شارع الحرية 3

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 2 / 13

ترتدي عادة كسوة نسائية سوداء اللون أو بنية فاتحة أو زرقاء غامقة، تـنورتها تـقـف عند حدود ركبتيها فيظهر شيء من جمال ساقيها. روح مرحة وشرارة متوقدة في العمل الصحفي الذي تعشقه وهي رئيسة الصفحة الثـقافية في جريدة الشمس.
مكتبها مجاور لمكتب أحمد كما أن روحها كذلك مجاورة لروحه. تعرف عنه بعض تـفاصيل حياته، كما أنها تحدثه عن زوجها وطفلها وصديقاتها ومجمل معارفها. يشربان قهوتهما عادة في حدود العاشرة صباحا في مقهى مجاور لمقر الجريدة.
ناولها الورقـتين اللتين يتكون منهما المقال وأشعل سيجارة يترقب على إثرها رأيها، وكأنه امتحان ذو أهمية قصوى في حياته، فهو يعتـقد في سعة ثـقافتها ودقة نظرتها للأشياء. انغمست هي في قراءة متأنية متفكرة صامتة...
- جيد. Bien fait.
- هل أعجبك؟
- المقال جيد من حيث صياغته وترتيب الأحداث والأفكار، أما من ناحية الإعجاب فهو لم يعجبني.
تـقدم بكرسيه إلى الأمام فغدى وجهه قريـبا من وجهها وأشعل سيجارة ثم تساءل:
- لماذا؟ ألا ترين فيه شيئا من العمق؟
- الحب؟ الحب؟؟ الحب نضخمه كثيرا ونتعسف على أشياء أخرى جديرة بالاهتمام.
ابتسم وتساءل بدوره:
- أعرف أن لديك مشكلة قديمة مع الحب ولكنه محرك الحياة وإن كانت حالاته سلبية.
- لا يا عزيزي العبقري في شؤون الحب والغرام. أنا ليست لدي مشكلة مع الحب. أحب ابني وزوجي كثيرا ثم أنت وجميع الناس. ثانيا، انحصر المقال حول فكرة الانتحار ولم تـفـترض أن يكون الأمر جريمة قـتل أو حادث..
- سمعت أن أباها دخل عليهما الغرفة فوجدهما يمارسان الحب فانتحرا..
- بكل بساطة ينـتحران؟ إن كان انتحارها مقبولا نوعا ما فان انتحاره ليس معقولا. لا تـقـل لي أن الحب دفعه إلى الموت مع حبـيـبته.
- ربما هو الإحساس بالخطيئة؟
أشعلت سيجارتها وخمنت قليلا ثم قالت بنبرة متحمسة:
- تعرف؟ إنها يمكن أن تكون رواية.. Mais plus que ça, un beau roman.
أليس كذلك يا كسول؟ ويل لك يا كافر بنعمة ربك. عندك موهبة في الكتابة غير مستغلة.
رمقها بنظرة مستـفسرة أدركت أبعادها فأردفت قائـلة:
- لا تسألني عن الموهبة كيف هي وكيف اكتـشفـتها فيك ولكن يجب أن تؤمن بنفسك.
- لماذا لا أسألك عن الموهبة؟ هل هي هبة الاهية أم ماذا؟ إن كانت كذلك لماذا لا يرعى الله هبته ويصونها من البداية الى النهاية؟
- وماذا تـفعل سيادتك في هذا الوجود الرحب؟ تضع ساقا على ساق وتدخن سجائرك منتظرا الوحي الرباني؟ أتظن نفسك رسولا؟ أتـظن أن الرسل أناس متـقاعسون ينخرهم الكسل والخوف من أقـدارهم؟ أتملك جزءا من شجاعتهم وإقدامهم على ترسيخ فكرة الله في الحياة بكل ما فيها من شرور وشهوة وغرائز وأطماع ومخاوف وجهل ودناءة بشرية وتدني عن الارتـفاع الى مستوى الروح والعقل؟
ارتسمت على محياه ابتسامة شاحبة أشعل على إثرها سيجارة ثم قال:
- أنا كاتب رديء. هناك فارق شاسع بين كتابة المقالات والقصة أو الرواية.. ثم أنت أول من قال لي بكل صراحة وقسوة أن الأشياء التي كتبتها رديئة. أتـتـذكرين حين أطلعتك على أوراقي القديمة؟ ماذا قـلتي؟ تغلب عليك الانفعالية السياسية.
ملامحه الحزينة صبغت جوا من الألفة والحب فقالت بنبرة متحمسة:
- قلت لك كذلك أنها مجرد محاولات، تدريبات على الكتابة. إنها جيدة كتدريـبات ولكن ليس كأعمال. أعرف أنك موهوب ولكن تـلزمك المطالعة الكثيفة والمكابدة والصقل والجهد لتكون كاتبا. الموهبة وحدها لا تـفعل شيئا. "هيمنجواي" يقول إن الكتابة أشق الأعمال، وكذلك "دوستويفسكي" الذي يقر بوجود الجهد والمكابدة مع الموهبة. قل لي يا عزيزي احمد، ألا تريد أن تكون مثل هؤلاء؟
- طبعا أريد ولكن المسافة شاسعة بين ما نريد وبين ما يمكن لنا أن نكون.
