ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي (القسم الرابع والاخير)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2019 / 2 / 13

ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي (القسم الرابع والاخير)
(كما ان في داخل كل انسان انسان لاتعرفه , فان في داخل كل مجتمع مجتمع لاتعرفه) الدكتور سلمان الهلالي
ت . تقدير الاوباش والحثالات ومدحهم نكاية بالمجتمع . وهذه الظاهرة منتشرة بصورة لافتة عند العامة بصورة كبيرة وهى تقدير الشخصيات التافه او الحقودة او الطائفية او العنصرية او الديكتاتورية او العشائرية ومدحها امام الناس , رغبة باستفزاز المجتمع والنيل منه والتجاوز على مشاعره , وخاصة تلك التي لها موقف سلبي او اجرامي او تكفيري من المجتمع الشيعي . وهذه الظاهرة - وكما قلنا - منتشرة بصورة كبيرة عند العامة والسوقة في المجتمع العراقي , الا ان الغريب هو تواجدها عند فئة الانتلجنسيا من المثقفين والمتعلمين الشيعة المخصيين الذين يتعمدون ايضا مدح تلك الشخصيات وتقديرها , ولكن بدعوى اكثر ثقافة وتزويقا كالاعتدال والجراة بالطرح ومخالفة المالوف وغيرها . والكارثة الرئيسية ليس بهذا العمل فقط , بل ان اغلبية اولئك المثقفين من المخصيين هم اول ضحايا تلك الشخصيات او الجهات التي تقف ورائها او تنتمي اليها سواء اكانت سياسية او طائفية او عنصرية لانها تنظر اليهم باحتقار او تكفير وازدراء , والمثقفين يعرفون جيدا من جانبهم ان هؤلاء يحتقرونهم ويكفرونهم , ولكن نكاية بالاخرين المخالفين - او المجتمع الشيعي الذين يعيشون في وسطه - نجدهم يشيرون اليهم بكلمات المديح والثناء والتقدير , كما في مدح الكاتب (رشيد الخيون) لعائلة ال سعود الحاكمة , او تقدير الكاتب الشيوعي المعرووف (عزيز الحاج) لملوك السعودية في موقع ايلاف , او مدح (نوري المرادي) للشيخ التكفيري السلفي (العرعور) وغيرها . واذا وجدت ان هذه الاسماء الثلاث هم من الشيوعيين (الشيعة) لعرفت مصداق قولنا السابق ان اكثرية الشخصيات التي تعرضت للخصاء على يد البعثيين هم من الشيوعين وخاصة الشيعة منهم , والسبب هو ان بنيتهم الاصلية الاجتماعية الشيعية هى من اخصتهم , اذ لو كانوا شيوعيين حقيقة لكانوا ثوريين اباة ولوقفوا ضد الارهاب والاستبداد والطائفية والعنصرية , وبكل صوره وتجلياته سواء اكانت في القومية العربية ام الطائفية السنية. واذا كان الكثير من الشيوعيين واليساريين العرب قد مدحوا ال سعود طمعا بالاموال والحصول على المغانم - كما في مدح اليساري الثوري المتطرف فؤاد النمري للسعودية – فان تقدير الشيوعيين العراقيين الشيعة للسعودية لانجد له تفسير واقعي او موضوعي او عقلاني , الا اللهم ضمن الاحساس بالخصاء والدونية والشعور بالاستلاب والنقص امام العرب اولا واستفزاز الجماعة الشيعية والحقد عليها ثانيا . ويبدو ان الشاعر نزار قباني قد انتبه لهذه الظاهرة عند الشيوعيين في وقت مبكر فانتقدهم شعرا :
ما لليساريين من كتابنا
قد تركوا (لينين) خلف ظهورهم ....
وقرروا ان يركبوا الجمال ...
كما ان مسار مدح الاوباش والحثالات من قبل عامة الشيعة ومثقفيهم لايقتصر على الشخصيات الطائفية والعنصرية السنية فقط , وانما يمتد ايضا ليشمل حتى بعض الحثالات والاوباش من الشخصيات الشيعية , ولكن يشترط ان تكون مخصية مثلها اولا , وان تكون مؤذية للجماعة الشيعية في العراق ثانيا . وهذا الامر رايناه بوضوح بعد عام 2003 في الحقل السياسي الشيعي , اذ وجدنا ان المثقفين والعامة - والمثقفين هم عوام في بنيتهم الاصلية كما ذكرنا سابقا - يكنون تقديرا وتبجيلا ومدحا وتقديسا لامثيل له للشخصيات الساذجة والموتورة والتافه في العملية السياسية او المعارضة او الاعلامية , ويقدرون مواقفها السياسية والاجتماعية ويعطونها مسارا اكبر من حجمها وتاثيرها , وهم يعرفون جيدا طبيعة شخصيتها العصابية وخطابها الشعبوي وارئها السطحية وكلامها الاعلامي ومواقفها الشعاراتية , الا انهم يمدحونها ويتماهون معها ويؤيدونها نكاية بالمثقفين الاحرار والشخصيات المعتدلة وتطلعاتها الموضوعية والعقلانية وحقدا على المجتمع الشيعي تحديدا , لان اغلبية تلك الشخصيات الموتورة والساذجة من الاوباش والحثالات كان تاثيرها السلبي وسلوكياتها الغرائبية تقع على الجماعة الشيعية اولا واخيرا .
ج . تبني خطاب الاقصاء الطائفي والعنصري . يتبنى الكثير من الانتلجنسيا الشيعية المخصية خطاب السلطة الطائفي والقومي الاقصائي قبل 2003 ومايردده ورثتهم وايتامهم وذيولهم بعد سقوطهم المخزي والمذل بعد 2003 , خاصة في مواقعهم الاعلامية ومنصاتهم التفاعلية على الانترنت مثل الفيس بوك واليوتوب وغيرها , رغم ان هذا الخطاب هو من يستهدفهم وجوديا وتاريخيا وثقافيا واخلاقيا , وينال منهم سياسيا واجتماعيا , وينعتهم باقسى الصفات والاتهامات في تاريخهم واعراضهم وثقافتهم . والمفارقة انهم يعرفون جيدا طبيعة هذا الخطاب ووظيفته وهدفه والتوجهات الحقيقية له , الا انهم يصرون على الانقياد له والتماهي معه , ((كما نجد هذا ظاهرا في الخطاب الذي تروج له قنوات خاصة مثل الشرقية او دجلة او الرافدين او موقع ايلاف السعودي او كتابات وغيره)) , الا انهم يتبنون هذا الخطاب بحذافيره , ويرردون ماتذكره تلك القنوات والمواقع حقدا وغلا ونكاية بالجماعة الشيعية . وحتى لو كشرت تلك القنوات والخطابات – في حالات معينة – صراحة عن وجهها الطائفي والعنصري والمناطقي الحقيقي , وتكون مواقفها فاضحة ولايمكن انكارها او التعمية والتستر عليها , الا اننا وجدنا ان تلك الانتلجنسيا عندها ذلك الاصرار العجيب والغريب على الاستسلام والانقياد له . واعتقد ان هذا الدافع الذي يضمر حقدا على الجماعة الشيعية يذكرنا بقصة الشخص الذي يضحك من كل قلبه - رغم ان السفينة التي تحمله في عرض البحر في طريقها للغرق - وهو قريب من الموت , وعندما سال عن سبب ضحكه ؟ قال : انا شامت ومبتهج لان فلان - الذي يكرهه ويحقد عليه - سوف يغرق . وعندما قيل له : ومالفائدة !! لانك ستغرق معه ايضا ؟ قال لايهم ّ!! المهم فلان يغرق . وهذه القصة هى افضل مصداق لحالة اغلبية المثقفين والمتعلمين والادباء والفنانين الشيعة , فرغم ان الخطاب الطائفي والقومي وقنواته الاعلامية ومنابره التفاعلية يظهرهم – صراحة او ضمنا – بمظهر الخونة والمتخلفين والاباحيين والغجريين والصفويين والشعوبيين , الا ان هذا في نظرهم لايشكل هما ملحا او حرجا كبيرا , لانه يظهر مجتمعهم وطائفتهم التي يكنون لهم حقدا وغلا فاعلا بمظهر الخونة والغجريين اولا , او يظهر بعض الفئات او المجموعات التي يعاديها او يحقد عليها في مجتمعه بهذا المظهر . وكنا سابقا قد فسرنا هذا السلوك الغرائبي والعصابي وغير العقلاني عند المثقفين والمتعلمين الشيعة وباقي الاقليات في العراق بالخصاء والاستلاب والدونية امام المركزية السنية والاب الميت , الا اننا وجدنا ان الامر اعمق من ذلك بكثير , وهو الانقياد والخضوع لظاهرة الحقد عند اولئك المثقفين على الجماعة الشيعية , والتشفي بها والشماتة منها استفزازها والضحك عليها , والتنفيس عن مظاهر الكراهية التي تغلي في جوانحهم الموتورة وسرائرهم المدجنة على واقعهم وتاريخهم وهويتهم , من خلال تبني خطابات السلطات الطائفية والقومية العنصرية , واعادة بعثه بين الحين والاخر .
