فى التحليل الاجتماعى لأدائنا الموسيقى المعاصر

مجدى يوسف
2019 / 2 / 11

قدم لنا الدكتور فتحى الخميسى، أستاذ علوم الموسيقى العربية فى أكاديمية الفنون فى صالونه الشهرى عرضا فريدا لتطور الإيقاع والنغم على مدى العصور فى تاريخ البشرية ليبين كيف مضى من أحادية الإيقاعات والألحان إلى تعددها وتراكبها. لكنه بين فى الوقت ذاته أن الألحان ليست إلا نتاج تفاعل مجتمعى معين لشعب محدد مع الطبيعة الأولية وخصوصية طبيعته المجتمعية بحيث لا يمكن "استنساخه" لشعب آخر، وإلا أعرض عنه ومات فى مهده. وقد يمكن مثلا أن يحاول أن "يحاكى" ألحان شعب آخر، لكنه يظل يحاكيها بلغته هو اللحنية النابعة من خيارات مجتمعه النغمية. وهى خيارات لا تصنع فى "أتيليه" أحد الملحنين، إنما يختارها شعب معين من خلال إيقاع حياته اليومية. فما دور ملحن هذا الشعب إذن ؟ هل يقتصر على إعادة إنتاج ألحان شعبه، أم يقوم بتنقيتها و"غربلتها" من داخلها ؟ لقد حقق للمرة الأولى الدكتور فتحى الخميسى، مؤرخ الموسيقى العربية القدير، الدور الرائد الذى قام به محمد عثمان فى عصر محمد على بتنقية الألحان المصرية من التتريك النغمى بأن تجنب الآلات الموسيقية العثمانية، ولجأ لتلك التى صنعها الشعب المصرى ليعبر بها عن ألحانه كالقانون والعود والناى، رافعا لواء الموال الشعبى والأنغام النابعة من أنشطة الفلاحين والعمال المصريين فى حياتهم اليومية. وبذلك حقق لنا محمد عثمان استقلالنا اللحنى عن الهيمنة العثمانية فى حدود العقد الرابع من القرن التاسع عشر. ثم جاء من بعده سيد درويش فى أوائل القرن العشرين ليستوحى تعدد الألحان فى المسرح الغنائى الأوربى ليشطر اللحن الواحد الذى كان غالبا على ألحاننا الشعبية فى مصر حتى عهده إلى تعدد للألحان المتحاورة والمتراكبة. هكذا أنشأ المرسح، وليس "المسرح" الغنائى المصرى، ليس على غرار الأوبرا الأوربية التى لها خاصية الغناء من الحلق، وإنما ليحدث نقلة نوعية للغناء المصرى الصادر عن الصدر- وليس الحلق ! - من أحادية اللحن إلى تعدد إيقاعى ولحنى. من هنا كانت عبقرية إسهامه فى تطوير موسيقانا الوطنية. إلا أن من أتى بعده من الملحنين المصريين من أمثال القصبجى وعبد الوهاب نكص للأسف عن تلك الخطوة العبقرية لتطوير موسيقانا وعاد بنا لرتابة اللحن الواحد المتكرر فيما قدموه من أعمال وما لحنوه من أغان. وصار همهم الوحيد هو "الإجادة" فى تكريس اللحن الواحد وتجميله و"تزويقه" بدلا من تجاوزه من داخله إلى آفاق التعدد اللحنى. وهو ما أدى إلى تغليب الجانب النفسى الاستهلاكى فى موسيقانا المدنية على الجماعى الشعبى الذى يميز تعدد الألحان، وتتميز به الأغانى الجماعية والحوارية لدى عامة الشعب المصرى فى عمله وأنشطة حياته اليومية. وهكذا كرست ظاهرة أم كلثوم حيث صارت أغانيها تكرر اللحن الواحد فى كل "كوبليه" على حدة، بدلا من أن تتراكب الألحان وتتعدد فى أغانيها، وهكذا صارت أيضا تخاطب كل متلق على حده بما يشبع حاجة ذاتية نفسية لديه، مكررة ومتلاعبة بالنغم واللحن الواحد بتنويعات لا تتجاوزه وإنما تكرسه بدلا من أن تتصدى لتعدد الألحان الذى يتيح للأغنية أن تصبح تابعة لأداء الفرقة الموسيقية، وليس بأن يصير عزف الآلات مجرد تابع لصوت المغنى. لذلك فأم كلثوم لم تتوجه فى أغلب أغانيها لمجمل الشعب المصرى العامل فى ثراء إنتاجه لمقومات الحياة، وإنما لأهل المدن المرفهين نسبيا، والذين صاروا يتعيشون على إنتاج وخدمات المهمشين من أهل الريف. لهذا كان الفلاح المصرى يطلق على غناء أم كلثوم "ألا فرانكا"، تأسيا بالخواجات اللذين كانوا يعيشون على حساب الشعب المصرى فى عقر داره، بينما "يترفعون عليه"، ويأنفون من الاتصال به إلا لضرورة تتعلق باستهلاكهم لما يقدمه لهم من خدمات. ومن هنا أيضا جاءت كلمة "الخدامة"، المستخدمة فى اللغة اليومية لأهل المدن، والتى تجسد ما كان يتعيش عليه أهل المدن والعواصم باستغلال الفتيات القاصرات من أهل الريف لخدمتهم قبل أن يبلغن سن الرشد ويعين حقوقهن الإنسانية.