- دعني أقول لك بان "تولستوي" وما أدراك ما "تولستوي" كان يشك في نفسه كاتبا طوال حياته ولكنه كان يؤمن كذلك بأنه كاتب عظيم، بل يرى في نفسه نبيا. إن الفنان الحقيقي لا يرضى عن نفسه مهما كتب وذاع صيته، ولكنه يؤمن بعظمته في الوقت نفسه ويعيش دوما بانتظار العمل العظيم الذي سيـبدعه. ذاك العمل الذي يكون لحظة ميلاده الوجودية الكبرى مثل "مائة عام من العزلة" للساحر "غابريال ماركيز". الكتابة خلق والخلق سر كبير ربما لا تـقدر عقولنا على فهمه الفهم الصحيح. قل ان جوهره من أمر ربك.. (وابتسمت).
وهي تـشعل سيجارتها أردفت قائلة، بينما كان مشغولا بالتـفكير في كلماتها التي يؤمن كعادته انها صادرة من الملأ الأعلى:
ـ ألم يقل "تولستوي" بأنه حين بدأ بكتابة رواية "الحرب والسلام" أحس بنفسه متوهجة كالشمس وبأن روحه ستهجم على العالم. استغرقت كتابة "الحرب والسلام" ست سنوات. أي صبر وأي إيمان وأي روح متوهجة ملحاحة؟ كان المرفأ الكبير الذي عاش حياته كلها أملا في الوصول إليه، وطوبى له لأنه قد بلغ ما أراد، فأوفى بحق ربه عليه. مثله مثل "دوستويفسكي" في رواية "الأخوة كارامازوف"..
كنت تسمعها بحب، كأحلى سمفونية تصدر من بشر، إنها تـشعل فيك لهيـبا عذبا. ما أروعها من امرأة..
أخذ يصفق بصوت منخفض فابتسمت. قال بنبرة متراخية تـنم عن الدلال:
- كلامك يضعني في مرتبة العظماء.
- يمكنك أن تكون مثلهم ولكن ... أهجم على الحياة بكل ما لديك من عبقرية كامنة..
- بربك هل كان "تولستوي" ينهض في السابعة صباحا ويشتغل ثماني ساعات و.
قاطعته بابتسامة:
- كان إقطاعيا مقامرا يبحث عن الحب في كل مكان.
أردفت تـقول:
- لا تبحث عن الأعذار. أكتب. كان "همنجواي" ينهض في السادسة صباحا وليس السابعة. آوه كم أنت كسول وكم أنا أكره الكسل..
رمقها بنظرة بلهاء فمسكت ذراعه وهي تضحك:
- أنا لا أكرهك. لا تصدقـني.
يدفـئـني احتكاكها بي ويشعرني بالأمان والبهجة حتى ولو كان طفيفا أو قصيرا..
*****
شيء جديد طرأ على الأجواء. الملف الأزرق الذي يحتوي أوراقها موضوع على المكتب في الشقة يستـفـزني لفعل شيء ما لا أعرف طبيعته أو شكله. لماذا ناولتـني أوراقها؟ علي أن أرجع الأوراق إلى صاحبتها ولكن كيف تناولني إياها دون أن تعرفني؟
ربما إحساسها بالإغماء وقربي منها. يجب أن تعود الأوراق إلى صاحبتها. أشعلت هدى حماستي وأوقدت ناري وأحسست بنـفسي تـنينا يبغي بعث النار من جوفه. جلست إلى المكتب ووضعت مجموعة أوراق بيضاء ومسكت قلمي بكل رغبة في الهرولة و. كانت منى.. توقف القلم بسرعة وأحسست بإنهاك شديد ينـتابني.. انتبهت ثانية إلى الملف الأزرق، الحضارة، تـذكرت أن هذه المادة يدرسونها طلبة قـسم اللغة العربية والمقصود بالحضارة إذا الحضارة العربية. بشوق المطالعة تصفحت الأوراق متسارعا بين الجمل والفقرات وهي عادتي عند اشتراء الكتب لأختار الكتاب أو أتركه من خلال تلك الومضات السريعة. أثـناء ذاك المرور السريع على الحضارة العربية إلتـقطت بعض الكليشيهات في الفراغات الموجودة على الورق..
{عذاباتي تـقض مضجعي.. إمضاء، سلمى المسكينة.. ذكرياتي على الطريق هشيم وحياتي يلكها الكبرياء.. أوه يا بودلير كيف أكون عظيمة دنيئة، كيف أكون أفعى راقصة؟}.