ح . النيل من مقدسات الجماعة الشيعية ورموزها وثقافتها . وهذا الامر يختلف كليا وجذريا عن ظاهرة النقد والتحليل والتفكيك السائدة عند اغلبية الانتلجنسيا التنويرية والاصلاحية للاسس الدينية والاجتماعية والثقافية البدائية والمتخلفة في العالمين العربي والاسلامي . فالنقد الرائج في تلك المجتمعات والحقول المعرفية التي تواكبها ترتكز على مطارحات موضوعية وفكرية ناهضة من المقولات والمناهج الفلسفية الحديثة والتوجهات العقلانية التي تحددها , الا اننا وجدنا ان الانتلجنسيا الشيعية وباقي الاقليات المخصية في العراق تفتقر الى تلك الاسس من النقد والتفكيك والتحليل للخطابات الضمنية او الصريحة التي تسير المجتمع الشيعي , وانما تنطلق ضمن المفاهيم الانتقائية او المزاجية او الاقصائية والتخوينية والاتهامية , او اعادة خطاب الاقصاء والتخوين الذي يردده الاخر من الطائفيون والقوميون المندرجون ضمن المركزية السنية والقومية العربية . وكم مرة طالبنا تلك الانتلجنسيا وتحديناها ان تاتي بخطاب فكري – تنويري – عقلاني انتقادي للمسلمات الضمنية التي تتحكم بالانتاج الفكري والمذهبي والديني والثقافي للجماعة الشيعية في العراق , دون الخطاب الطائفي والقومي السائد الذي يطرح بغلاف براق من الموضوعية والاعتدال والنقد , الا وجدنا اعادة تدوير واجترار لتلك الخطابات الالغائية والتخوينية , وان كان بعضها يتخذ الصورة المعرفية والفكرية , ولكن من خلال الاستخذام الذكي للمفاهيم الحديثة والمناهج العصرية لما بعد الحداثة , واعتماد صيغة استبداد النتيجة بالسبب , اي تحديد النتيجة مسبقا والبحث عن الادلة والاسباب التي تؤدي لها , او الايحاء بالحياد والموضوعية في طرح الاشكالات والرؤى ووصولها الى هذه النتيجة المحددة سلفا من خلال العقل والمنطق , وليس من خلال الايديولوجيا والحكم المسبق والغرض السيىء , وهو الامر الشبيه بمخرجات ونتائج الكاتب المغربي (القومي فكرا والمعرفي ظاهرا والطائفي ضمنا) محمد عابد الجابري في كتبه حول نقد العقل العربي , اي اعتماد القنوات المعرفية والغربية الحديثة , ولكن لاغراض ايديولوجية وسياسية , وبالطبع ان الكثيرون ارادوا تقليده والسير بحسب منهجه ورؤيته , الا ان مقارباتهم ومقولاتهم لاتصمد امام القارىء الذكي والخبير رغم انها قد تنطلي على الكثير من البلداء واصحاب الايديولوجيات والحكم المسبق . ونستثني من ذلك بعض الكتابات والدراسات القليلة والنادرة التي ادرجها الباحثون العراقيون امثال علي الوردي وفالح عبد الجبار وعصام الخفاجي وشاكر شاهين وثامر عباس وغيرهم .
وقد يذكر البعض من الكتاب بانك تقف بوجه النقد والتقويم والتفكيك للمرتكزات المذهبية والتابوات الدينية والمطارحات الاجتماعية للجماعة الشيعية في العراق . وبالتالي فانك تؤيد بقاء ورسوخ واجترار تلك الاختلالات والسلبيات عند تلك الجماعة . في الواقع ان هذا الكلام هو (كلمة حق اريد بها باطل) , فكلنا يعلم ان النقد اساس التقدم , وان تحليل المسلمات التقليدية وتفكيك المطارحات البدائية للجماعة الشيعية من اجل ازاحة الرواسب والهوامش والاضافات اللاحقة التي تبلورة ابان عصور التخلف والانحطاط القرو – سطية هو ليس من الضرورة بمكان , بل هو الواجب الملح على كل مثقف شيعي تنويري وليبرالي - او يرجع الى اصول اجتماعية شيعية - الا ان هذا النقد يجب ان ياخذ بعين الانتباه ثلاث قضايا اساسية وهى :
1 . ان الجماعة الشيعية في العراق والمذهب الشيعي هو اكثر الجماعات والمذاهب في العالم التي تعرضت ليس للنقد والتحليل والتفكيك والتقويم فحسب , بل اكثر الجماعات التي تعرضت للتكفير والتخوين والانتهاك والتشويه , حتى اصبح المذهب الشيعي مهلهلا مثل (قميص المسيح) ومقطعا مثل (اوصال الحلاج) . وسبق ان ذكرت هذه الظاهرة واسماء النقاد والكتاب الموضوعيين والاكاديميين او المخصيين والمرتزقة على حد سواء الذين درسوا المذهب الشيعي بالنقد والتحليل في مقالانا السابق في موقع الحوار المتمدن (رسالة الى فاطمة المحسن . من الذي ينتقد سنة العراق اذن ؟) . بمعنى ان لااحد يتصور ان المذهب الشيعي والجماعة الشيعية في العراق هى فوق النقد والتقويم , ولم يمسها احد او يذكرها بكلمة , كما يحاول البعض الايحاء بذلك من اجل اضفاء صفة التفرد في طرحه والشجاعة في نقدة والندرة في اراءه .
2 . ان الاشكالية الرئيسية التي يعاني منها العالم الاسلامي اليوم هى اشكالية الجماعة السنية , سواء اكان في العراق او في العالم العربي والاسلامي , بما تطرحه من اختلالات مستعصية لاحلول لها حتى الان , من قبيل الارهاب والاستبداد والتخلف والماضوية والطائفية والعنصرية وغيرها , وليس الجماعة الشيعية او الاقليات الاخرى , كما تصور ذلك المركزية السنية والاعلام الطائفي والقومي الخاضع لها , والكتاب المخصيون والمدجنون المتاثرون بها . وان اصلاح تلك الجماعة هو مقدمة لاصلاح الواقع العربي والاسلامي على حد سواء , لان تلك المركزية وبما تملكه من سطوة واعلام وهيمنة ونفوذ لها القابلية بالتاثير على جميع تلك الاقليات التي تدور في محورها ومدارها , وان التنوير والعقلانية والاصلاح والحداثة اذا اكتسحت العالم الاسلامي السني , فانه سيتمدد اوتوماتيكيا على جميع الاقليات الاثنية والمذهبية والدينية التي تعيش بين ظهرانيها , كما حصل في اوربا ابان عصر النهضة والتنوير والحداثة , فعقلنة المسيحية ادى الى عقلنتة باقي الاقليات وتقدمها وتطورها وتحديثها كاليهودية التي كانت متحجرة او متعصبة مثلا , وعقلنة باقي السلوكيات والتصرفات البدائية والتقليدية وتقدمها الى افق اكثر حداثة وتطورا . وكما قال ماكس فيبر (ان العقلنة الدينية ساعدت على عقلنة جميع التصرفات الاجتماعية) .
3 . اعتماد المنهجية العلمية والموضوعية والعقلانية في النقد والتقويم والتفكيك وليس الاجترار الطائفي والتدوير القومي للنفايات العنصرية البغيضة واعادة طرحها باسلوب عصري , او ضمن صور براقة من المفاهيم والمصطلحات الحديثة (خمر قديمة , ولكن باواني حديثة) حسب تعبير توينبي . وهذا المنهج للاسف نجده هو الدارج عند الانتلجنسيا الشيعية المخصية او العربية الطائفية والعنصرية من حيث الاستهداف واجترار نفس المقولات التخوينية والتكفيرية والاباحية وغيرها . كما يجب الابتعاد عن موضوعة الانتقاد الشيعي في سبيل تبرئة المركزية السنية وتبييض صفحتها واعتبارها الصورة الزاهية للاسلام والحداثة والتجديد , والقاء تبعات الارهاب والاستبداد والتخلف والتكفير على الجماعة الشيعية او باقي الاقليات في العالمين العربي والاسلامي .
