من صور الماضي الجميل رصانة المترجم الفلسطيني عادل زعيتر ودقته وأمانته

شكيب كاظم
2019 / 2 / 14

يوم أنجزت قراءة رواية (الآلهة عِطاش) لأديب فرنسة الكبير اناتول فرانس (1844-1924) التي تولت مكتبة النهضة المصرية نشرها بطبعتها الأولى والأخيرة سنة 1952 , كتبت على أصل الكتاب ما يأتي ((انتهيت من قراءة هذه الرواية الصعبة الأسلوب, بسبب نهج مترجمها المرحوم عادل زعيتر الذي يميل إلى التفاصح, رواية تظهر قسوة الإنسان وظلمه ومآسي الثورات وانطلاق الغوغاء والرعاع, يعملون ما يحلو لهم وقساوة (ايفارست غملان) حتى على شقيقته وزوجها, وتلك النهاية الدامية التي انتهى إليها, رواية فيها الكثير من الصور والعبر لمن يريد ان يعتبر).
ورواية (الآلهة عِطاش) من الأدب الذي أرخ وقائع الثورة الفرنسية التي نشبت في الرابع عشر من تموز سنة 1789, ضد حكم الملك الفرنسي لويس السادس عشر, وانتهت إلى إعدامه وزوجته ماري أنطوانيت, وكان من نتائجها ابتكار أداة قصل رقاب الناس بـ (المقصلة) الجيلوتين!! فضلاً على رواية (قصة مدينتين) للروائي جارلس ديكنز, التي قرأناها بالإنكليزية نحن طلبة الثانوية في سنوات الستين من القرن العشرين, كتاباً مدرسياً مقرراً, والمقصود بالمدينتين: لندن وباريس, إذ تجري حوادث الرواية في هاتين المدينتين, قبل اندلاع الثورة الفرنسية وأثناءها وما تلاها من أيام.
لقد استرعى انتباهي, وأنا أقرأ في نهاية الكتاب, الرواية ثبتاً بما كان قد ترجمه المترجم الفلسطيني البارع عادل زعيتر, إذ ترجم أحد عشر أثراً من آثار الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون, الذي طرق اسمه سمعي وذهني, من خلال كتاب (المدخل في تاريخ الحضارة العربية) للباحث العراقي الرصين ناجي معروف – رحمه الله- الذي كان يشيد بآرائه المنصفة للعرب والمسلمين, لدى مناقشته لآراء مواطنه (ايرنست رينان) (1823-1892) غير المنصفة, كان الكتاب مقرراً علينا نحن طلبة الصف الرابع الأدبي في بداية سنوات الستين من القرن العشرين, فضلاً على ترجمته سبعة من كتب الباحث الألماني أميل لودفيغ, وكتب أخرى لأميل (درمنغم) وسيديو وايسمن, واضعين في الحسبان ان هذه الترجمات التي نافت على العشرين مؤلفاً, هي ما أنجزه المترجم الحاذق عادل زعيتر حتى سنة 1952, سنة نشر رواية (الآلهة عِطاش) وقد أمتد به العمر بعد ذلك خمس سنوات, إذ فاجأته نوبة قلبية وهو يواصل ترجمة كتاب (مفكرو الإسلام) للباحث الفرنسي (كارادفو) يوم 21/من تشرين الثاني / نوفمبر/ 1957 وإذ أحس بتعب نادى زوجته لتسعفه بقدح ماء, وإذ جاءت به وجدته قد فارق الحياة, كما يذكر ذلك الأديب المصري الكبير الأستاذ وديع فلسطين, في الجزء الأول من كتابه (وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره), في الفصل الذي أداره للحديث عن المترجم عادل زعيتر.
وأنا أقرأ هذا الفصل الممتع والمفيد, وقفت عند أخلاق هؤلاء الرجال الأماثل, المخلصين والجادين وإذ يقص علينا الأستاذ الوديع, إذ كان من دأب هذا المترجم الناسك, ان ينجز ترجماته في مدينته نابلس صيفاً, كي ينتقل إلى القاهرة شتاء ليطبع هذه المصنفات, ويبقى في المطبعة منذ الصباح حتى أخر النهار, حيث تغلق المطبعة أبوابها, يظل طوال هذه الساعات الطويلة ولأيام عديدة يواصل مراجعته تجارب الطبع, والتأكد من خلوها من الخطأ الطباعي, لا بل يبقى يغير بعض المفردات, بحثاً عن الأبهى والأجدر, ليذكرني بالجواهري الكبير الذي يظل يتابع قصائده المرسلة للنشر في الجرائد, حتى ساعة متأخرة من الليل, مضيفاً, حاذفاً, والأمر ينطبق على القاص الأنيق محمود عبد الوهاب, وما يقصه علينا القاص والروائي الراحل مهدي عيسى الصقر عنه في كتابه الجميل ( وجع الكتابة. مذكرات ويوميات) الصادرة طبعته الأولى عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 2001, إذ يظل يتصل به من البصرة, طالباً منه إبلاغ الأستاذ ماجد السامرائي يوم كان رئيساً لتحرير مجلة (الأقلام), حذف كلمة وإضافة أخرى لدقة تقترب من الهوس المعذب والجميل في آن معاً! ولأن الإنسان نسّاء والعين موهمة, يحدث ان تفلت من رقابة عادل زعيتر بضع كلمات ويحصي اثنتي عشرة خطأة من كتاب (البحرالمتوسط)لأميل لودفيغ وعدد صفحاته تسعمئة صفحة, تصور أيها القارئ مدى بساطة الأمر, لكن عادل زعيتر, يصر على إدراج قائمة بهذه الأخطاء الطباعية, في حين لا يوافق صاحب دار المعارف في القاهرة التي تتولى طبع الكتاب شفيق متري, على ذلك عاداً ذلك انتقاصاً من رصانة دار النشر, فيقترح عادل زعيتر حلاً وسطاً ان يتحمل هو لا الدار مسؤولية الخطأ, كان هذا مقترحه لا مقترح شفيق متري, فصدر الكتاب بهذا التوضيح, وكأننا إزاء ملائكة.
