلا أنها تـقول له دوما:" سنترك بعضنا ذات يوم. هذه حتمية تاريخية- تضحك ثم تضيف – ولكن إن تركتـني أنت الأول سأقـتـلك...".
دق قـلبها بعنف حين سمعت دقات أنثوية رقيقة على الباب. ارتدت مريلة قطنية حمراء اللون تغطي جزءا بسيطا من فخذيها، وتوجهت ناحية الباب وفتحته. مظهرها ذاك أذهلهما. ساقان عاريتان. أدركت منية أن صديقـتها غير قادرة على الكلام فقالت متسائلة:
- احمد هنا؟
- لا. من أنت؟
- جارته. أسكن في الطابق الأول وهذه صديقتي سلمى.
- نتـشرف. {بنبرة سامة تحمل التهكم في طياتها}.
- لقد تركت سلمى أوراق محاضراتها عند احمد يوم الحادثة. كانت مذهولة وقد كان احمد أقرب شخص إليها ساعتها، فأعطته الأوراق إلا أني كنت اعرف احمد بما انه جاري و.

قاطعتها غادة وقد اطمأن قلبها زيادة على أن ملامح الأخرى في تلك اللحظات تـثير الشفـقة بل إنها تبدو تبذل مجهودا كبيرا للوقوف.
- أوه. تـذكرت. أظنها على المكتب. لحظة.
لمحت سلمى الهول الصغير والأرائك وجانبا من السرير الخشبي الكبير في غمرة هياج نفسها المخـتـنـقة. ما إن انغلق الباب حتى استسلمت للبكاء. قالت بنبرة حزينة ملؤها الأنين:
- إنها زوجته يا غبية.. أرأيت ماذا كانت تلبس؟ إنها عارية. أرأيتي كم هي جميلة وواثـقة من نفسها؟ أيترك هذه من أجلى؟!.. مستحيل. آه يا قـلبي اللعين..

*****
ما أتعس الإنسان. ربما استغرقت مرحلة خروجه من المرحلة القزمية آلاف السنين ولكنه تجاوزها بيولوجيا أما نفسيا فاحتقار الذات لا يزال يعيش في الأعماق. يقزم الإنسان نفسه في أواخر الألفية الثـانية. لأي موجب؟ هل هو غير جدير بطول القامة؟
كانت سلمى كالبركان بجوفه نار من حمئ مسنون. صمت حزين. كدر مقيت يلوح على صفحة وجهها الأبيض البيضوي الشكل الجميل حتى في حزنه. دائمة التوحد في غرفتها الصاخبة بأطلال المتوفاة التي كانت هالتها تكبر يوما بعد يوم. غدت فاطمة عنوانا للحب والحرية والانطلاقة الجريئة الشجاعة المستـشهدة في سبيل عنفوانها وأريج رغبتها العطرة بعدما كانت تـنـقدها دوما وتسلط عليها نيران غضبها وحسدها وغيضها...
لو كانت فاطمة في مثل وضعي لذهبت إليه مرارا وأغرقته في شلال حبها ورغبتها أما أنا فكصنم حجري ثابت في مكانه لا يتحرك وكأني أريد من الدنيا أن تـتحرك لأجلي وحولي. خجلي هو فـقدان للثـقة بنفسي وأخلاقي هي خوف ورعب من الجنس. كم أكرهك يا نفسي... لقد أحبت فاطمة وماتت. ما أعظمك يا أختي وما أعظم الحب.. أية لعنة هي الحب؟ لماذا هو قاس وعنيد؟ آه يا رب العالمين، لماذا يقودنا بالرغم عن أنفسنا إلى القلق والحيرة والتهلكة؟ لماذا خلقـته يا ربي؟ ألا نكون بشرا بلا حب؟ ...
باب الشرفة البلوري يتسرب منه ضوء الشارع. متكئة على جانب فراشها واجمة، ساكنة والدموع تـترقرق على وجنتيها. كانت الساعة السابعة مساء وشارع الحرية يموج بالحركة والصخب كيوم الحشر.." أية حرية بلا حب وأي حب بلا حرية؟"..