خ . التركيز على ردة الفعل الشيعي من الارهاب والتكفير والاقصاء دون الاهتمام بالمسببات . وهو للاسف من اهم السلوكيات المتبعة والخطابات المتحققة من قبل المثقفين الشيعية المخصيين والحقودين في العراق . فكلنا يعلم ان الحقب الطويلة والقرون المتعددة من الاقصاء والتكفير والتخوين العربي والاسلامي ادى الى رد فعل فكري وديني وسياسي من قبل الجماعة الشعية ضده , وتبلور هذا الفعل من خلال سلوكيات وتصرفات معينة , قد يكون بعضها غير عقلاني او حضاري او حكيم , ولكنه في المجمل يدخل ضمن خانة الرد فعل وليس الفعل الاصلي . وهذا الامر وجدناه بصورة ظاهرة وجلية بعد سقوط النظام البعثي الطائفي والقومي عام 2003 فبعد حصول العمليات الارهابية والقتل على الهوية للجماعة الشيعية في العراق من قبل الفصائل الارهابية السنية السلفية , واستشهاد الملايين من العراقيين , حصلت في بعض الحالات ردة فعل وعمليات انتقام من قبل بعض القوى الشيعية (الحكومية والاهلية) على تلك السلوكيات المخزية من القتل والخطف والتهجير والاغتصاب , تمثلت بتاسيس بعض الفصائل العسكرية من قبل الاحزاب السياسية (اطلق عليها الاعلام السني تسمية الميليشيات) وقيامها بواجب الامن والتحقيق . وكالعادة رفع السنة في العراق اصواتهم عاليا في وجه هذه الميليشيات والفصائل واعتبروها هى سبب الارهاب والخراب في العراق , وليس النتيجة الحتمية على قاعدة (كل فعل له ردة فعل) . وبسبب خبرتهم في الاعلام ومعرفتهم بخاصية الخصاء والتدجين والحقد عند المثقفين والكتاب والادباء الشيعة , فقد انصاع اغلبية اولئك المثقفين لاشعوريا لذالك الخطاب الاعلامي الذي تبثه القنوات والفضائيات الداعمة والمتستره عليه مثل الشرقية والرافدين وغيرها , واخذوا يرددونه اوتوماتيكيا دون تحقيق او سؤال او وعي , بل ودون تفكير او تامل , وكأن البلد لم يتعرض يوميا الى مئات العمليات الارهابية , ولم يقتل منه يوميا الالاف من الشباب والنساء والاطفال الشيعة الذين تقطع اوصالهم في اسواق بغداد وباقي المحافظات وفي شوارعها وساحاتها العامة . وبالطبع لانستطيع حصر اسماء جميع اولئك المثقفين الشيعة المخصيين الذين انشغلوا بالميليشيات دون الاهتمام بالارهاب وسلوكياته واجرامه , لان ذلك يشكل للاسف الاغلبية من اراء تلك الانتلجنسيا المخصية والحقودة . علما ان هذا القول لايعتبر ترويجا للفصائل المسلحة او الميليشيات وسطوتها , واعتبارها البديل عن سلطة الدولة واطارها السياسي والقانوني , ولكن من جانب اخر يجب على من ينادي بسلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة , ان يطالب اولا بالقاء اكثر من سبعين فصيل سني ارهابي وتكفيري اسلحتهم (بشهادة عبد الله الشهواني مدير جهاز المخابرات العراقي بعد 2003) , ويوقفوا عملياتهم الارهابية والاجرامية ضد الجماعة الشيعية في العراق . ولكن هل يستطيع ان يطالب المثقف الشيعي بذلك حقا ؟ او حتى يذكرها بالاسم الصريح ؟ بل ان بعض المخصيين يطلقون عليها مقاومة رغم انها تقتل يوميا الالاف من العراقيين .
د . التماهي مع سياسات الاعلام الطائفي الحاقد والترويج له . فمن الملاحظ ان استهداف اغلبية العراقيين الشيعة بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 اتخذ صورتين او جانبين :
الجانب الاول : الجانب العسكري والامني والحرب المعلنة والابادة المنظمة التي قامت بها الجماعات الارهابية البعثية السنية ضد الشيعة في العراق , وماصاحبها من عمليات قتل وتفجير واختطاف وتهجير واغتصاب وغيرها .
الجانب الثاني : الجانب الاعلامي والحرب النفسية والتشويه والتخوين والتكفير وترسيخ الهزيمة الذاتية وتاصيل الصورة الطائفية والعنصرية والمناطقية , وترويج النظرة البدائية والاباحية على الجماعة الشيعية في العراق . وهذا العمل يضاهي في خطورته وتاثيره الحرب العسكرية والامنية , لانها تقتل شعبا باكمله وتدجنه وتخصيه وتجعله يعيش النقص والدونية والاستلاب. وهذا المسار بدأته قناة الشرقية ذات التمويل السعودي التي يشرف عليها المصلاوي والبعثي السابق سعد البزاز , المقرب الشخصي والعائلي من عدي صدام حسين . ثم امتد ليشمل العشرات من الفضائيات الطائفية الصريحة التي اخذت تقلد الشرقية بمنهجها وعملها . كما اتخذ الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي واهمها الفيس بوك واليوتوب مجالا اقوى وارسخ واكثر انتشارا من الحرب الاعلامية ضد العراق الجديد التي تعمل ليلا ونهارا ومن خلال مواقع وحسابات شخصية ووهمية على نشر الاشاعات والاكاذيب والتدليس والاساطير وغيرها . وقد يعتقد البعض - خطا ام غباء لاادري - ان المستهدف من هذا الاعلام والتحريض والتشويه هو الحكومة العراقية الفاسدة التي تستحق هذا الهجوم وليس الجماعة الشيعية , وهذا بالطبع غير صحيح بتاتا , وتفسير سطحي وساذج ولايخرج الا من افراد لايعرفون حقيقة هؤلاء القوم الحاقدين والطائفيين , فهم لايهتمون بالعراق او بالحكومة العادلة او النزيهة او الوطنية , لان هذه المثل والافكار بعيدة عن نظامهم المعرفي وافقهم الحضاري , وانما هدفهم السلطة التي يسعون للعودة اليها من خلال اليات ترسيخ الفشل الداخلي والهزيمة الذاتية والعطالة والجبن عند الفرد الشيعي , ناهيك عن المثقف الشيعي . وللاسف فقد نجحوا في ذلك نجاحا باهرا , واستطاعوا ليس تغيير الراي العام العراقي وتوجيهه نحو الافق والصورة السياسية والامنية التي يريدون , وانما نجحوا بصناعة الحقيقة والخطاب السياسي والايديولوجي والثقافي السائد عند اغلبية الانتلجنسيا العراقية (المخصية الشيعية والطائفية السنية) على حد سواء . ولكن تبقى خطورة القضية ليس ضمن هذا المدى فقط , وانما انزياحها - بجراتها وصفاقتها - الى النيل من الشخصية الجنوبية الشيعية واظهارها بمظاهر متعددة من السقوط والتخلف والاباحية والسرقة وغيرها . واذا اعتبرنا قناة الشرقية الرائدة في هذا المضمار ايضا , تجد اغلبية مسلسلاتها وبرامجها تسير ضمن هذا المضمار , وصنعت مفردات انتشرت في المجتمع انتشار النار بالهشيم من قبيل العتاكة والعتال وغيرها . وطبعا المقصود بهكذا مفردات اناس معروفين ظاهرا , هم الحكومات واصحاب السلطة بعد 2003 وباطنا - او الخطاب المضمر - بحسب منهج النقد الثقافي ومابعد الحداثة - هم القاعدة الاجتماعية للسلطة والجماعة الشيعية في العراق . والسؤال الذي يطرح نفسه : هل ان المثقفين والاكاديميين والادباء والفنانين الشيعة الذين يعملون بالشرقية او يدافعون عنها لايعرفون توجهاتها السياسية والايديولوجية وهدفها وغايتها ومن يدفع لها او يمولها ويحركها من خلف الستار ؟ الجواب على ذلك هو النفي حتما . فحتى الانسان البسيط والعامي المتخلف هو من يعرف جيدا ان المخابرات السعودية المعادية للعراق - واغلبيته الشيعية - هم من يحركون هذه القناة وباقي المؤسسات الاعلامية التابعة لها , فكيف بالمثقف والاديب الواعي ؟ الا يتجاوزون هذا الواقع برشاقة وسهولة , لان خاصية الحقد والكراهية والخصاء عندهم تجعلهم ينقادون لها ويخضعون لافكارها بصورة تقارب الاطلاق العام .
ان العامة والرعاع والسوقة في المجتمع العراقي كان لهم التاثر الظاهر بفضائية الشرقية , لانها تطرح مع خطابها السياسي والطائفي برامج متعددة من السوقية والترفية والانفتاح ومخاطبة الغرائز واللاشعوريات المكبوتة , الامر الذي سهل تاثيرها على القطيع والسديم الاجتماعي البسيط . ولكن ان يمتد تاثيرها على اغلبية المثقفين والادباء والفنانين الشيعة التي تنال هذه القناة من مجتمعهم وبيئتهم وثقافتهم , وتظهرهم بصورة المتخلفين والاباحيين والناقصين اخلاقيا , فان الامر يدخل حتما في باب اخر , هو التشفي والحقد على المجتمع العراقي , وليس من المعقول ان ندخله في دائرة الغباء والبلادة , الا اللهم التغابي من اجل تنفيس طاقة الحقد الهائلة التي يمتلكونها ضد هذا المجتمع المازوم التي الصقت به جميع موبقات التاريخ واختلالات العصر ونواقص الدهر , والدليل القاطع ان المؤثرين في الدراما والاعلام في هذه القناة هما من الشيعة . ففي المسار الفني واخراج المسلسلات التي تعتمد الغمز والسخرية على الجماعة الشيعية والشخصية الجنوبية , نجد الدور الابرز هو للمخرج (اوس الشرقي) وهو ابن الشخصية البعثية والمتنفذة في المؤسسات الاعلامية في عهد الديكتاتور السابق صدام حسين ورئيس تحرير مجلة (الف باء) المدعو كامل الشرقي . والملاحظ ان (اوس الشرقي) نفسه عندما انتقل للعمل العلني مع السعودية في قناة (MBC) لم يعتمد السخرية والتشويه والاستهزاء من الشخصية السعودية , فيما فعل الافاعيل مع الشخصية الجنوبية العراقية واظهرها بمظهر (القراقوز) . واما الشخص المتنفذ في مجال الاخبار في قناة الشرقية فهو المدعو (مظفر) ابن الاعلامي - الذي كان ايضا يعمل في اذاعة النظام الاستبدادي البعثي السابق - الدكتور قاسم حسين صالح . والاعلامي مظفر اخترع لنفسه في الانترنت سيرة علمية اسطورية لم يصل اليها حتى (اينشتاين) نفسه , الا انها للاسف تجاهلت سنة الولادة في السبعينات !! لان تلك السيرة لاتتلائم مع الفعاليات والشهادات غير المتوافقة مع عمره . والمفارقة انه يريد اعطاء الانطباع بانه من يحدد توجهاته الاعلامية والسياسية في قناة الشرقية , وليس مجرد اعلامي ينفذ سياسات القناة واراءها الايديولوجية وكانه مالكها وليس اعلاميا فيها , ويبدو ان هؤلاء الافراد ورثوا العقلية البرغماتية من ابائهم وتفاعلوا معها بعد ان وجدوا انها تتناغم مع الميول النفسية التي يحملونها وتتوائم مع السلوكيات الاجتماعية التي تاثروا بها .
