شارع الحرية 2

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 2 / 11

شارع الحبيب بورقيبة عامر وصاخب كعادته. كانت لأمسية الخميس نكهة خاصة لامتـزاج الحاضر والماضي فيها. عبد العزيز صديق الثانوية ذو الشعر الناعم الذي يشقه مفرق على اليمين والوجه الطفولي البريء والسحنة المستهزئة والروح الساخرة والمشتكية من الواقع، يقول دوما أن العصر ليس بعصرنا وأن خطأ فظيعا قد قادنا إلى الولادة فيه. ضحكنا وسخرنا من كل شيء كعادتـنا وهذه المرة سخرنا من أنفسنا.
- أمتهن مهنة الكذب. طموحي أن أكون أكبر كاذب في التاريخ. أختلق الحكايات والمواضيع لأعيش.
- درست التاريخ لأني مندهش منذ الطفولة في كيفية قص الشعر قبل اختراع المقص. كيف كان الإنسان يقص شعره قبل اختراع المقص؟
- درست التاريخ لتجيب على هذا السؤال؟
- نعم. سأكون أستاذا لأني أريد أن أعرف كيف كان الإنسان يقص شعره.
- ستدرس تاريخ الهند و السند و البنجاب و أكلة اللحوم وعاشقي الدماء و لن تجد إجابة لسؤالك. يبدو أنك معقد من الشعر.
غرق كليهما في معمعة البيرة والسخرية بدون حساب. خرجا من مقهى باريس في حوالي السادسة ونصف مساء..
تلكأ ليأتي معي إلى الشقة إلا أني كنت أقوده إلى الباساج حيث تركته يركب المترو وذهبت. كانت الأضواء والسماء السوداء والرذاذ الخفيف والنمل الذي يهرول. أحسست بالنسمات الباردة تخترق جسدي الطويل الذي أتخيله كعمود كهرباء متـنقل فأقـفلت أزرار معطفي وخطوت بسرعة إلى بائع الدخان لأقـتـني علبتي سجائر.. لا أدري لماذا أرى نفسي رصاصي اللون كعمود الكهرباء رغم أني أبيض البشرة..
تـناهى صوتها من المطبخ يهتـف قائلا:
- المقرونة جاهزة.
غادة سمراء برونزية كقمحة ذهبية. قوامها رشيق خطوطه فاتـنة وقدها ممشوق أهيف. تعرف عليها ذات يوم في كلية الآداب. كانت إلى جانبه تستمع إلى محاضرة يلقيها الدكتور الإدريسي ذو الشهرة الكبيرة حول التاريخ العباسي.
" بغداد مدينة السلام. بغداد الحضارة والرقي. لم تـشهد الدولة العباسية الكثير من التوسع العسكري ولكنها شهدت ازدهارا حضاريا كبيرا في الشعر والأدب والعلوم والفلسفة والمذاهب الفقهية والموسيقى وفنون الزخرفة والديكور والصناعة والزراعة. حضارة بازغة كالشمس، حضارة الرشيد والمأمون ذاك الحاكم المفكر الذي طبق على نحو ما حلم أفلاطون في جمهوريته....".
نشر هذا المقال في جريدة الرأي حين كان ساعتها تلميذا في الثانوية. كان جالسا إلى جانبها.
- هل أنت مهتمة بالموضوع حقا؟
- لم لا ؟
- لا أرى سحنة التاريخ في وجهك.
- و هل للتاريخ سحنة خاصة؟
- أكيد. لا أرى الحزن. كلك إشراق وزهو.
إبتسمت ثم قالت:
- أدرس الإنكليزية و لكن حضرت لأتابع هذه المحاضرة. التاريخ العباسي رائع وجميل.
جذب المقال من جيب سترته الداخلي وناولها إياه قائلا:
- يسرني أن أجد صدى لروحي. أريد أن أعرف رأيك في هذا المقال.