كانت منية هي الأخرى قد يئست من دفع صديقـتها للحب والحياة. كانت غادة جميلة جدا وعري ساقيها يدل على نمط حياة بعيد نوعا ما عنها وبعيد أكثر عن صديقـتها سلمى. عبرت غادة إلى الضفة الأخرى البعيدة عن عالمهما المتأرجح بين الشرق والغرب. أدركت مدى حزن صديقـتها وفجيعتها ولم تـشأ أن تـتمادى في نـثر الآمال الفارغة عن الحب وعن قـدرة الأنثى على جعل أي كان تريده يقع في حبها.
تمثـلت غادة لدى الفتاتين بشكل متـناقض ومزدوج. فهي وإن أثارت الخوف والرهبة عند سلمى وشيئا من الإعجاب فـقد أثارت كل الإعجاب عند منية وشيئا طفيفا من الرهبة. غدا احمد جديرا بالمخاوف التي انتابت سلمى وجديرا بالإعجاب عند منية.

*****
" إنها المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بمثل ذاك التـناقض بيني وما بين نفسي. ما الذي غاب؟ ما الذي انـقطع؟ رحيل أوراقها عن مكتبي كان رحيلها عن عالمي. رحيل تلك العينين الباكيتين المشرقـتين نهش وجداني. لا أعلم حقيقة بسر ما كنت أحسه وغادتي الجميلة المتـقـدة ذكاء وعنفوانا إلى جانبي؟ هل أنا على أبواب الانحطاط الوجداني والروحي بمثل ما هو عليه العالم اليوم؟ شيء من الوحشة، شيء من عدم الرضاء عن الذات، شيء من تبكيت الضمير. شيء متـناقض رهيب بدأ يمزقـني على ما يـبدو. الأوراق التي كانت مصدر قلق غابت وضاعفت ما بي من قلق وجودي، ربما أو هو بكل بساطة رغبة في غزو جديد قد نكست. لقد أثارتـني هذه الفتاة..
- 16 سبتمبر 1994 – "
رمى دفتر مذكراته في درج المكتب. كانت غادة مستـلقية على الفراش تـقرأ كتابا إنكليزيا جميل الغلاف. غارقة في كتابها غير مبالية به، شعرها الكستـنائي الغزير يتدلى على كتـفيها وعلى ما يـبدو فهي غير مبالية بجمالها وعن مغزى حضوره في ذاك الركن الهادئ من العالم. تـتابع بشراهة أحداث حرب البرلمانيـين ضد الملكية، وغرقت في الأحداث وسبحت في أجواء أفكارها التحررية دون أن تعلم أن حضورا قويا سيكون لها ذات يوم في المساحات المضيئة للندن.

*****
تحتل الكآبة الشقة عند رحيلها وتخيم أجواء الحزن المريرة في الأجواء ولكنه كان قد اعتاد على مغالبة نفسه في مثل تلك الحالات من الغياب. رحلت عصر الجمعة إلى سوسة حيث تـقطن عائـلتها. أوصلها إلى محطة "برشلونة" وودعها بالقبلات على الخدين الأسيلين. قالت له بنبرة مزجت السخرية بالتحذير الجدي:
- حل عينيك ورد بالك من بنات السوء..
"يشعل غيابها دوما رغبة أخرى لدي. من مكتبة محطة برشلونة اشتريت كتابا لهمنغواي- الروائي الأمريكي- بعنوان" وداعا للسلاح" ووجدت كذلك كتابا لكولن ولسن بعنوان" أصول الدافع الجنسي" وقد سبق لي أن قرأت له كتابه الشهير المعنون بـ «المنتمي" الذي أذهلني وهو يتحدث عن مشكلة فاقد الإيمان الديني من خلال قراءة لأعظم الأدباء".

كان صباح أحد دافئ. ينـتـفض أحمد من الفراش في حوالي العاشرة. يأخذ دشا دافئا ويعد فطور الصباح وبعد الانتهاء من الأكل يعد قهوة سوداء ثم يتوجه بها إلى غرفته ليفتح باب الشرفة فيـبزغ لديه نور النهار، ويخرج كرسي المكتب إلى البلكونة فيشعل سيجارته الأولى ويترشف قهوته على مهل وصباح الخير يتـفاعل في وجدانه بأريج صباحي طيب تـتماوج فيه رغبة الحياة المشرقة الزاهية.