ذ . الخجل من مدح الجماعة الشيعية في العراق والتغني بها . من المفارقات الغريبة عند الانتلجنسيا العراقية الشيعية بانه عندما يرد ذكر الاقليات والجماعات الاخرى في العراق , تجدهم وقد تحولوا الى رومانتكيين ووطنيين ومدنيين حالمين ومنافقين بارعين . حيث الاطناب الكبير والمديح الرقيق والكتابات التبجيلية , بل تجد الكثير لهم مؤلفات خاصة عن تلك الجماعات والاقليات كالمسيحية واليهودية والايزيدية والصابئة ناهيك عن السنة والكورد والجماعات الاخرى في العالم العربي والاسلامي , ولكن هذه النخبة المثقفة نفسها تتحرج من انتمائها وتخجل من ذكر اصولها وجذورها - فضلا عن مدحها وتقديرها - وبالطبع نحن لانقصد هنا المدح الديني والمذهبي الشيعي القرو – سطي , وانما نقصد تقدير الجماعة الشيعية انثروبولوجيا وليس طائفيا . اي الاشارة لها ايجابيا من خلال تاريخها وتقاليدها ومواقفها ورموزها . وهذا الصمت المطبق يطرح تساؤلا مريبا هل تفتقد هذه الجماعة للتاريخ والمواقف والثقافة ؟ ام انها لاتستحق الاشارة والتقدير والمدح ؟ في الواقع ان الجماعة الشيعية في العراق هى جماعة انسانية لها تاريخها الحضاري المتميز الخاص , وفي جميع النواحي الدينية والوطنية والانسانية والثقافية والثورية , ولها سماتها الاخلاقية والاجتماعية والنفسية الخاصة بها وخصائصها الايجابية وبنيتها العاطفية التي تبلورة من خلال التاريخ الطويل , وتحولاته الحضارية المتعددة ابتدا من السومريين والاكديين والبابليين وانتهاء بالسريان الاراميين . وهم غير مثاليين او منزهين من الاخطاء والسلبيات والاختلالات , وانما هي في الاصل جماعة تقليدية غير معقلنة حتى الان , تعيش الحقل البدائي - كحال الجماعات في العالم الثالث او الوسط العربي الاسلامي المتخلف - ولكن رغم ذلك فان النخبة المثقفة الشيعية تنظر لهذه الجماعة بعيون الاخر الطائفي والعنصري والمناطقي الحاقد , الذي ادرجها في خانة الاستهداف والتخوين , وبالتالي اصبحت هذه النخبة ليس خجلا منها او من الانتساب اليها , وانما كارها ليس لتاريخها وثقافتها وهويتها واسمها فحسب , بل كل من يمت اليها بصلة . ولم يقتصر الحقد والكراهية للجماعة الشيعية التي ينتسبون اليها , وانما امتد ليشمل حتى الحيز الجغرافي للمحافظات الوسطى والجنوبية التي ينحدرون منها , وعدم تقديرهم بالتالي او مدحهم او الاشارة اليهم , الا اللهم عرضا وضمن الاستعراض التاريخي للولادة ومكان الدراسة وغيرها . ولانستطيع ذكر تلك الكتابات والرومانسيات التي قام بها الكتاب الشيعة لتلك الجماعات والاقليات الاخرى , ولكن يمكن ادراج اخر مثال عن ذلك كتاب الاستاذ كاظم حبيب المعنون (مسيحيو العراق اصالة انتماء مواطنة) . والسؤال هو : هل يستطيع الاستاذ حبيب ان ينشر كتابا بعنوان (شيعة العراق اصالة انتماء مواطنة) او كتابا عن مدينته كربلاء ومسقط راسه ؟؟؟!!! حتما انه سيصاب بالسكتة القلبية اذا فكر بفعل ذلك , والخجل والحرج والعار سياخذ منه ماخذا ربما لايستطيع خلالها الخروج من المنزل .
ر . عدم الرد على التجاوزات التي قام بها الطائفيون واتباع السلطات الحاكمة ضد الجماعة الشيعية . وهو من اهم تمظهرات الحقد والكراهية التي يتميز بها المثقف الشيعي المازوم والمخصي على مجتمعه واهله ومذهبه وهويته . فكلنا يعلم ان الجماعة الشيعية في العراق تعرضت الى حملات لامثيل لها من الاستهداف والتشوية والتخوين والتكفير , والاتهام بالانحلال والاباحية والمشاعية الجنسية وغيرها من قبل الانظمة الطائفية والقومية الحاكمة المنحصرة بين عامي (1963-2003) . وسبق ان ذكرنا قسما من تلك الكتابات في مقالنا السابق (ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي – القسم الثاتي) في موقع الحوار المتمدن , الا ان الانتلجنسيا الشيعية لانجد لها ردا ناهضا او فاعلا على تلك الاكاذيب والاتهامات , وقد ارجعنا سابقا السبب الى ظاهرة الخصاء والتدجين والترويض التي عانى منها اولئك المثقفون والادباء والفنانون خلال الاربعين عاما من الحكم البعثي القومي – الطائفي , الا اننا وجدنا ان السبب هو اسوء من ذلك بكثير وهو استفحال ظاهرة الحقد والكراهية في نفوسهم وسرائرهم , والتي تربوا عليها وتاثروا بها من الانظمة القومية والطائفية الحاكمة اولا والخضوع للمركزية السنية والانقياد لها ثانيا , بل وجدنا ان الكثير من اولئك المثقفون اخذوا يروجون لتلك الخطابات وينشرونها ويتاثرون بمضامينها , حتى لو كانت تحوي شفرات قبيحة وسوقية ضد اهلهم ومجتمعهم - من قبيل (الكاولية) للشاعر المعروف سعدي يوسف مثلا - ولكن هذا لايهم ان يطلق عليهم وعلى اهاليهم تسمية (الكاولية) , وانما المهم ان ينفس ذلك عما في ضمائرهم من حقد وغل وكراهية على مجتمعهم وبيئتهم وهويتهم . وعندنا افضل مثال على ذلك المقالات الشهيرة لصدام حسين في جريدة (الثورة) التي نشرها في نيسان عام 1991 بعنوان (ماذا حصل في اواخر عام 1990 – وهذه الاشهر من عام 1991 - ولماذاحصل الذي حصل ؟) التي شن فيها هجوما ساقطا على المحافظات الشيعية الجنوبية واتهمهم بالعجمة والاباحية والانحلال والشذوذ في جريدة الحزب الرسمية , ولكن رغم ذلك وجدنا الخنوع والجبن والعجز على الرد , وهذا الخنوع والجبن له مبرراته واسبابه النفسية ايضا , وهو العجز وتلاشي القدرة والارادة بسبب تراكم الاضطهاد والتدجين والخصاء , وهو شبيه بموقف الانسان الذي يتعرض يوميا للضرب المبرح والاذلال والاتهام , فانه سيكون عاجزا وجبانا عن رفع يديه او صوته امام الاخرين الذين ينتهكونه يوميا , وهو - كما يبدو – شبيه ايضا بحال المثقف الشيعي المخصي , فانه توالي الضربات والاتهامات على مدى التاريخ جعله في موقف العجز والجبن والذل , ولكن لحسن حظه ان اخرين اخترعوا له مبررا براقا وثقافيا ووطنيا لهذا الجبن والسكوت المطبق عليه , وهو (الطائفية) وعدم الانجرار لهكذا موضوعات اولا , ودعوى الوطنية والتوحد ثانيا , وتخيل الامر لو لم تكن هذا المفاهيم غير موجودة او سائدة في الوسط الثقافي , فكيف سيكون موقف او حال المثقف الشيعي ؟ حتما انه سيقدم على الانتحار الما وخجلا من هذا العار المزمن . وسبق ان ذكرنا ان الكاتب الانكليزي صموئيل جونسون اذا قال (ان الوطنية هى الملاذ الاخير للاوغاد) فان العبارة الصحيحة في العراق ستكون (ان الوطنية هى الملاذ الاخير للمخصيين) .