- أتحتـفظ به في جيب سترتك؟
- هاتـف غريب قادني الى إنـتـزاع هذا المقال صباحا من درج مكتـبي لأضعه في جيب سترتي. أقـنعت نـفسي أن نـقاشا سيجري مع الدكتور وأن الفرصة ممكنة في أن أناوله المقال ليقرأه ونـتـناقش فيه.. لم يخطر على بالي إطلاقا أن غادة جميلة مشرقة كهذا الصباح هي صاحبة النداء البارا سيكولوجي هذا..
ضحكت وقالت:
ـ فعلا أنا إسمي غادة.
أما الحضارة العباسية فلا زالت أحداثها تـتوالى على مسامعهما.

*****
- كم هي رائعة "السباغيتي" بخيوطها الملتهبة اللذيذة تـتلوى في الأمعاء كراقصة مجنونة حارة.
- و تسمى رقصة "السباغيتي" مثل الروك و السلو.
- ها.ها.ها.. ستكون ساعتها جنية القرن في جوفي.
بالجوع والبيرة والإنهاك أكل بنهم شديد، أما غادة فإن شعرها الكستـنائي الغزير كان يميل هو الآخر إلى الطعام فتطرده فيلتهم عنقها الناعم ووجهها البهي وشعرها المنساب كانسياب شوقه إليها بالقبلات المتـقطعات، فتـنـفتح شهيته للأكل أكثر فأكثر. يتابع أصابعها الدقيقة الطويلة وهي تـدير الشوكة ويتابع حنو شفـتيها البرونزيتين على خيوط المعكرونة، يكاد يذوب بصمت في كل حركة من حركاتها..
كنا زوجين خارج القانون. أعشق حياتي دون التزامات تـقـتل حريتي. إنها واعية بذلك تماما، تعرف أنها لو تـفكر في الزواج فلن أكون أنا زوجها. رويت لها الحادثة فتألمت ولكنها لم تُـثر أي سؤال. على الأرجح أنها كانت تـفكر في الأوراق و صاحبة الأوراق أكثر من أي شيء آخر. كنت قد دخلت مدن الحيرة والعذابات رغم أني لم أعر الحادثة اهتماما كبيرا في تلك الليلة. بعد العشاء تـدحرجنا إلى الغرفة الدافئة بواسطة السخان الكهربائي. نسكافيه بالحليب تدفئ الأمعاء وتلهب شهيتـنا للدخان.
الغرفة نظيفة ومرتبة بفضل لمسات غادة في عالمه الصغير، في ذاك الركن من العالم الذي تراه منبثـقا من الظلام الذي يخيم على مدرج العمارة ليلا ونهارا. كانت غادة قد توجهت مباشرة بعد الغداء إلى الشقة بشوق وسعادة عارمة. وجدتها معلما بارزا من معالم الفوضى واللامبالاة تحاكي اضطراب خلجات نفسه. الأوراق والكتب متـناثرة على المكتب والزربية والفراش وجوانب الفراش، غبار وعفن وأدباش متـناثرة في كل مكان. أزالت الغبار عن المكتب والمكتبة ذات الأدراج الخمسة وفتحت باب الشرفة ونشرت الزربية على سياج البلكونة الصغيرة وأخرجت الغطاء الصوفي فنفضته ونشرته فوق الزربية ثم غسلت الأرضية بماء معطر. تكمن سعادتها في إحساسها بأهميتها القصوى في حياته المبعثرة ولكن يمكن لأي فتاة أخرى أن تحل محلها وتـقوم بما تـقوم به من أعمال هي ليست بالأعمال الخارقة في عالم المرأة، وتـفكيرها في ذلك يدخل الاضطراب على نفسها.
