تباين المواقف بين كل من الخاشقجي وعلاء مشذوب و حسين نعمة

فتحي علي رشيد
2019 / 2 / 10

السيدين جمال خاشقجي وعلاء مشذوب إنسانان قتلا أو جرى اغتيالهما بطريقة بشعة وسواء أكانا صحفيين أو أناسٌ عاديين ,فإن مقتلهما جريمة بشعة يجب أن يحاسب عليها المجرمون ويفترض أن يعامل قتلتهم بذات الطريقة لكن ما الذي جرى : الأول قامت الدنيا ولم تقعد لمقتله وبخاصة دولتي قطر وتركيا وإعلامهما كما إيران وسوريا وحلفائهما. وكثيرا من الدول الأوربية بما فيها الأمم المتحدة بينما لم يستنكر مقتل الثاني إلا بالكاد بعض وسائل الإعلام العراقية والعربية ووسائل التواصل الاجتماعي .
الأول صدر بحق قتلته حكم بالإعدام على خمسة أشخاص لثبوت الأدلة ضدهم ـ حتى لوكانت مركبة . لكن الثاني لم يصدر أي حكم ضد قتلته مع أنهم معروفون حتى لم يتم استدعاء أي منهم للتحقيق .
الأول أشاد به القاصي والداني مع أنه كان نكرة بالنسبة لهم قبل أن يقتل , والثاني لم يترحم عليه إلا قلة من المهتمين بالفكر والأدب .ومن المؤسف أن نقول أن بعض العراقيين والإيرانيين تشفوا بموته , بل ـ حتى ـ قال بعضهم أنه يستحق أكثر من ذلك ,مع أنه أصيب بثلاثة عشرة رصاصة ,فقالوا :كان يجب أن يسحق بالأقدام كونه تهجم على ملالي العتبات المقدسة.مع أننا كمسلمين يفترض بنا أن نترحم على الميت مهما كان انتماءه الفكري أوموقفه السياسي .ويفترض بنا كبشر أن لانفرق بين إنسان وإنسان .مع أن لكل إنسان ميزات خاصة لابد من أن تذكر .
يزيد الثاني عن الأول في أنه روائي والروائيين (كما نعرف ) نادرين .وفي حين أن الأول هرب من المواجهة مع النظام السعودي ولجأ إلى أمريكا وأقام في واشنطن معززا مكرماً ثم جرى استداراجه إلى وكر القنصلية السعودية في اسطنبول .بينما الثاني عاش في عين الخطر في قلب وكر القتلة في مدينة كربلاء,متحديا الموت ،مقاوما بلسانه وقلمه وحياته مدعي الدين واللصوص .
ألا يعكس هذا الموقف المتباين والمتناقض إزاء الشخصين قذارة موجودة في مكان ما يجب أن تتم الإشارة إليها ؟ مع أن السعودية صديقة لكل من أمريكا وأوروبا إلا أن أغلب حكومات هذه الدول لم تترك وسيلة للإساءة لها إلا واستخدمتها . ومع أن أمريكا وكثير من دول أوربا تعلن بالكلام أنها ضد إيران وضد أتباعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وضد كل مايرتكبوه من جرائم في هذه البلدان بما فيها بلدانهم ـ إلا أنهم لم يأخذوا أي موقف عملي ضد إيران ولاضد اتباعها في العراق ,مع أن هؤلاء أعلنوا صراحة أن "علاء" يستحق القتل ,وكانوا ومازالوا مستعدين لإرتكاب جرائم مماثلة في بلدانهم .وهذا أبرزأشكال الترهيب والإرهاب مما يحمل تناقضا في المواقف من الرجلين وتباينا بين الأفعال والأقوال, يجلنا نشكك في مبادئهم وفي ما يعلنون عنه في كتبهم وصحافتهم .
من منا ومن جيل السبعينات لايعرف الفنان الكبير حسين نعمة ولم يطرب لأغانيه وصوته الشجي .ومع أن قليلا من أبناءهذاالجيل يعرفون أنه كان أقرب إلى الحزب الشيوعي العراقي من حزب البعث . إلا أن كثيرين اتهموه بالموالاة لصدام . وقلة أكثر تعرف أنه كان إنسانا شفافا ورقيقا وشهما وعفيفا .فأنا شخصيا تعرفت عليه بعد أن زارني في بيتي في مخيم اليرموك ,بعد سقوط نظام صدام حسين وعرفته عن قرب و كم هو محب لسوريا وفلسطين ولشعبيهما ومتعصب للقضية الفلسطينية .
لاأزعم أنه كان معاديا لصدام لكن من المؤكد كما عرفت منه أن صدام حسين كان معجبا به جدا ,وكان يدعوه لقصره لا ليغني له بل ليتسامر معه كونه محبوبا من الشعب , ولهذا ربما لم يقتله كما فعل مع كثير من الشيوعيين العراقيين ,مع أنه كان يعرف أن "حسين " أقرب إليهم منه .
صحيح أنه غنى أغنية لصدام كما غنى عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم عشرات الأغاني لعبد الناصر كونه كان زعيما لبلدهم . ولو كان حسين نعمة متملقا أو انتهازيا لاستغنى وعاش كما عاش هؤلاء,وعاش كما أباطرة بعث صدام في سوريا , حيث استقبل النظام الآلاف من المعروفين بالولاء لصدام وكرمهم .
ومن المؤسف أن نقول أن بعض العراقيين عندما اشتكى الفنان الكبير" حسين " القِلًة , وعدم تشغيل أولاده الثلاثة في العراق مع أنهم يحملون شهادات بكالوريوس في أهم الإختصاصات التي يحتاج إليها العراق .تهجموا عليه ولعنوه وقالوا أن "يستاهل أكثر" لمجرد أنه غنى لصدام ,في حين أن من كانوا بعثيين وجزارين في عهد صدام تم العفو عنهم وتسلموا أهم المناصب , لكونهم إما انتهازيين أوطائفيين .بينما رفض هو وأبناءه أن يتحولوا إلى مرتزقة في المليشيات الطائفية أوإلى لصوص كما فعل الكثيرين .
ومما يلفت النظر أن حكومة دولة الكويت مع أنها تعرضت لغزو من قبل نظام ورئيس غنى له "حسين نعمة"وذاقت الأمرين منه ,إلا أنها تقديرا منها للفن وللفنان ولشعبيته تناست ذلك واتخذت قرارا يقضي باستقباله مع أولاده وإيجاد أعمالا لهم .
ألا تلامس هذه المواقف المتباينة والمتناقضة تباينا في المواقف من أهم القيم الإنسانية ."العدالة والمساواة , الصدق (التطابق بين الأقوال والأفعال) وروح التسامح والعفو والرحمة ,موقفا من الوجود ؟ .
ألا يعكس الموقف من الفن والأدب والفنانين والأدباء موقفا من الحياة ومن الإنسان ؟ ألا يعكس الاستهتار بحياة الإنسان والتشفي بمقتله أو شقاءه وجود نفسيات مريضة ومغلولة , ويؤكد على وجود عقليات ظلامية انتقامية ثأرية تشكل خطرا علينا جميعا كبشر ماتزال تعيش بيننا ؟ألا يجب استنكار هذه النفوس المريضة والوقوف في وجهها كي تعزل وتنبذ كي لايرهبونا ويفعلوا معنا مثل ما فعلوا مع هؤلاء ؟
فتحي علي رشيد 10 /2/ 2019