ز . سلوكيات الموظفيين والمتنفذين والاداريين والمعلمين والاجهزة الامنية في الدولة العراقية الحديثة بين صيرورتها الاولى (1921-2003) . فقد تميزت تلك التصرفات والسلوكيات بالاستعلاء والحقد والاذى والبيروقراطية والانتقائية ضد الجماعة الشيعية في العراق . وهذا الفصل من التاريخ الاجتماعي والسياسي هو احد اهم تجليات الحقد والكراهية التي يحملها المتعلمون والمثقفون الشيعة ضد ابناء وطنهم ومجتمعهم وجلدتهم . وقد يذكر البعض ان تلك السلوكيات والتصرفات هى الانعكاس الحقيقي لخطاب السلطة وتوجهاتها المباشرة وغير المباشرة , وان الموظفين والمتنفذين والاداريين , انما كانوا متلقين ومنفذين للاوامر ليس الا , وليس بيدهم الامر والقرار . في الواقع ان هذا الكلام يحوي على جانب كبير من الصحة , فتوجيهات السلطات الطائفية والقومية الحاكمة انذاك كلها كانت تصب في تعقيد واذى المجتمع العراقي وتدجينه وترويضه من خلال اليات الضبط البيروقراطي والتعقيد الحكومي والاداري , حتى اصبحت الدوائر الحكومية مضرب الامثال في السخرية من تعقيد المعاملات الرسمية . الا اننا نعرف الامر جيدا ان بعض المسامحات والتجاوزات والتسهيلات يمكن تنفيذها وتطبيقها حتى يمكن تسهيل امر المراجعين واصحاب الحاجات الحكومية , كما كان يفعل اصحاب السلطة من اهل السنة في محافظاتهم الغربية من حيث السلاسة والتجاوز والتجاوب مع اتباعهم ومقربيهم وقاعدتهم الاجتماعية . وهذا الواقع كان يمكن ادراجه ايضا في خانة الخصاء الذي تعرض له الموظف والاداري الشيعي من قبل تلك السلطات الطائفية والقومية والرعب والحذر والتوجس منها , الا ان اعادة قراءة التاريخ واسترجاع تلك السلوكيات العصائبية وتعمد اذى الجماعة الشيعية وعدم تسهيل امورها والتشدد الاداري والتعليمي ضدها , وطرح انفسهم (ملكيون اكثر من الملك) , يؤكد رؤيتنا ان ظاهرة الغل والحقد والكراهية التي يحملها المثقف والاداري الشيعي على جماعته هى التفسير الاقرب للواقع المعاش وتحليله واستعراض بواعثه واسبابه . ولايمكن حصر وادراج جميع تلك السلوكيات الحقودة وانواعها , لان ذلك يحتاج الى دراسة اجتماعية ونفسية مستقلة لاهميتها ضمن التاريخ المسكوت عنه في العراق , ولكن يمكن استعراض نماذج منها :
1 . ماقام به البعثيون الشيعة في محافظاتهم ومناطقهم الشيعية من انتهاكات ومظالم وتجاوزات اجرامية وساقطة تتجاوز مايقوم به البعثيون الاوباش من السنة . وهذا التصرف لايرجع الى الضغط والالحاح والاوامر السلطوية الحكومية لهم بالتجاوز على ابناء مجتمعهم فحسب , واتخاذ دور كلب الحراسة المطيع والحريص فحسب , وانما يرجع قسم كبير منه الى ظاهرة الحقد والكراهية على مجتمعهم وهويتهم , وربما كان سبب انضمام الكثير من الشيعة لصفوف حزب البعث بعد تسلمه السلطة هو الرغبة بالانتقام والتجاوز على المجتمع وتنفيس ظاهرة الغل والحقد في نفوسهم وسرائرهم الموتورة والمازومة . وقد تجلت تلك الممارسات في سلوكيات اجرامية عديدة لايمكن حصرها , ولكن يمكن ذكر اهمها : كتابة التقارير الامنية ضد المخالفين التي ادت اغلبها للاعدام والسجن والتعذيب , والانضمام الى فرق الاعدام الخاصة بالمعارضين , او ضد الجنود الهاربين والمنسحبين من ارض المعركة اثناء الحرب العراقية الايرانية , او القاء القبض على الجنود الهاربين والمتخلفين عن الجيش وسوقهم الى السجن والاعدام . ولكن يبقى اهمها ماقام به البعثيون الشيعة المنضمين للحرس القومي بعد انقلاب شباط 1963 في بغداد والمحافظات الجنوبية ضد الشيوعيين الشيعة من حيث الابادة والتصفية والتعذيب والخطف والاغتصاب , وكان اكثرها انتهاكا واجراما ماقام به الحرس القومي في الناصرية الذي تعد ممارساته هى الاعنف والاسوء في تاريخ العراق بعد العاصمة بغداد , وكان الفضل بذلك للبعثيين المنضمين تحت قيادة المدعو(فهمي روفا هرمز) قائد الحرس القومي في عموم لواء الناصرية (وهو ابن خالة طارق عزيز ومتزوج من شقيقته) , الذين كانوا ليس خدما اوفياء له فقط , وانما حتى قوادين اوفياء وبامتياز , فقد ساهموا بعمليات الخطف والاغتصاب للشيوعيات من بنات الناصرية وتقديمهن لقمة سائغة للقيادات البعثية ومنهم القيادي (فهمي هرمز) . (وقد فصل ذلك كتاب المنحرفون الذي نشرته الحكومة العراقية عام 1964) .
2 . ماقام به النواب ضباط في الجيش العراقي السابق قبل 2003 - وجلهم بالطبع من الشيعة وخاصة من الناصرية التي كانت تسمى تهكما وسخرية من ابناء المحافظات الغربية السنية (بلد المليون عريف) - بحق الجنود المكلفين من ابناء الجنوب اثناء الخدمة الالزامية او الاحتياط بالجيش العراقي السابق , من حيث المحاسبة والمراقبة والعقوبات العسكرية الشديدة والضغط النفسي والاعمال الشاقة اليومية والنميمة امام الضباط السنة , وغيرها من الاعمال والسلوكيات التي تندرج قسم كبير منها للتملق والنفاق للضباط الطائفيون والعنصريون السنة , والاحساس بالدونية والنقص والاستلاب والذيلية امامهم اولا والحقد على مجتمعهم واهلهم وابناء مناطقهم ومحافظاتهم ثانيا .
3 . ماقام به المعلمون الاوائل في المحافظات والمدن والقرى الجنوبية والشيعية من اعمال قاسية ومذلة لاتوصف ضد التلاميذ والطلبة الصغار من قبيل الضرب المبرح والمهين والمتطرف بحجة التقصير في الواجب البيتي او الصفي . واعتقد ان هذا التاريخ المسكوت عنه يحتاج الى دراسة اجتماعية ونفسية اخرى حول سبب تلك التصرفات الغريبة التي كنا نسمع بها من الطلاب الاوائل الذين درسوا في الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات , وخاصة في الريف , وطرق ضربهم واهانتهم , والابتكارات الغريبة التي يقوم بها اولئك المعلمون , وماذكره البعض من الكتاب الشجعان من ذلك , من قبيل ماادرجه الكاتب التنويري المعروف عبد الجبار الرفاعي في كتابه (الدين والظما الانطولوجي) في ريف مدينة الرفاعي في شمال الناصرية وغيرهم , الا ان المؤسف له عدم ادراج الاغلبية من الكتاب ذلك نفاقا وتملقا للمعلمين الاوباش الذين درسوهم وفعلوا تلك الممارسات المهينة بحجة الحرص عليهم . وقد يعزي البعض تلك السلوكيات الى ظاهرة الاستعلاء عند اولئك المعلمين انذاك , والتباهي بالقوة والسلطة امام الابرياء والطلبة الفقراء من اهل الجنوب , الا ان قسما كبيرا من تلك السلوكيات لايمكن تفسيرها الا باستفحال ظاهرة الحقد والكراهية عند المعلمين الاوائل ضد ابناء مناطقهم , سيما وان اغلبهم سبق لهم ان تعرضوا لتلك الممارسات على ايدي معلمين اخرين وفدوا من محافظات اخرى في الشمال . ولاننسى دور المنظر القومي المعروف ساطع الحصري وتوجيهاته المباشرة في ضرورة ادراج وترسيخ ظاهرة ضرب الطلبة في المدارس , واعتبارها احد اهم انواع الضبط والتدجين والخصاء للطلبة والشباب في المجتمع العراقي . وقد تعززت هذه الظاهرة بعد انقلاب شباط 1963 من قبل المعلمين البعثيين الذين تطرفوا في اهانة الطلبة وضربهم وتدجينهم لاغراض سياسية وايديولوجية , سيما بعد توفر عنصر السلطة والحماية والحصانة عندهم . وقد تفننوا في استخدام العقاب الجسدي من قبيل الضرب المبرح على جميع اجزاء الجسم باليد والعصا بانواعها والرفس بالاقدام وشد الشعر بقوة وحتى العض - او عض الاذن تحديدا - كما حصل في مدينتنا من قبل احد المعلمين البعثيين الثوريين !! وغيرها من الممارسات التي ما ان تسمع بها حتى تتخيل نفسك في وسط اجواء التعذيب والتحقيق بقصر النهاية او الشعبة الخامسة الخاصة بالسجناء والمعتقلين السياسيين ابان الحقبة البعثية . وبالطبع لم يقتصر الامر على المعلمين البعثيين فحسب , وانما شمل ايضا المعلمين الشيوعيين الثوريين الاخرين , ويبدو ان المعلمين البعثيين والشيوعيين ارادوا تطبيق مشروعهم الثوري وتجاربهم النضالية على هؤلاء التلاميذ الضعفاء في الريف والمدن المتريفة .