أية صرخات هذه؟ كم هو جرحك غائر؟ يا لعينيك الجميلتين أيتها المتألمـــة الــــرقيقة؟
شغلت بالي فكرة الذهاب إلى شقـتها ولكن.. أجواء الموت الكريهة على قلبي والحزن في الوجوه وذبول الحياة في الحركات والكلمات واغتصاب الضحكات قبل أن تولد، كل ذلك يشعرني بشيء من الغثيان وكرهي لنفسي وللعالم الذي قُـذف بنا إليه. تلك الأجواء التي تـثير الأسئلة الحارقة المحيرة.. هل وجدنا لنموت وما هي الموت ولماذا نموت وهل الموت هو النهاية وهل من المعقول أن تكون لي نهاية؟ يا الاهي لماذا خلقـتـنا؟
كان رأسي يتـثاقـل أكثر فأكثر. ألوان متضاربة ومتعاكسة ومضطربة رجراجة تهز كل كياني هزا. أحاول شد نفسي إلى مواقعي السابقة ولكن دون جدوى. حالة السلام الذاتي التي أجهدت نفسي في يوم من الأيام لأكونها وجدتها تـتبخر بفعل حادثة الانتحار أو القـتل وما ترتب عنها. كأن عصا تهوي علي بضرباته. استلقيت على الفراش فنمت ومع حلول الساعة الخامسة والنصف وجدت غادة توقظني فتراجعت عن الذهاب إلى سلمى.
كان الغروب وإحساس الوحشة يغمر قلبي. أشعلت سيجارة وخرجت إلى البلكونة ويا له من نمل ضخم يتماوج في الأسفل. كان الجو دافئا ولكن الدخان الكثيف يغمر الأجواء. هل من الممكن أن تكون الرابطة الوحيدة بين هؤلاء هي العيش في مكان واحد؟ لو كان كذلك لما تستحق الحياة أن تعاش. يبدو الوجود وجودا بحق حين يعمر الحب القلوب ويربطها. لا يؤدي الحب إلى الانتحار ولكن إلى الاستشهاد ربما، إلى طبع شهادة في التاريخ لها مغزاها الرمزي ولها دورها الواقعي في تكوينه وإثراء مضمونه الروحي. ولكن هل من الضروري أن يتطلب الحب شيئا من التضحيات؟ أليس هو حالة السلم الروحي فلماذا لا يكون الحب سهلا؟ لماذا لا يكون كالماء والهواء؟ لماذا الأنانية والغطرسة؟ القوة الغاشمة أم الجهل أم ضعف بعض النفوس العفنة التي تغتال الحب باسم أشياء لا اسم لها؟ أية حياة هذه دون حب؟
غمرته الأسئلة والأجوبة والكلمات المتلاحقة كالذرات في الهواء ثم دلف إلى الداخل فأغلق باب الشرفة، وغادة خرجت من الحمام وهي تـنـشف شعرها الحريري المنساب ورائحة الشامبو الزكية تغزو الغرفة.. كانت شهوانية جدا بقدر نعومة ملمسها..
حاولت أن اكتب.. ثلاث ورقات.. وجدت الكلمات ليست بكلماتي بل إن قـلبي كان ينفر من كل كلمة يحرثها سن قلمي فهل هذا هو الجهد المستوفي؟ ترددت قليلا قبل أن أمزقها ولكن قلبي انفطر فـقـفزت أصابعي إلى الأوراق تمزقها بانفعال شديد. كانت غادة تضحك وهي تـنظر إلي من وراء كتابها ذو الغلاف الجميل. تـفوهت بكلمات معبرة جدا:
- الآن فقط بدأت تكون كاتبا.
ابتسمت أخيرا في هذه الأمسية الغريـبة التي امتـزجت فيها المشاعر المتـنافرة. وتساءلت بصدق:
- حقا؟
ثم قلت قبل ان تتكلم هي:
ـ هذا النوع من الكتابة يستلزم الكبت الجنسي ربما..
ضحكت بملئ نفسها ثم قالت بنبرة جادة:
ـ كرر المحاولة ثانية وثالثة..
وفعلا حاولت فانتـشيت اول مرة وجمعت عددا لا بأس به من الأوراق المكتوبة، وقرأتها ثانية وثالثة، ثم كأني أهوي في متاهة.. ماذا بعد؟ فكرت وفكرت..ثم.. كل الصور التي راودتـني وجدت ان أصلها في رواية ما او فيلم ما.. عاودت قراءة ما كتبت لينبثق المابعد منها فقط، فإذ بي أجد ما كتبته لاشيء تـقريـبا.. مجرد تمثلات مأخوذة من قراءاتي.. انها ليست أنا.. مزقت الأوراق..
فعلا.. لقد لمست بمجملي ما قاله الكاتب الأمريكي "همنغواي".. " الكتابة هي من أشق الأعمال"..