" برجوازي صغير", هكذا ينعت نفسه دوما. صباح الأحد الفارط كانت غادة إلى جانبه تـترشف قهوتها وتدخن سيجارتها الى جانبه في نفس المكان، والكون بمجمله يتدثر بدفئها وحنينها وروعة حضورها. تـنـتهي قهوته باكتمال سيجارته الثانية. يرتدي ملابسه ويتوجه إلى مقهى " لافايات" فيلتـقي بأصدقاء الأحد وتجري الأحاديث الخفيفة إلى أن تـتـشكل زمرة لعبة الورق"البيلوت" فتبدأ سخرية أخرى وانفعالات أخرى ومبارزة لا مبالية. نكهة صباح الأحد لا مثيل لها حيث الاسترخاء وشبه اللامبالاة التامة...
ما أن أفاقت من نومها حتى لمحت صورته أمامها. هل تراه في غرفتي؟ رفعت رأسها تبحث عنه. أوه.. أي مجنونة أنا؟ أيعقل أن يكون هنا؟ ولكن يا للروعة أن أنهض على رؤياه.. فتحت النافذة. يوم مشمس مشرق جميل. أحست بحيوية صباحية رائعة المذاق. اغـتـسلت ويوم الأحد تلتـئم فيه الأسرة. الأم تسرح لها شعرها وتـنشفه بمجفف الشعر الكهربائي، وتغازلها ممتدحة شعرها وقوامها وجمال طلعتها. نظفت غرفتها ورتبت ما بها من أشياء يتوجب ترتيـبها وبعد تـناول الفطور خرجت من الشقة لتـلتـقي صديقـتها منية.
تـقضيان صباح الأحد عادة في حديقة الحيوانات "البلفيدير" وأحب حيوان لديهما هو الكركدن لضخامته ووداعته وللمنظر الجميل الذي يحيطه، فهو مضلل بالأشجار وبركة الماء التي يسبح فيها تخالها جزءا أقـتلع برمته من بيئـته الطبيعية. تـتوقـفان عند الكركدن طويلا ولكنهما تـقـفان أمام القرد كذلك وتـناولانه بعض قطع من الشكولاتة وتضحكان لقـفـزاته وتحركاته المتـشـنجة المتسارعة وملامح وجهه التي تحيل إلى ملامح إنسان ضعيف جدا لا حول له ولا قوة.
انتهت اللعبة وانـتحى طاولة أخرى صحبة صديق له هو مدرس للغة العربية. كان منغمسا في الحديث عن الأدب، تركز الحديث حول فن الكتابة القصصية وكان الأستاذ قد وعده بأن يمده ببعض العناوين التي تهمه، وقد صدق وعده فأحضر له ورقة بها عدة عناوين لتودوروف ولوكاتش وادوارد سعيد وجان بول سارتر وكولن ولسن وغيرهم زيادة عن الكتاب الذي أحضره معه والمعنون بـ «فن كتابة القصة" للكاتب المصري حسين قباني.
قوة خفية غريـبة جعلته يرفع بصره ذات لحظة في غمرة الاهتياج الأدبي. جادت لحظة البرق بالعينيـن السوداوين المتلألئـتين المكتـنـزتين بالأسرار وقوة الجذب الدافئة. تمشي الهوينى مع صديقـتها في الجهة الأخرى من الشارع. توقف الزمن وجمدت كل الصور وسكنت كل الحركات. انقطع الحديث وتوجه إلى الفتاتين بدون أي مواربة، فكان من اللغوي أن انفجر ضاحكا وهو يتمتم " شخصية صعلوك وقلب أديب وعقل صحفي بليد".
رجعتا من "البلفيدير". توقعت منية أن احمد من الممكن أن يكون جالسا في مقهى "لافايات" لأنه مقهى كبير وشعبي ويحلو فيه الجلوس صباحا لان الشمس تغزوه. أرادت منية أن تمر من هناك دون أن تُعلم صديقـتها بحدسها. تـفاجأت سلمى كليا عند رؤيته، أما منية فان سعادتها كانت كبيرة جدا لصدق حدسها وصحة مراهنتها على كونه يحمل نفس العاطفة التي لدى صديقـتها في قلبه. إرتجت سلمى وكأن القدر سيصفعها ويرديها قـتيلة وربما راودها إحساس اللحظة التي نقـذف فيها إلى الحياة. إحساس الرجة. كأي أنـثى أتـقـنـت دور اللامبالاة. قالت:
- آوه، سامحني، لم أتـذكرك!