وقبل ان نختم هذا القسم الخاص بحقد الانتلجنسيا الشيعية في العراق على الشيعة انفسهم , لابد ان نذكر ان الكثير من المثقفين والادباء الذين يرجعون في اصولهم الاجتماعية الى الجماعة الشيعية والمنطقة الجنوبية , انما اصبحوا كذلك هو لحقدهم على مجتمعهم واهلهم وهويتهم وتاريخهم ورموزهم , وان اتخاذهم طريق الثقافة والادب هو من اجل البحث عن سلبيات وعورات واختلالات هذه الجماعة والرغبة بالسخرية والاستهزاء منها , او التعطش لنقدها والهجوم عليها رمزيا وفكريا , ومن ثم التنفيس عن مظاهر الغل والحقد والكراهية في نفوسهم التي تراكمت عبر الاسباب التي ذكرناها سابقا , واهمها التحريض الحكومي الطائفي والقومي الذي تبلور بقوة بعد انقلاب شباط 1963 . واخشى القول ان المثقفين الشيعة اصبحوا مثقفين وادباء وكتاب من اجل التسامي عن المجتمع وتفريغ طاقة الحقد الهائلة في نفوسهم وسرائرهم , وليس محبة بالمجتمع والرغبة باصلاحه وتنويره . اي انهم اصبحوا مثقفين لانهم حاقدين اصلا , وليس مثقفين اصبحوا حاقدين لاحقا كما توهمنا سابقا .
2 . الاثار الديكتاتورية على المجتمع . يعد الطغيان والحكم الاستبدادي والديكتاتوري من اهم العوامل التي ساهمت في ترويج ظاهرة الحقد والكراهية بين افراد المجتمع العراقي . فكلنا يعلم ان الحكم الاستبدادي والاحادي والشمولي الطويل الامد يخلق انماطا من السلوك المازوم والموتور بين افراد المجتمع , وهذه الانماط تكون من خلال صورتين :
الصورة الاولى : الاجواء التي يصنعها الحكم الديكتاتوري نفسه . حيث يعمل النظام الديكتاتوري على بث الفرقة وزرع الكراهية بين فئات المجتمع ومكوناته الاجتماعية والمذهبية والاثنية اولا , (وهو مانطلق عليه الانقسام العمودي) . وزرع الاحتراب والتشظي والكراهية بين الفئة او الجماعة او الطائفة الواحدة - وخاصة تلك التي لها موقف معارض او غير ودي من النظام - ثانيا (وهو مانطلق عليه الانقسام الافقي) . وقد تجلى تاثير هذه الاجواء في العراق ابان الحقبة الديكتاورية الحاكمة خلال الاربعين عاما الاخيرة من حكم القرية البعثية بعد انقلاب شباط 1963 , يث عمل النظام على بلورة الحقد والكراهية بين المكونات المذهبية والدينية والاثنية من اجل المحافظة على سلطته اولا , وكسب تاييد السنة العرب وتخويفهم وتحريضهم ضد الاخرين المعارضين للسلطة من الشيعة والكورد ثانيا . فيما عملت السلطات القومية والطائفية الحاكمة من جانب اخر ايضا على زراعة الاحتراب والكراهية والحقد بين الشيعة والكورد انفسهم , واستهدافهم وخلخلة نسيجهم الاجتماعي وهويتهم الثقافية والحضارية وتحريض بعض الفئات على البعض الاخر . وقد اعتمدوا في ذلك على اليات متعددة منها التهديد والتدجين والترغيب والترهيب والايديولوجيا والضبط الاداري والتربوي والعسكري الحكومي حتى اصبح المجتمع الشيعي في حالة شبة دائمة من الحرب الاهلية غير المعلنة بين فئاته وانماطه الاجتماعية المتعددة .
الصورة الثانية : الاثار غير المباشرة التي ينتجها الحكم الديكتاتوري . ان من المؤكد اجتماعيا وسياسيا وفكريا ان الحكم الديكتاتوري يساهم وبصورة غير مباشرة على بلورة اخلاق سلبية في المجتمع من قبيل النفاق والنميمة والحسد والتخاذل والجبن والتفكك والانقسام وانعدام الارادة واحتقار الذات , الا ان من اهم الاثار غير المباشرة التي ينتجها الحكم الديكتاتوري هو ظاهرة الحقد والكراهية والغل بين افراد المجتمع . وقد صور عبد الرحمن الكواكبي هذه الاخلاق والسلوكيات في كتابه الشهير (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) ومصطفى حجازي في كتابه المعروف (مدخل الى سايكولوجية الانسان المقهور) . ولاحاجة الى القول ان جميع هذه السلبيات والاختلالات والصفات انتشرت في العراق وبصورة كبيرة جدا ابان الحكم الديكتاتوري القومي – الطائفي وخاصة الفترة مابين عامي (1963-2003) , وبما ان الاثار السلبية للديكتاتورية قد وقعت على الجماعات المعارضة - او التي اتخذتها السلطة كذلك - واهمهم الشيعة والكورد , فان ظاهرة الحقد وترويجها بين افراد هاتين الجماعتين كان فاعلا ومنشرا وبصورة كبيرة جدا . بل ونجحوا في ذلك نجاحا منقطع النظير حتى اصبح المثقف الشيعي همه الاول وشغله الشاغل مهاجمة بيئته واهله ومجتمعه تنفيسا لظاهرة الحقد والكراهية التي صنعها الاخرون في داخله , ولاادري لماذا لم يتم دراسة الاثار الديكتاتورية على المجتمع العراقي حتى الان او تاليف كتب على غرار كتابي (الكواكبي وحجازي) او تطبيق دراستهم على المجتمع العراقي على الاقل . ومن الطبيعي ان لاتخرج هكذا كتب ومؤلفات من قبل المثقفين العراقيين , فالسنة لايعترفون بتلك الاثار الديكتاتورية على المجتمع , بل انهم لايعترفون بوجود الحكم الديكتاتوري البعثي في العراق , وربما اعتبروه قمة الديمقراطية والحرية , والسبب هو التوجه الطائفي والعنصري الذي يشكل النظام السياسي والثقافي والاخلاقي الذي يحملونه في مكامن نفوسهم . واما المثقفين العراقيين الشيعة فهم بالطبع ابعد الناس عن تاليف هكذا كتابات عن الديكتاتورية البعثية الطائفية واثارها السلبية على المجتمع , والسبب هو انتشار ظاهرة الخصاء والجبن والعطالة والاستلاب امام المركزية السنية والقومية العربية في ضمائرهم المدجنة وسرائرهم المازومة , وربما لايرجع الامر الى ظاهرة الخصاء المعروفة عند الانتلجنسيا الشيعية فحسب , وانما قد يرجع الى سببين اخرين وهما :
الاول : ان هذه الانتلجنسيا قد دعمت هذه الانظمة الديكتاتورية وتحالفت معها ضد السلطات والتوجهات والقيم الليبرالية التي كانت منتشرة عند جيل النهضة العراقية , واخذت تروج للدولة الشمولية والعدالة الاجتماعية والقائد الرمز والحزب الطليعي الاوحد على حساب القيم الليبرالية والحرية والديمقراطية , كما في تحالفات البعثيين والشيوعيين وتبادل الادوار بين الطرفين . وبالتالي فهى لاتستطيع نقد ذاتها اولا والمشروع الذي ساهمت بتاسيسه ثانيا . ويبدو ان الشاعر مظفر النواب قد احس بهذا التناقض مبكرا , فانتقد الشيوعيين بسبب تلك التحالفات مع البعثيين بقوله (تفوو على هذا اليسار الغبي !!..... اينكر حتى دمه) .
الثاني : ان الانتلجنسيا الشيعية لاتستطيع ادراج الاثار الديكتاتورية على المجتمع , لان تعلم جيدا ان الكثير من الاخلاقيات النفسية والاجتماعية والتوجهات الفكرية والايديولوجية والسياسية التي تحملها هى من اثار الديكتاتورية عليها , ولاتستطيع التحرر منها حتى الان . والسبب لانها شكلت الاساس المعرفي والاخلاقي لها , بل ان الاغلبية تربوا في مؤسساتها الاكاديمية والتربوية والاعلامية , وعملوا ضمن نطاقها الاداري والحكومي , وخضعوا لانماطها وتدجينها وترويضها سنوات طويلة , حتى اصبح التشابه والتماهي فيما بينهم هو الوضوح بمكان , مثل كلب (اخمينييف) في رواية ديستوفسكي (مذلون مهانون) الذي كان من دوام الجلوس والعشرة وشدة التلازم مع سيده اصبح شبيها له .