- لماذا نـترك الموت يأخذنا في الوقت الذي يشاء و في المكان الذي يشاء؟. لماذا لا نختار موتـنا ونـقـف وقـفة شجاعة أمام لعنة الوجود هذه؟ إننا لا نعيش ولا نصر على الحياة إلا لكوننا نخاف الموت. لماذا لا نرعب الموت بدل أن يرعبنا؟ لماذا لا نجعله يفر منا ويهرب ونعيش حياتـنا بكل شجاعة وقوة وسعادة حقيقية.. الحياة مغامرة كبرى مع الموت، مواجهة دائمة له وليست هربا جبانا مميتا للروح ومفرزا لكل القذارات التي تدنس الروح..
- الحياة إذا موت دائم.
- موت حياة, حياة موت. هكذا دواليك، انظري كيف نحن الليلة سعداء بلقائـنا. الملل كاد يتسلل إلينا ولكن الخصام أطرد الملل.
- حياتي معك يا حبيبي أكبر مغامرة.
جذب كلتا يديها وأمطرهما بالقبل وقال:
- يا أحلى مغامرة و أمتع و أجمل مغامرة.
ضحكت ثم قالت بوجه يميل الى تـقبيله.. " بالنسبة لي لا يمكن أن يؤدي الحب إلى الانتحار.. يؤدي الى الهروب أما الانتحار فجنون والحياة أعظم من أي حب رغم انها قد تكون الحب"..
في غمرة تلك العذوبة لاحظ أن مناخ الحادثة يرمي بضلاله على نفسه برغم الحضور الساحر لغادة.. الحقيقة ان الحادثة لم تـفارق ذهنه ويبدو انها ليست مجرد حادثة. هناك انبثاق وجودي جديد ربما..
كان الرذاذ يتساقط بهدوء عندما اقـترب من العمارة. رفع رأسه فإذ به يلمح حشدا كبيرا من الناس متجمعين أمام العمارة المجاورة التي يقطن فيها. أثار فضوله وجود سيارة شرطة. بعض الأصوات المندهشة والمذعورة تـقول:
- حادث مريع." اللهم استرنا من الفضائح.. ربي يبقي علينا الستر. الدنيا قريب توفى، عشنا وشفنا شكون يرمي روحه عريان ما لبلكون.. مساكين، لا يزالان في مقتبل العمر.."
كان الحشد يكبر شيئا فشيئا. زحف بين الأجساد كثعبان. وجد جسدين مغتسلين بالدماء.. مغتسلين تماما. يا للفظاعة. عاريين، ساقاها وساقاه ويدان مضمومتان.. نزلا إلى العالم السفلي مترافـقين بيدين مضمومتين. طوبى لك من إرادة قهرت الموت. أتراك أيها الموت خاشعا أمام هذين الجسدين؟
"عظيم. الصورة عظيمة جدا. يبدو أني كنت أبحث عنها منذ زمن طويل... سأتمكن من كتابة قصة. أخيرا يا روحي وجدت موضوعك...".
في تلك اللحظات ظهرت الفتاة الناعمة البيضاء ذات الشعر الأسود الغزير والعينين السوداوين الجميلتين. دفعت الشرطي الذي أراد اعتراضها بنرفزة شديدة وانبطحت متهالكة أمام جسد الفتاة المرتطم رأسها بالإسفلت والدم يغطي مساحات فمها وأنفها وصدرها الذي اختلط بياضه بحمرة قانية قاتمة. تـتلمس الحمامة البيضاء وجه الميتة وتبكي. خطى خطوتين إليها إلا أن الشرطي إعترض سبيله فكان منه أن إستظهر ببطاقـته الصحفية متباهيا متـفاخرا كطاووس. إقـترب إلى المدمعة بنداء أعمق من نداء الصحفي المتسائل بنهم. ركع إلى المدمعة التي كانت تـئن كـقطة وديعة. رمقـته بنظرة متوقدة مندهشة مغتسلة بالدموع أذابت قلبه. سألها:
- هل تعرفينها؟
- إنها أختي.
سكت متأثرا أما هي فتبكي وتبكي وفجأة تـناوله رزمة أوراقها وتـنبطح إلى وجه القـتيلة المضرج بالدماء فتـقبله.
« يـبدو أني سمعتها تـقول.. سامحيني.."