انه ذاك الذي ارتسم في مخيلتها طويلا، بل ذاك الذي نُحت نحتا في مخيلتها. ذاك الذي بكت كثيرا شوقا إليه، ذاك الذي أحبته بشبه أمل يائس. انه الآن واقف أمامها بعينين مبرقـتين مبتهجتين وكأن سعادة الدنيا والآخرة تهفو إليها بعد طول انتظار، فلماذا أنت جامدة كتمثال؟ هل أنت مخادعة إلى هذه الدرجة؟ مم تختبئين؟ مم تخافين؟
- حقا؟ على كل. كانت الحادثة مفجعة بحق. كل الناس تتحدث عن انتحار، هل هو انتحار بحق؟
لأول مرة يتساءل أحد ما عن حقيقة ما حدث. وجمت من جديد وقد لاحظ هو مدى تكدر سحنتها فقال من جديد:
- من الممكن أن تكون حادثة قتـل.
تساءلت هي بعصبية واضحة:
- هل أنت محقق بوليسي؟
أدهشه توترها الشديد.
- غير بعيد عن ذلك. صحافي.
تدخلت منية لتلطف الأجواء.
- لماذا نحن واقـفون؟ هيا نتحرك.
ابتسم هو الآخر وقال:
- في الحركة بركة. على كل أنا آسف إن كنت قد أقلقـتـك بإثارتي هذا الموضوع.
لم تـنبس بكلمة وإنما هي منية قد تكلمت:
- ألا تعرفني؟ إني جارتك بنفس العمارة. أخي سمير يتحدث عنك دوما. يقول إنك مثـقـف كبير.
ابتسم قائلا:
- سمير؟ (حاول أن يتذكره دون جدوى) في الحقيقة أنا لا أختلط بالجيران والآن اكتـشفت مدى خطئي في ذلك. غزال مثـلك يسكن بجواري ولا أعرفه؟ هذه جريمة.
ضحكت أما سلمى فاكتـفت بابتسامة خفيفة. كانت صامتة بقـلب يرتجف. تأمل حسنها ودفأها وهدوءها الملائكي. سألها:
- تدرسين اللغة العربية؟
فاندفعت متسائلة بحماس:
- هل قرأت الأوراق؟
- أوه. نعم. هل من الضروري أن أعتـذر لذلك؟ لفت انـتباهي سلمى الحزينة و.
ابتسمت:
- أوه.. قرأت ذلك؟
- إني مندهش.
انفـتحت أساريرها فقالت:
- حين أمل في المحاضرة أكتب تلك الكلمات.
- في ذلك قمة المرح.
(لماذا اخترت أن أكون كئيبة؟ لماذا لا أثور على كاَبتي وأنـتـفض مرحة في سبيل المرح؟ ألا تكون الحياة مرحا؟ لماذا لا تكون مرحا؟ لماذا لا يمحى من الوجود كل مسبب للكآبة؟ لماذا لا نقوم بحرب ضروس ضد الكآبة؟ أليست هي أكبر عدو للحياة؟).
سجلت فيما بعد هذه الكلمات في دفتر مذكراتها، وهي التي جالت في ذهنها حين وصفها احمد بالمرح.
- هل نـشرب قهوة؟
نظرت إلى صديقـتها ثم أومأت برأسها موافـقة. كم كانت سعادتها عظيمة وهي تدلف معه إلى مقهى الفولكانو. كم تخيلت ذلك وكم حلمت وتمنت ويئست، وها هي الآن وبكل بساطة تدخل إلى المقهى ومعها الخيال الجميل يمشي على قدميه ويمسكها بكل عفوية من مرفقها على عتبة الباب البلوري للمقهى.
