مصر: تعديلات سيسيّة ومفارقات سياسيّة

جلبير الأشقر
2019 / 2 / 13


موسى مصطفى موسى، الذي وجّهنا إليه تحيّة إعجاب قبل عام ونيّف من على هذه الصفحات بالذات بعد أن قرّر «أن يرمي بنفسه في الحلبة ويتجرّأ، بجسارة قلّ مثيلها في تاريخ الملاحم البشرية، على أن ينافس الريّس المفدّى (عبد الفتّاح السيسي) على كرسي الرئاسة»، موسى مصطفى موسى الذي دخل التاريخ منذ ذلك الحين كأجسر رجال العرب بعد عنترة بن شدّاد، هذا الموسى إذاً عاد ليفاجئنا ويثير إعجابنا بعقده النيّة على منافسة الريّس المفدّى مرّتين أخريين.
فها هو يطالب من أجل ذلك بتعديل الدستور المصري الذي أُقِرّ قبل خمس سنوات، كي يُتاح للسيسي الذي تنتهي في عام 2022 ولايته الرئاسية الثانية، وهي الأخيرة بحكم الدستور الحالي، أن يُتاح له الترّشح من جديد لولايتين رئاسيتين، مع إطالة مدّة الولاية من أربع إلى ست سنوات بحيث يكون من نصيب الشعب المصري عظيم الحظّ أن ينعم بلا انقطاع بسعادته الراهنة حتى عام 2034. هذا بالطبع إن لم يتجاسر موسى قبل ذلك الحين على تكرار المطالبة بالتمديد للسيسي لولايتين خامسة وسادسة، أو حتى المطالبة بإلغاء تحديد عدد الولايات فسحاً للمجال أمام الرئاسة مدى الحياة التي وحدها تليق بالرجل الذي تكرّم على شعب مصر بالقبول بحكمه.
وقد تزعّم موسى حملة المطالبة بتعديل الدستور من خلال وقوفه على رأس «تحالف الأحزاب المصرية» الذي نتج عن الاندماج بين «التحالف السياسي المصري» بقيادة تيسير مطر، رئيس «حزب إرادة جيل»، و«تحالف الأمة» الذي يقوده موسى وهو يترأس «حزب الغد». وبالرغم من الاختلافات النظرية والأيديولوجية العميقة التي تفصل بين هذه الأحزاب والائتلافات والتي هي على درجة من التعقيد تحول دون تلخيصها في حدود مقال قصير، فقد اتفقت على تغليب مصلحة البلاد العليا على كافة الفروقات الأخرى من أجل دعم الرئيس السيسي دعماً مطلقاً غير مشروط.
وقد تضمّنت حزمة التعديلات الدستورية التي يسعى وراء إقرارها موسى و«تحالف الأحزاب المصرية»، تضمّنت إجراءات تفضي إلى إمساك الريّس المفدّى بالسلطة القضائية إضافةً إلى السلطة التنفيذية التي يمسك بها بصفته رئيساً للبلاد والسلطة التشريعية التي يمسك بها من جرّاء حيازة أزلامه على الغالبية الساحقة داخل مجلس النوّاب. وضماناً لسطوة السيسي على السلطة التشريعية، رأى نوّاب التحالف أن يضيفوا إلى مجلسهم «مجلس شيوخ» يتشكّل ثلث أعضائه من أناس يعيّنهم مباشرة رئيس الجمهورية (فضلاً عن الذين يعيّنهم بصورة غير مباشرة وتُطلق عليهم تسمية «المنتخَبين»)، بحيث تستحق «جمهورية مصر العربية» بصورة كاملة ترقيتها إلى مرتبة الجملوكية.

هذا وقد أورد النوّاب السيسيّون في حزمة تعديلاتهم بدعة دستورية تشكّل إسهاماً جليلاً في علوم الدستور والسياسة والديمقراطية، بدعة لا شكّ في أنها سوف تحتلّ مرتبة رفيعة في البرامج الدراسية المتعلقة بتلك العلوم، ألا وهي تكليف القوات المسلّحة بمهمة «صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقوّمات الأساسية للدولة ومدنيّتها»…. وهي المرّة الأولى في التاريخ التي تُكلّف بها القوات المسلّحة بصون مدنيّة دولة ما، وهي فكرة طريفة لم تخطر في بال أحد إذ درجت العادة حتى اليوم على تفسير مدنيّة الدولة بأنها تقوم على عدم تدخّل القوّات المسلّحة في شؤونها.
هذا وقد أبدى «حزب النور» السلفي، وهو من المؤيّدين بل المتحمّسين لديمومة السيسي على رأس البلاد مثلما كان من المؤيّدين بل المتحمّسين لاستمرار حسني مبارك في حكم مصر حتى «ثورة 25 يناير»، أبدى الحزب المذكور تحفظّه على الحديث عن «مدنيّة الدولة» خشية من أن يعني ذلك علمانيّتها. وهذا ردّ فعل طبيعي بعد سنوات طوال من تستّر هيّاب لأنصار الفصل بين الدين والدولة وراء تسمية «المدنيّة» عوضاً عن التسمية الصحيحة لذاك الفصل، ألا وهي «العلمانية». وهو ما أتاح لجماعة الإخوان المسلمين ذاتها أن تؤكّد على تمسّكها بمدنيّة الدولة وهي تقصد المفهوم الصحيح للتعبير، أي الدولة التي يحكمها مدنيّون، لا عسكر ولا رجال دين (إيران نموذج أوحد لحكم رجال الدين في العالم المعاصر، إذا استثنينا دويلة الفاتيكان).
وقد تجاوز السلفيون تحفظّهم بعد أن أكّد لهم موسى وزملاؤه أن المدنيّة غير العلمانيّة. ولو أن دعاة التعديل الدستوري الذين يتزعّمهم موسى قصدوا علمانية الدولة بدل مدنيّتها لما طالبوا بتكليف القوات المسلحة بالحفاظ عليها، بل لطالبوا، انسجاماً مع المنطق ذاته، بتكليف مؤسسة الأزهر بصون العلمانيّة. وقد سهل على السلفيين فهم تلك المفارقة وهم أنفسهم يُعدّون من كبار الأخصائيين في فنّ المفارقة بعد أن أطلقوا اسم «حزب النور» على حزبهم الظلاميّ بامتياز.