مادورو .. ومصير اليسار في أمريكا اللاتينية ...!!!!

زياد عبد الفتاح الاسدي
2019 / 2 / 10

منذ انتصار الحركة البوليفارية اليسارية التي أسسها وقادها الزعيم الراحل هوجو شافيز عند فوزه في الانتخابات الرئاسية أواخر عام 1998... بدأ ت منظومة الغرب الامبريالي والادارات الامريكية المُتلاحقة بشن حملة من التآمر الشرس على فنزويلا وعلى القيادة اليسارية لهوجوشافيز والحزب الاشتراكي الفنزويلي المُوحد الذي تاسس عام 2007 .
فقبل استلام شافيز للسلطة الرئاسية في فنزويلا منذ حوالي عقدين من الزمن (أوائل عام 1999) كان ما يقرب من نصف السكان في فنزويلا يعيشون تحت خط الفقر في دولة تعوم أراضيها على بحر من النفط والغاز الذي كانت تقوم باستغلاله وسرقته الشركات الامريكية والغربية والنخبة الطبقية والسياسية الفاسدة التي حكمت البلاد بالتحالف مع رجال الاعمال الذين سرقوا الاقتصاد الفنزويلي وثروات البلاد بلا رادع أو مُحاسبة في جوٍ من الفساد المالي والاداري لم تشهد له القارة اللاتينية مثيلاُ له في ذلك الوقت ... لذا قرر شافيز فور استلامه الرئاسة العمل على تأميم الانتاج النفطي واستخدام عائداته لتحقيق العدالة الاجتماعية في فنزويلا ورفع مستوى المعيشة لملايين الفقراء والعمال والكادحين, والقضاء على بيوت الصفيح المهترئة التي كانت مُنتشرة على نطاق واسع في كافة أنحاء البلاد , من خلال بناء عشرات الالوف من المُنشآت السكنية وتوزيعها مجاناً على المحتاجين حسب الاولوية .
وما أثارغضب وتآمر الادارات الامريكية والانظمة النيوليبرالية في الغرب على شافيز خلال سنوات حكمه ليس فقط سياسته الاقتصادية المُنحازة الى العمال والفقراء وإعادة توزيع الأراضي على المزارعين وانتهاجه سياسة التأميم والاصلاح في قطاعات النفط والكهرباء والاتصالات والصحة والحقل التعليمي ومحو الامية , بل أيضاً سياسته الخارجية المُعادية للغرب والعولمة الاقتصادية والتجارية, وسعيه لتحقيق التكامل الاقتصادي وتوحيد دول القارة اللاتينية في مواجهة التدخلات الامريكية والاوروبية مع ازدياد شعبية اليسار في بعض بلدان أمريكا اللاتينية بعد قدوم شافيز الى السلطة كالارجنتين والبرازيل وتشيلي والبيرو وغيرها .. ولتحقيق حلمه في تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول أمريكا اللاتينية قام بإبرام إتفاقيات ثنائية للتجارة والتعاون الاقتصادي المُتبادل بما في ذلك تصدير النفط والغاز الفنزويلي لبعض دول الجوار في أمريكا اللاتينية باسعار مُخفضة .
ولكن اليسار في القارة اللاتينية وبفعل تصاعد المؤامرات الشرسة من قبل الغرب والولايات المُتحدة بدأ يُسجل تراجعاً مُتواصلاً بعد أقل من ثلاث سنوات على وفاة هوجو شافيز عام 2013 , ولاسيما في دول لاتينية كبرى كالارجنتين مع فوز اليميني موريسيوماكارى في الانتخابات الرئاسية (أواخرعام 2015) ... ثم في تشيلي (ديسمبر 2017) مع خسارة اليسار للانتخابات الرئاسية بفوز المليادير اليميني سيباستيان بينييرا .. ليتلوه في البرازيل فوز مُرشح اليمين المُتطرف جايير بولسونارو في الانتخابات الرئاسية على منافسه مرشح اليسار فرناندو حداد (أواخر عام 2018) ... لتسجل بذلك أميركا اللاتينية للاسف انعطافاً مُتزايداً نحو اليمين .. بل حتى نحو اليمين المُتطرف كما حدث في البرازيل .
ومع تزايد الازمات الاقتصادية والحصار الاقتصادي على فنزويلا وانهيار مستوى المعيشة والتضخم المالي الى مستويات غير مسبوقة , إضافة الى الفساد وتراجع صادرات النفط وانخفاض أسعاره وعائداته وتلاشي إحتياطي الدولة من النقد الاجنبي , وانتهاءاً بهجرة مئات الالوف من الفنزويليين الى دول الجوار .. وغيرها من الازمات التي ساهمت فيها الادارات الامريكية المُتلاحقة بدءاً من إدارة بوش ثم أوباما وانتهاءاً بترامب ... يبدو أن المعارضة اليمينية المُتطرفة في فنزويلا التي تتباهى برفع العلم الصهيوني في ساحات استعراضها أخذت حماساً واندفاعاً كبيرا مع تراجع اليسار المُتواصل في القارة اللاتينية لكي تبذل أقصى ما تملك للاطاحة بنظام نيكولاس مادورو والتراث النضالي لهوجو شافيز , مدعومة بقوة من إدارة ترامب ومنظومة الغرب الامبريالي التي تسعى من خلال الاطاحة بمادورو تصفية مجمل أنظمة اليسار في أمريكا الجنوبية .
والمُشكلة الكبرى التي تُهدد نظام مادورو الآن, لا تتمثل فقط بالمُعارضة وسيطرتها على البرلمان الفنزويلي والدعم المُطلق التي تتلقاه من تآمر الغرب وإدارة ترامب والتدخل الخارجي السافر ..الخ , وإنما بالوضع الاقتصادي المُتدهورعلى نحوٍ خطير للغاية وتزايد الفقر والتضخم والهجرات الى خارج فنزويلا ..الخ
ولكننا نستطيع القول بأنه وبالرغم من الظروف القاسية جداً التي تُواجهها فنزويلا والاخطاء الاقتصادية والادارية التي وقعت فيها القيادة الفنزويلية بسبب ضخامة التآمر الخارجي , فأن فنزويلا بقيادة مادورو والحزب الاشتراكي الفنزويلي المُوحد لا تزال تتلقى الدعم الهائل من الملايين من العمال والشرفاء والكادحين في شوارع فنزويلا .. وهذه القيادة الصامدة في فنزويلا تخوض الآن بشراسة وصمود اسطوري وبلا مُبالغة ليس فقط معركة اليسار في القارة اللاتينية , بل معركة النضال لشعوب العالم الثالث في وجه الامبريالية العالمية ومعركة البقاء والصمود لمئات الملايين من الفقراء والعمال والكادحين ليس في أمريكا اللاتينية وحسب ... بل في العالم أجمع .