"قلت لها بأن لي بعضا من دواوين الشعر وبعض الكتب التي من الممكن أن تـفيدها واقـترحت أن تأتي معي إلى الشقة لتطلع على الكتب التي لدي. امتـنعت فاعتبرت ذلك من باب (يتمنعن وهن الراغبات) ولكنها خائـفة فعلا. كالعصفورة الرقيقة كانت. ظريفة وبريئة كطفلة. تـنطق الكلمات بسرعة وتوتر. أدركت أن قلبها يرتجف أما أنا فكنت حقيقة مثلما صرحت لها بإحساسي قائلا:
- سعيد جدا بهذا اللقاء. أرجو أن تكون معرفة طيبة. أنت خجولة وبريئة ومرحة. يسعدني جدا أن نكون أصدقاء.
ابتسمت. صامتة ولكن عينيها الجميلتين قالتا كل شيء."
رجع ثلاثـتهم إلى العمارة وعند الطابق الأول قالت منية:
- ألن تـذهبي معه حتى لأجل الكتب؟
نظرة غريبة، كالقطة الخائفة والراغبة في نفس الوقت أما أنا فكنت انظر إليها بصمت. كانت منية قد أوصدت باب شقـتها والضوء كان خفيفا جدا. تـقدمت فـتـقدمت هي الأخرى دون أن ينبس أحدنا بكلمة. فتحت باب الشقة ودخلنا.
- كان علي أن أفرش الزهور تحت قدميك.
لم تبتسم وإنما الذعر بدا في عينيها.
- ما بك؟
- هذه أول مرة أدخل فيها إلى شقة رجل.
- أوه.. لست وحشا ولا من آكلي لحوم البشر.
ابتسمت. كان الفراش غير مرتب والمكتب كعادته مبعثرة فوقه الأوراق والكتب.
- إنها الفوضى كما ترين. أنا شاب كسول.
- ألا يأتيك من ينظف لك الشقة؟
- هل تـقصدين غادة التي أعطتكما الأوراق؟ إنها لا تأتي دوما والآن هي في سوسة.
- هل هي صديقـتك؟
- نعم.
توجهت إلى المكتبة واجمة. كانت قد تـفاجأت:
- أكل هذه الكتب لديك؟
إبتسمت وغبت عنها قليلا ثم رجعت بلهفة إليها فوجدتها منغمسة في الكتب واقـفة على أصابع قدميها تطيل جسدها ونظرها. يا للساقين الرائعتين. كانت ترتدي "جيبا" أسود اللون يكاد يصل إلى ركبتيها، اعتلى الجيب الضيق قليلا فظهرت بوضوح ساقيها النحيفتين البيضاويتـين وأسفل فخذيها اللذين تابعتهما عبر القماش وكأني أثـقبه بعيني فكانا فخذين شهيـين. تخيلت نفسي في تلك اللحظة أنقض عليها وأمسكها بين ذراعي وأطرحها على الفراش وأعريها و. لكني سرعان ما عدت إلى رشدي. غضضت بصري عن ساقيها الرائعتين ووجهت تـفكيري إلى ناحية أخرى من العالم هي جديرة بالاهتمام أكثر فأكثر. إنها منغمسة في عالم الكتب بشكل لا يصدق، فأي أنثى هي؟
- هل أعجبتك الكتب؟
- يبدو أنك مهتم بعلم النفس.
- كثيرا.
- جميل أن يكون الإنسان مغرما بعلم النفس.
ابتسمت وقلت:
- الأجمل منه أن يسمع إطراء كهذا من فتاة جميلة وذكية.
إبتسمت ثم صمتت بسرعة. بدا الخجل واضحا على وجهها الجميل كما أن في عينيها سعادة لا توصف. الفتاة خجولة جدا. أعجبني ذلك كثيرا. تحدثـنا فيما بعد عن كلية الآداب وعن أحوال الطلبة وعن أشياء مختـلفة. لم نبتسم كثيرا ولكننا كنا نـشبع أنفسنا بنظرات أحدنا للآخر. أخذت هي كتابا في علم النفس ونزلت لأتمشى معها قليلا. كانت الساعة الثانية ظهرا حيث خفت الحركة قليلا في شارع الحرية. تحدثت كثيرا حتى خلت نفسي ثرثارا، فقد انـفـتحت نفسي بشراهة للحديث وكأن لي قرونا عشتها في الصمت.