فيما على النقيض من ذلك نجد ان الكتاب الليبراليون العراقيون والعرب الدور الكبير في استعراض الاثار الديكتاتورية والاستبداد على المجتمع العراقي وتاثيراتها الكارثية وعواقبها الوخيمة , وبشجاعة منقطعة النظير , كما نجد هذا واضحا في مؤلفات علي الوردي وفالح عبد الجبار او كتابات الليبرالي الاردني الاصل شاكر النابلسي , والسبب ليس لانها تقدس القيم الحرية والتعددية والديمقراطية التي تطالب بها فحسب , بل لانها تعرف نفسها جيدا , ان ليس لها اي دور في ولادة الديكتاتورية او الترويج لها او ترسيخها , كما هو حاصل عند الكتاب الايديولوجين الثوريين الاخرين .
وكما قلنا سابقا ان من اهم الاثار الديكتاتورية على اخلاقيات المجتمع وسلوكيات الافراد هو الحقد على المجتمع والتماهي مع الجلاد والتحول الى اداة بيده , وكما قال مصطفى حجازي في كتابه (المدخل الى سايكولوجية الانسان المقهور) ( يتحول الانسان المقهور من ضحية الى معتد على امثاله الاضعف قدرة والاقل خطوره , وهذا التحول يجعله اداة بطش بيد المتسلط , نتيجة معاناته من حالة وهم القيمة والاعتبار الذاتي مما يدفعه الى الاستزلام لدى المتسلط) . ولاحاجة الى القول ان الكثير من ابناء الجماعة الشيعية في العراق اصبحوا ادوات فاعلة بيد الحكومات الطائفية التي تضطهد ابناء مجتمعهم وتقمعهم , بل واصبحوا اكثر افتراسا من السلطة نفسها ويفتخرون بذلك على قاعدة (ان المخصي يفتخر بفحولة سيده) , كما نجد هذا واضحا عن البعثيين الشيعة والكتاب والاعلاميين الموالين للسلطة وغيرهم . والسبب كما بينه (حجازي) نفسه في موضع اخر من كتابه (عند تقادم سنوات القهر والتسلط والاستبداد , ينقلب الانسان المقهور الى مرحلة تاثيم النفس وازدراء الافراد المقهورين مثله , ثم ينقلب لاحقا الى تقدير المتسلط والاعجاب به . فالانسان المقهور كلما احتقر نفسه ازداد اعجابه وتقديره للمتسلط , حتى قد يرى فيه انسانا ذا خصائص اهلية تخوله حق السيادة والتمتع بالامتيازات) . واما في موضوعة (العدوانية المرتدة على الذات) يذكر مصطفى حجازي (ان الانسان المقهور وعندما لايستطيع حل مازقه بشكل ملائم يلجا الى : اما الهروب منه (الانكفاء على الذات) او الهروب فيه (التماهي مع المتسلط) والعيش في وهم السيطرة) . وبالطبع ان وهم السيطرة لايتخذ مساره الصحيح عند اصحاب السلطة الا من خلال الرضوخ لاليات السلطة نفسها , والتي ترتكز على مقومات عديدة , اهمها الرضوخ لسرديات السلطة وخطابها والترويج لظاهرة الحقد على المجتمع الشيعي وترسيخها وتطبيق مطارحاتها وسلوكياتها على ارض الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي .
3 . الحقد الايديولوجي بين التيارات الفكرية والتوجهات السياسية . يعد الحقد الايديولوجي والسياسي من اهم سلوكيات ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي . والعراقي كما هو (حيوان سياسي) من جانب الا انه وكما يبدو ايضا (حيوان ايديولوجي) بامتياز . والسياسية والايديولوجيا صنوان لايفترقان في نظامه المعرفي والثقافي . وهذا السلوك يتخذ صورتين :
الاول : تبني الايديولوجيات الثورية والعصابية والنمط المتشدد والمازوم . وهو اكبر دليل على تفشي ظاهرة الحقد والكراهية عند الانتلجنسيا العراقية , فليس من المصادفة ان نجد ان الايديولوجيات العصابية الثلاث وهى (الشيوعية والقومية والاسلامية) قد شكلت النسبة الاكبر والشعبية الامضى عند اغلبية المتعلمين والمثقفين العراقيين , والسبب لان تلك الايديولوجيات الثورية وتوجهاتها الشمولية والاقصائية والتخوينية والتكفيرية تتناغم مع الشخصية العراقية وميولها الحقودة والموتورة , بل ليس الامر كذلك فحسب , ان اغلبية الانتلجنسيا العراقية تبنى الانماط الاكثر تشددا من تلك الايديولوجيات والتفسيرات الاكثر راديكالية . فكلنا يعلم ان تلك الايديولوجيات تضم الكثير من التوجهات والمدارس والمذاهب المعتدلة والعقلانية والليبرالية مثل الاشتراكية الفابية والقومية اليمينية والاسلامية التنويرية والديمقراطية , الا ان تلك التوجهات لم تلقى هوى وصدى عند العراقيين , لانها لاتتميز بالتطرف والثورية والالغاء , ولاتتلائم مع قيمه البدوية والحقودة . ويبدو ان الكثير من اولئك العراقيين لم يجدوا في تلك الايديولوجيات الثورية ذلك التشدد اليساري والعصابي الذي يبغون , فانضم الكثير منهم الى اقصى اليسار الشعبوي من الايديولوجيات . فقد انضم الكثير من الشيوعيين الى التنظيمات والاجنحة المنشقة عن الحزب الشيوعي العراقي بدعوى اعتداله وتسامحه وانحرافه عن المنهج الماركسي – اللينيني , واخترعوا تنظيمات اكثر تطرفا (وطبعا تطرفها النظري وعلى الورق فقط وليس العملي على الواقع) كما في تنظيم القيادة المركزية التي تزعمه (عزيز الحاج) بدعوى مناداتها بالكفاح المسلح . وتنظيم الشيوعي العمالي الذي تزعمه (منصور حكمت) وتنظيم (الكادر) الذي تزعمه نوري المرادي وغيرها . وكذا الامر مع التحول نحو النمط القومي اليميني والمعتدل - كما في حزب الاستقلال العراقي الذي تزعمه (محمد مهدي كبة) - والاندراج بالتنظيمات القومية اليسارية والثورية - كما في الانضمام الى صفوف حزب البعث وحركة القوميين العرب – وغيرها . واما في الايديولوجية الاسلامية فالامر لايحتاج الى دليل حول تبني التوجهات التكفيرية والاقصائية عند العراقيين من قبيل القاعدة وداعش عند السنة بدل الحزب الاسلامي العراقي , والشيرازية وجند السماء والصرخية عند الشيعة , بدل حزب الدعوة الاسلامي . كل ذلك يدخل في خانة الرغبة بتنفيس ظاهرة الحقد والكراهية الكامنة في نفوسهم العصابية ضد مجتمعهم واهلهم , وليس دعوى التغيير والاصلاح كذبا وزوا , والذي لم نشاهد منه سوى البيانات والادانات والتعليقات . واما التيار الليبرالي في العراق والذي يتميز بالتسامح والاعتدال والحرية وقبول الاخر والتعددية السياسية والثقافية , فانه ابعد التيارات الفكرية عن ميول العراقيين ونوازعهم اللاشعورية وميولهم النفسية وقيمهم الاجتماعية (الريفية والبدوية) وانفعالاتهم الحقودة وانثيالاتهم العصابية , لذا تجد اضمحلال وتلاشي هذا التيار في البلاد , حتى اصبح محل شتيمة وسخرية واستهزاء عند الاغلبية من الانتلجنسيا العراقية .
الثاني : الحقد والكراهية لكل انسان او فئة تختلف بالايديولوجيا عن الاخر. وهى من اهم السمات والصفات التي تتميز بها الشخصية العراقية , فانها تكن للاخر المختلف بالتوجه الايديولوجي والفكري حقدا وكراهية لامثيل لها في كل دول العالم . واقوى تمظهرات ذلك الحقد هو العنف الرمزي ضد الاخر المختلف : كالسخرية والتشويه والتخوين والتكفير وغيرها . والعنف المادي والمتمثل بالابادة الجماعية والاغتيال والاعدام والقتل والاعتقال والخطف والاغتصاب والتهجير والتعذيب . وعند استعراض ماقام به القوميون والشيوعيون والاسلاميون بعضهم ببعض الاخر منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الان , لعرفت مقدار طاقة الحقد الهائلة التي تم تفريغها وتنفيسها ضد الاخر الايديولوجي . وهذا الحقد لايفسر باي حال من الاحوال بدافع المبادىء والحرص على الايديولوجيا , وانما في مجملها تدخل فضلا عن الصراع السياسي على السلطة والرغبة بالهيمنة والنفوذ , الا انها تدخل في جانب اخر في خانة الرغبة بالحصول على المغانم والتسلط والتماهي الشخصي والذاتي مع تلك الايديولوجيات , واعتبار الاختلاف هو خلافا شخصيا يستحق الغضب والعراك والقتل والتنافس الاعلامي والتسقيط السياسي والحزبي .