كتب زعيتر هذا الإيضاح الأعتذاري ((ظهرت الأغاليط القليلة الآتية تصويباتها في هذا الكتاب الضخم وقوامه 900 صفحة الذي طبع بأشرافي في خمسة أسابيع, فأنشر هذه التصويبات مع اعتذاري لدار المعارف, التي اسجل لها شكري)) تراجع ص 310 من الكتاب.
وما دمت قد أدرت حديثي هذا لأستذكار هذا المترجم البارع, والحديث عن دقته ورصانته, فبودي ان أذكر انه خلف نجلاً هو (وائل) أشتغل بالسياسة والدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني في بناء دولته, الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي بداية عام 1973, إذ كان مديراً لمكتب حركة (فتح) في العاصمة الإيطالية روما, حينما كان يهم بدخول المصعد نحو شقته أطلقوا عليه اثنتي عشرة رصاصة اخترقت ظهره, ومازلت أحتفظ بصورته التي نشرتها مجلة (اليقظة) الكويتية, بعددها الصادر يوم الاثنين 15/10/1973 المرقم 329, لقد سقط أرضاً وهو يحتضن أوراقاً لعلها جريدة أو مجلة, ودمه سال على الأرض الغريبة التي توسدها وائل عادل زعيتر, فضلاً على صورة أخرى تجمعه بصديقه أديب إيطالية الكبير (البرتومورافيا), الذي كان متعاطفاً مع آمال شعب فلسطين, وكان الموساد قد خاض حملات ملاحقة واغتيال ضد رموز فلسطينية في العواصم الأوربية, رداً على الهجوم الذي نفذه عناصر من منظمة أيلول الأسود, ضد البعثة الإسرائيلية الرياضية المشاركة في الدورة الأولمبية العشرين, التي افتتحت أعمالها في مدينة ميونخ الألمانية يوم السبت السادس والعشرين من شهر آب/ سنة 1972, وإذ هاجم عناصر من منظمة أيلول الأسود مقر بعثة الفريق الإسرائيلي في القرية الأولمبية بميونخ, يوم الثلاثاء الخامس من أيلول, وقتلوا اثنين من أعضائها واحتجزوا تسعة آخرين, وطالبوا بإطلاق سراح مئتي سجين من السجون الإسرائيلية, بضمنهم الياباني (أكوماتو) من منظمة الجيش الأحمر الياباني المحكوم بالسجن المؤبد. لاشتراكه وأثنين من زملائه قتلا في الهجوم على مطار اللد الإسرائيلي يوم الأربعاء 31/5/1972, إلا ان قناصة تابعين للشرطة الألمانية فتحوا النار على الخاطفين الفلسطينيين, بغية تخليص المخطوفين الإسرائيليين مما أدى إلى نشوب معركة قتل فيها المخطوفون التسعة وخمسة من الخاطفين, فيما القي القبض على الآخرين, هذه العملية كانت دافعاً لقيام الموساد الصهيوني باغتيال وائل عادل زعيتر, وقبله محمود الهمشري ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس, الذي جرح برسالة ملغومة انفجرت بين يديه, وتوفي يوم الأثنين 8/1/1973, فضلاً على اغتيال الدكتور باسل (رؤوف) الكبيسي مدير مكتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في باريس, والذي شاركت في تشييعه صباح يوم الجمعة 13/4/1973, من دارة أبيه بالوزيرية حتى مثواه في مقبرة الشيخ جنيد بالكرخ, واغتيال مدير مكتب الأبحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية الدكتور انيس صايغ برسالة ملغومة فضلاً عن قائد قوات منظمة الصاعقة, محسن إبراهيم على شواطئ الرفيرا! ويوم سمعت خبر اغتياله من إذاعة مونت كارلو ليلاً, سألت نفسي: ما شأن المناضلين أصحاب القضية بشواطئ الرفيرا ومنتجعاتها الزاخرة بالقيان الحسان؟! لا سيما وان محسن إبراهيم كان يؤم المنطقة وحيداً, لا شك أنها لحظة من لحظات الضعف الإنساني.