واما الراي السياسي والصراع الحزبي , فانه يعد ايضا احد ابرز تمظهرات الحقد بين العراقيين . فالعراقي لايعزل نفسه عن الحدث السياسي اليومي والتقليدي , وانما يدخل شخصيته وكرامته فيه , ويعتبر الاساءة والتجاوز على قائده وحزبه ورمزه , بل وربما حتى رايه السياسي , هو تجاوزا عليه واهانة ذاتية له , الامر الذي شكل احد اهم تمظهرات الحقد والغل والكراهية بين اغلبية العراقيين . والمفارقة ان العراقيين لايعرفون ان الحقل السياسي هو حقل متغير يوميا ولايحوي مبادىء ثابتة او قواعد راسخة وقيم جوهرية , وانما يعتمد البرغماتية والمصلحة الشخصية والحزبية والتحالفات الانية , الا انهم - ورغم ذلك - عندهم الاصرار العجيب والتماهي الغريب مع تلك المنطلقات والصراعات واعتبارها افكارا سامية ومطارحات ايجابية تستحق الدفاع والتقديس .
الحلول والمعالجات
ان ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي هى ظاهرة معقدة ومركبة - وليس بسيطة - وترجع في اسبابها وبواعثها الى منطلقات نفسية واجتماعية وسياسية وايديولوجية وطبقية وقبلية وشخصية وغيرها , لذا فان الغائها او تلاشيها هو من الاستحالة بمكان - وربما حتى التقليل من اثارها – لان بعضها يمكن استثماره سياسيا وقوميا وعنصريا وطائفيا ضد الاخر المختلف بالتوجه والثقافة . واعتقد ان الحلول والمعالجات لتهميش وتقليل هذه الظاهرة وارجاعها الى مسارها الطبيعي السائد في دول العالم الثالث , انما يرجع الى اجراءات شاملة تقوم بها النخب الليبرالية والتنويرية الحقيقية اولا , وليس النخب الايديولوجية والثورية التي من صالحها ترويج وترسيخ ظاهرة الغل والحقد والكراهية في المجتمع العراقي . واول مسؤولية تقع عاتق النخب الليبرالية والتنويرية هو الاعتراف بوجود هذه الاشكالية اولا , وليس التسامي عنها او انكارها تبعا للمزايدات الوطنية والرومانتيكية والشعبوية , ويمكن اتخاذ كتابات الدكتور علي الوردي الذي كان الرائد الاول في كشفها وتعريتها وتحليلها , من خلال استعراضه تاثير قيم الصراع الحضري والبدوي – الريفي في المجتمع , ومايصاحب ذلك من تنافس وحقد وتشويه والغاء الاخر , او بيانه التاثيرات السلبية للتسلط الحكومي والاستبدادي على اخلاقيات المجتمع . الاساس المعرفي والثقافي في دراسة هذه الظاهرة المعقدة والخطيرة وبلورة الرؤية الموضوعية لتحليلها ونقدها وتقويمها . واعتقد ان هذه الدراسة ايضا قد تشكل اساسا ممتازا في بيان ظاهرة الحقد واسبابها وتمظهراتها ونتائجها ودور السياسية والايديولوجيا والانتلجنسيا في الترويج لها وترسيخها , ويمكن اعتبارها مدخلا اوليا لتحليلها ونقدها وتفكيكها , ومن ثم خلق الرؤية المناسبة لتهميشها وتقليل اثارها الكارثية على الفرد والمجتمع على حد سواء.
ان المجتمع العراقي يعيش في هذه العقود الاخيرة من الحكم البعثي الطائفي الديكتاتوري , وما اعقبها من تداعيات الارهاب والحرب الاهلية بعد التغيير عام 2003 , اوج قمة الحقد والغل والكراهية بين ليس فئاته ومذاهبه الاجتماعية والطائفية فحسب , بل حتى بين ابناء الفئة والمذهب والقومية الواحدة . ورغم ان (الكراهية شعور غير قابل للاختزال ولايمكن تحديده على الاطلاق وغالبا مايؤدي الى تدمير الكاره والمكروه معا) كما قال ديفيد هيوم , الا ان اغلبية العراقيين ليسوا منساقين لظاهرة الحقد او متماهين مع الكراهية فحسب , بل وفرحين بها اشد الفرح والحبور , لانها تنال من الاخرين الذين يكنون لهم حقدا تاريخيا وغلا اسطوريا , رغم علمهم اليقيني والمؤكد ان التماهي والانسياق الى هذه الظاهرة سيجعلهم في يوم من الايام من ضحاياها المباشرين , وان تداعياتها السلبية ونتائجها الكارثية ستصيبهم في وقت من الاوقات (مثل قصة السفينة التي ستغرق الجميع التي ذكرناها سابقا) , ولكنهم – وكما يبدو – لايهتمون بذلك , فجل اهتمامهم هو التنفيس والتعبير عن طاقة الكراهية الهائلة في وجدانهم وسريرتهم العصابية والمازومه , حتى لو ادى ذلك لاحقا الى النيل منهم او من عوائلهم او مجتمعهم او اعرضهم , او التعرض لتبعات تلك الظاهرة سياسيا وايديولوجيا وطائفيا وعنصريا من قبيل القتل والخطف والاغتصاب والتهجير , حتى يمكن القول ان المجتمع العراقي اليوم اصبح مثل الكلاب السائبة بعضها ينهش لحم الاخر بشكل لاحدود له من التعرض والاساءة والتشويه والتخوين والتكفير . ولاينطبق على هذه الظاهرة الا وصف رئيس الوزراء الاسبق نوري السعيد الذي قال لجماعة من الضباط العراقيين الذين يسعون لتغيير النظام الملكي : (انكم ستندمون لان العراق مثل البالوعة المجاري , وانا صمام هذه البالوعة واذا ذهبت ستظهر عليكم مافيها) (وفي رواية انه قال ذلك للشيخ محمد رضا الشبيبي اثر خلاف بينهما : انه جالس ليس على كرسي رئاسة الوزراء , انما جالس على غطاء بالوعة , وعندما اذهب ستعرفونني) . وبالطبع ان رفع غطاء البالوعة سيخرج النفايات الفظيعة والصراصير والمجاري والروائح الكريهة . وربما كان هذا الوصف من نوري السعيد نوعا من المبالغة , الا انه يعطي دلالة على خطورة خروج المكبوت واللاشعور من العراقيين , وكيف انه سيشكل انعطافة لاحدود لها من العنف والغل والقتل لايحدها قيم او اخلاق او ناموس . فما ان تدخل الى مواقع التواصل الاجتماعي اليوم في الانترنت مثل (الفيس بوك وتيوتر واليوتوب) تجد العجائب والغرائب من الحقد والكراهية بين العراقيين , ليس من خلال السباب والتخوين والتشويه والسخرية والتكفير , والصراعات الحزبية والسياسية والايديولوجية والطائفية والعنصرية والدينية والعائلية والعشائرية فحسب , بل والتشويه والتجاوز على السياقات الاخلاقية والاجتماعية والعرفية , من خلال نشر الالاف من مقاطع الفديو الشخصية والعائلية , او البهتان على الناس والتشهير باعراضهم ومقدساتهم وعوائلهم , والتحريض عليهم والنيل منهم بصورة لامثيل لها في العالم اجمع , بشكل يجعلك القول : هل بقيت هناك قيم او اخلاقيات او مبادىء او اعراف يلتزم بها هؤلاء الصنف من البشر ؟ وهل توجد خطوط حمراء او قوانين او تابوات او مقدسات او محارم لم يتجاوزها هؤلاء الناس ؟
ان ظاهرة الكراهية والحقد هى من تمظهرات المجتمعات التقليدية والبدائية التي تعيش نطاق القبيلة والطائفة والدين والاثنية والعائلية . وهى كما قلنا ظاهرة طبيعية في هذه المجتمعات التي تعيش الانماط القرو – سطية , الا انها - وكما يبدو - ليس قدرا محتوما او مصيرا لازما ابد الدهر , ويكفي ان نعطي الامثلة على تجاوزها ماحصل في الدول الاوربية والمتقدمة , وماتعيشه من الاعتدال والتسامح وقبول الاخر والتعاطف بين افراد تلك المجتمعات . وهذا الامر قد حصل بفضل سيادة القيم الليبرالية والتنويرية الحديثة وتجاوز الايديولوجيات الثورية والشمولية , وتاسيس الدولة المدنية الحديثة التي رسخت مبادىء العدالة والتحضر وقيم الحرية والديمقراطية , وروجت لها واتخذتها دليل عمل واساس في التربية والتعليم . فضلا عن ضبط ايقاع المجتمع من الانحراف والتطرف والتعصب والكراهية . لذا فان امام النخب الليبرالية والتنويرية العراقية مسؤولية الترويج لهذين المسارين وهما :
الاول : التبشير بالقيم الليبرالية والتنويرية الحديثة والترويج لها من خلال التربية والتعليم والثقافة والادب . وهذا المسار هو الكفيل بتهميش وتلاشي ظاهرة الحقد العفوي او الطبيعي الذي ذكرناه بالقسم الاول من هذه الدراسة .
الثاني : المناداة بالدولة الديمقراطية والمدنية العصرية التي تتخذ من تلك القيم الليبرالية هدى ومنهجا واساسا للتقدم والتطوير والحداثة . وهذا المسار هو الكفيل بانهاء واقصاء ظاهرة الحقد السياسي والاثني والطائفي والعنصري المؤدلج في المجتمع العراقي .